خلل فني عارض أم صراع العمالقة على الأسواق؟

د. صلاح أبو نار –

ست دقائق فقط كانت تفصل بين تحليق الطائرة بوينج 737 ماكس 8 من مطار أديس أبابا الإثيوبي وسقوطها، وخمسة أشهر ونصف الشهر فقط، كانت الفترة الفاصلة عن سقوط طائرة من الطراز نفسه يوم 29 أكتوبر 2018، بعد 13 دقيقة فحسب من تحليقها من مطار سوكارنو هاتا الإندونيسي.
لم يحظ حادث طائرة سوكارنو هاتا بالاهتمام العام، ووضع في نفس دائرة ضوء حوادث الطيران النمطية المتكررة، ولكن حادث أديس أبابا أطلق على الفور رياحا سرعان ما تحولت إلى عاصفة.
في الحادي عشر من مارس أعلنت الصين قرارها بحظر طيران كل أسطولها من هذا الطراز، وبعد تسع ساعات أعلنت إندونيسيا الحظر نفسه، وبعدها بساعات طبقت منغوليا القرار نفسه، وفي الثاني والثالث عشر من مارس تبنت عشرات الدول على امتداد العالم الحظر نفسه، وفي نهاية الثالث عشر من مارس وبعد يومين من الإنكار والمماطلة، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام أمر واقع لا يمكنها الهروب منه، فتقدم ترامب ليعلن بنفسه الحظر المؤقت لاستخدام الطائرة حتى تنتهي التحقيقات.
عندما وقع حادث مطار سوكارنو هاتا أثيرت من حول عمل الطائرة شبهات، لكنها كانت محدودة وخافتة الصوت وأحيط بها فورا، ليدرج الحادث أساسا في سياق حوادث الطيران النمطية المتكررة. وفي أعقاب حادت أديس أبابا نشرت البي بي سي رصدا زمنيا لحوادث الطائرات فيما بين 1998 و2019.
وفقًا لهذا الرصد وباستثناء عام 2017، شهدت كل السنوات حوادث طائرات بإجمالي 89 حادثا، وصلت إلى ذروتها عام 2002 مسجله عشرة أحداث بلغ إجمالي ضحاياها 1103. والسيناريو الأساسي لتلك الحوادث هو مزيج من مواجهة الطائرة لأنماط مختلفة من الحوادث الخارجية الاستثنائية، والخلل الفجائي في حركة الطائرة أو نظام تسييرها أو قدرة الطيارين على السيطرة عليها.
وفي كل تلك الحوادث لم يلحظ أي تشديد على وجود خلل أساسي ومسبق ودائم يتعلق بنظم تشغيل الطائرات ذاتها، ولكن حادث الطائرة الإثيوبية جاء خروجا عن هذا النمط. فلقد أشار تحليل مضمون صندوقها الأسود، إلى وجود خلل في نظام فرعي جديد لتشغيل الطائرة يدعى اختصارا «مكاس»، عجز الطيارون عن التعامل معه، ثم جاءت المقارنة بين تحليل هذا الخلل، وتحليل الخلل المصاحب لحادث الطائرة الإندونيسية لكي تكشف تطابقهما، ولكي يوضح أن ما نسب في حادث إندونيسيا إلى نقص تدريب الطيارين على التعامل مع هذا النظام، هو في حقيقته خلل في النظام عجز الطيارون عن معالجته، ولكن حتى هذا الاكتشاف الذي أكدته بيانات شركة بوينج الرسمية يصعب اعتباره السبب الوحيد أو حتى الرئيسي لانطلاق هذه العاصفة، التي باتت تهدد الشركة العملاقة لسنوات قادمة ومعها صناعات وخدمات أخرى على المستوى العالمي، فهناك عوامل أخرى لعبت دورا رئيسيا في تشكيل العاصفة والأزمة المرتبطة بها. ما هي تلك العوامل؟
انطلقت العاصفة – أولا وأساسا – نتيجة لعجز شركة بوينج عن احتواء الحادث الثاني، كما نجحت في احتواء الأول.
وبدأ ذلك بالبيانات التحليلية الصادرة عن السلطات الإثيوبية المختصة، والتي أشارت إلى صراع دار بين الطيارين وجهاز «مكاس» يشير إلى خلل في عمله، وعلى الفور وضعت تلك البيانات دوليا تحت ضوء التحليل المقارن، مع ما كان قيد التداول المحدود من بيانات وتحليلات تخص حادث مطار سوكارنو، بينما واصلت السلطات الأمريكية المختصة رفضها لوجود صلة بين الحادثين.
ولكن التطور الأساسي جاء في اليوم الثاني للحادث، عندما أعلنت الصين إيقاف عمل أسطولها من هذا الطراز والبالغ 96 طائرة، لتطلق حركة إيقاف لعمل الطائرة شملت عشرات الدول. وسوف نجد العامل الثاني في موقف إدارة الطيران الفيدرالي الأمريكية، المسؤولية عن تنظيم وأمن الطيران المدني الأمريكي.
ظلت الإدارة على امتداد ثلاثة أيام، ترفض وجود صلة بين الحادثين، لأن الاعتراف بالصلة يعني الإقرار بوجود خلل في تصميم جزء من أجهزة الطائرة، وبالتالي ضرورة اتخاذ قرار بإيقاف العمل بها مؤقتا، ولكنها في مواجهة موجة الإيقاف العالمي، اضطرت للاستسلام والاعتراف بوجود الصلة واتخاذ قرار الإيقاف، وبالتالي إضافة البلد المنتج للطائرة إلى قائمة الموقفين لها. وخلال المناقشات الواسعة التي دارت بعد ذلك ظهرت معلومات وتحليلات تؤكد عدم كفاءة الإدارة في مراجعة إجراءات ومعايير أمان منتجات شركة بوينج، لأسباب تتراوح بين قصور إجراءات عملها وتساهل واعٍ يستهدف سرعة دعم موقف الشركة التنافسي العالمي، وسوف نجد العامل الثالث في تخبط موقف شركة بوينج وإدارة الطيران الفيدرالي بشأن موعد حل المشكلة ونهاية حظر الطيران. في البداية قيل أن الموعد 24 أبريل، وبعد فترة تراجع الجانبان ليصبح 5 يونيو، وبعد فترة تراجعا مرة ثانية وجعلوه منتصف أغسطس.
وكان لهذا التخبط بالتأكيد تداعياته السلبية. وسوف نجد العامل الرابع في ضخامة الطلب العالمي على الطائرة. في أوائل مارس 2019 وصل حجم الطلب على بوينج 737 ماكس إلى 5012 طائرة، لم تسلم الشركة منها من سوى 276 طائرة. وفي منتصف 2018 وصل الطلب على بوينج 738 ماكس 8 إلى 4500 من إجمالي الطلب على الطائرة. طلب عالمي هائل وسريع النمو، وأعلى كثيرا من قدرة الشركة على الإنتاج، ويعكس ثقة عامة في المنتج والشركة معه، وسيتخذ مسارا معاكسا.
والتحليل السابق يمنحنا عوامل تكون العاصفة التي تهب الآن على شركة بوينج ومعها سوق منتجات الطيران العالمي، لكنه لا يمكننا من فهم العلة الدقيقة والكاملة لانطلاق الشرارة التي أطلقت بدايات هذه العاصفة. تمنحنا التحليلات التي تحت أيدينا إجابتين. الأولى ذات طبيعة تقنية، ومصادرها شبه رسمية، لكنها لم تطرح بعد في صيغه مكتملة ورسمية.
والثانية ذات طبيعة اقتصادية – سياسية لا ترفض الإجابة الفنية لكنها تفسر هذا القصور بسياقات اقتصادية – سياسية محددة، وبالتالي سنجدها افتراضية لكنها ذات احتمالات واقعية عالية.
يفيدنا التحليل الفني أن الطائرة تختلف عن طائرات بوينج 737 السابقة عليها، في كونها ذات محركات أكبر وضعت على الأجنحة، وينطوي هذا التصميم على مخاطرة توقف وبداية سقوط الطائرة، إذا اتجهت مقدمة الطائرة إلى أعلى بدرجة أكبر من المطلوب. وتلافيا لهذا الاحتمال أدخلت الشركة السوفت وير الجديد «مكاس»، ليقوم بإعادة توجيه مقدمة الطائرة عبر «زاوية هجوم» صحيحة إذا انحرفت عنها، ويعمل من خلال «مستشعرين» موجودين علي الجناحين يرصدان الخطأ في «زاوية الهجوم»، ليعدلها «مكاس» آليا دونما تدخل الطيار، عبر رفع الذيل وتخفيض زاوية المقدمة.
ولكن مصممي الطائرة أدخلو تقنية لتعديل المسار عن طريق الطيار إذا حدث ولم يعمل «مكاس» كما يجب.
ووفقًا للتقارير اختلت «زاوية هجوم» الطائرتين وفشل «مكاس» في إعادتها إلى الوضع السليم، وعندما حاول الطيارين إصلاح الزاوية يدويا كان «مكاس» يعيدها إلى وضعها الخاطئ، لينتهي الأمر بسقوطهما، وبالتالي يقر التحليل بوجود خطأ عميق في تصميم وعمل السوفت وير: «مكاس».
ويعترف التحليل الاقتصادي – السياسي بصحة التحليل الفني، لكنه يسعى لتقديم تفسير أوسع له من مجرد أخطاء التصميم. وفقًا لهذا التحليل ترجع بداية القصة إلى 2010، عندما تمكنت شركة إيرباص المنافسة من الوصول إلى محرك جديد أكثر كفاءة في استخدام الوقود وأقل تكلفة، والأهم يمكن استخدامه على الطائرات القديمة، الأمر الذي حقق لها ميزة تنافسية عالية على بوينج. ووجدت بوينج أن الوصول إلى المحرك الجديد المطلوب يحتاج إلى أبحاث ووقت وتجارب، ولمواجهة منافسه إيرباص لجأت لتقديم خصوم سعرية في إطار خطة لتحقيق المطلوب بنهاية العقد.
ولكن خسائر الشركة شكلت تهديدًا اقتصاديًا وفقًا لحساباتها، فلم تواصل برنامجها التطويري السابق حتى نهايته المفترضة، ولجأت إلى حلول سريعة من ضمنها وضع محرك ضخم في الأجنحة، الأمر الذي ترتب عليه تقليل قدرة الجناح على المناورة والمشاكل المترتبة على ذلك ومن ضمنها مشكلة زاوية الهجوم. ولا يتوقف التحليل عند هذا الحد فيضيف ملاحظات مهمة تتعلق بهيئة الطيران الفيدرالي، تقول إن الهيئة رغبة منها في الدعم السريع لشركة وطنية في وجه منافسها إيرباص تساهلت في الموافقة على بعض معايير أمان الطائرات، وأنها في السنوات الأخيرة حسب ما أوردته بلومبيرج وسياتل تايمز قامت بتحويل بعض اختصاصاتها الرقابية إلى هيئات بوينج نفسها، وفي هذا الإطار أحيلت مهمه مراجعة أمان «مكاس» إلى خبراء شركة بوينج.
والأمر المؤكد أن أزمة شركة بوينج سوف تترتب عليها نتائج اقتصادية وخيمة. وأقل تلك النتائج خطرًا المتعلقة بتأثير توقف الطائرات على قطاع النقل والقطاعات التي يخدمها، لأنها ستتلاشى على المدى القصير لوجود بدائل.
والنتائج الخطرة والأكثر استدامة ستتعلق بقطاع صناعة الطائرات. سندع جانبا خسائر بوينج المباشرة، كما تعبّر عنها إلغاء أوامر الشراء المتفق عليها، وانخفاض الطلب الراهن والمستقبلي على منتجاتها، وتراجع قيمة أسهمها، والتعويضات الضخمة التي ستدفعها لشركات الطيران. فهناك بعد آخر ربما أكثر أهمية، الأمر المؤكد أن سوق صناعة الطائرات سوف يتغير إلى حد كبير. وثمة ملمح مؤكد لهذا التغيير، يتمثل في انهيار التوازن بين بوينج وإيرباص، لكي تتصدر إيرباص السوق لعقد على الأقل، وتليها بمسافة بوينج الجريحة. وثمة ملمح آخر مرجح وهو أن السوق سيصبح مهيأ لاستقبال عملاق آخر جديد، والأرجح أنه لن يكون سوى الصين.