السلامة والأمان والتطور التكنولوجي أبرز التحديات

د. الطيب الصادق –

ثمة تحديات كبيرة تواجه صناعة الطيران العالمي لعل أبرزها: ضمان الأمن والسلامة للركاب وهو من أهم التحديات التي تواجه صناعة الطيران بشكل عام حيث يعد هذا العنصر من أهم عوامل المنافسة بين الشركات.
كشفت أزمة سقوط الطائرة الثانية لشركة «البوينج» عملاق صناعة الطائرات الأمريكية عن تحديات كبيرة تواجه صناعة الطيران في العالم مما أحدثت ارتباكا كبيرا في حركة الطيران في الفترة الأخيرة لم يحدث من قبل، خصوصا مع تزايد النمو في حركة الطيران وارتفاع أعداد الركاب إلى 3.3 مليار مسافر سنويا إلى 6 مليارات راكب بحلول عام 2030، لكن تأثير أزمة الطائرة (بوينج 737 ماكس 8) الأخيرة وصل لإيقاف تحليق الطائرة في معظم الدول للتأكيد من صلاحيتها للطيران أولا.
حادث الطائرة (بوينج 737 ماكس 8) التابعة للخطوط الجوية الإثيوبية في 10 مارس الماضي وراح ضحيته 157 راكبا لم يكن هو الأول لهذه الطائرة بل سبقها حادث فج في أكتوبر 2018 لنفس الطراز من الطائرة والتي كانت تتبع شركة الطيران الإندونيسية وقتل جميع ركابها البالغ 189 شخصا، كما هبطت طائرة «بوينج 737 ماكس» تابعة لشركة طيران «ساوث ويست» اضطراريًّا بعد تعرّضها لمشكلة في المحرّك خلال عملية نقلها من فلوريدا إلى كاليفورنيا، بالإضافة إلى حالة أخرى للطراز نفسه من الطائرات ولم يوجد مبرر واضح لأسباب السقوط سوى وجود عيوب في التصنيع، لكن شركة «بوينج» ذكرت في بيان رسمي لها بأنها «لا تزال تتمتع بثقة تامة في سلامة الطائرة «بوينج 737 ماكس» ومع ذلك، بعد التشاور مع إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA)، والمجلس القومي الأمريكي لسلامة النقل (NTSB)، وسلطات الطيران وزبائنها في جميع أنحاء العالم، فقد قررت شركة بوينج بسبب وفرة الحذر ومن أجل طمأنة الجمهور الطائر لسلامة الطائرة أن يوصي إدارة الطيران الفيدرالية بالتعليق المؤقت لعمليات الأسطول العالمي بأكمله»، ولكن سلطات الطيران وشركات الطيران العالمية والاتحاد الأوروبي وعدد كبير من دول العالم قاموا بحظر الطائرة «بوينج 737 ماكس 8» بسبب المخاوف التي تتعلق بالسلامة والأمان كما أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، منع كل طائرات بوينج 737 ماكس 8، وماكس 9 من التحليق، مطالبا بضرورة إصلاح عيوب طائراتها.
كل ذلك أفقد الثقة في هذا الطراز من الطائرات في ظل المخاوف الكبيرة التي أصبحت تثير اهتمام الدول والشركات على حد سواء من استخدام هذا النوع من الطائرات وبدوره أثار الشكوك حول إمكانية تجنب تكرار هذه الحوادث مرة أخرى، والتي ترجع في الأساس إلى عيوب التصنيع وعدم الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا الحديثة وتوظيفها بشكل مناسب في ظل تبني اعتماد الطائرات الذكية والتي تمكن من إقامة نظام بيئي أكثر ذكاء وعمليات أكثر كفاءة وقدرة على استخدام خيارات التقاط البيانات والاتصالات المتطورة التي تساهم في تبادل المعلومات وتضمن تحقيق وتعزيز السلامة والأمان للركاب بشكل أكبر من ذي قبل والتنبؤ بالمشكلات قبل وقوعها والعمل على إيجاد حلول سريعة لها مما يجنب من حدوث سقوط للطائرات.
ثمة تحديات كبيرة تواجه صناعة الطيران العالمي لعل أبرزها: ضمان الأمن والسلامة للركاب وهو من أهم التحديات التي تواجه صناعة الطيران بشكل عام حيث يعد هذا العنصر من أهم عوامل المنافسة بين الشركات ولذلك تلجأ العديد من الشركات إلى الاعتماد على معايير السلامة والأمان التي تقرها المنظمات الدولية، لكن هذه المعايير تتطور مع الوقت وربما بعض الشركات تكون بعيدة عن هذا التطور ولذلك أزمة «بوينج ماكس» الأخيرة جعلت بعض الدول لم تستكف بإيقاف هذه الطائرات من الهبوط في مطاراتها أو استخدامها بل منعتها أيضا من المرور في مجالها الجوي وذلك بسبب عدم توافر السلامة والأمان وهذا تم تطبيقه بالفعل مع «بيونج 737 ماكس 8» وتم تصنيفها بأنها (غير آمنة) خصوصا أن الكشف عن أسباب الحوادث لم تكن واضحة بشكل مباشر وهو ما يجعل الشكوك تزداد حول عدم توافر السلامة والأمان في هذا النوع من الطائرات.
كما أن عدم التطوير المستمر واستخدام وتوظيف التكنولوجيا الحديثة من التحديات التي تواجه صناعة الطيران في ظل التطور المتسارع، حيث إنه كلما كان هناك تطوير وتحديث واستخدام أمثل للتكنولوجيا الحديثة زادت درجة السلامة والأمان، ولذلك فإن معظم حوادث الطائرات ترجع لأسباب عدم التطوير والعمل بأنظمة قديمة وعدم تبني أنظمة حديثة وتطويرها بشكل كامل بل إن هناك استراتيجية تتبعها بعض الشركات وهي التطوير والتحديث الذي يقوم على إضافة وتجديد بعض أجزاء الطائرة دون التطوير الكامل من الصفر مما يوفر للشركة بعض الأموال لكنها تعد استراتيجية خاطئة وفي النهاية تؤدي إلى المشاكل الكارثية التي تعمل على تحطم الطائرة. كما أن الاتجاه للاعتماد على التكنولوجيا الحديثة وصناعة الطائرات بدون طيار يتطلب من الجهات المنظمة والمشرفة على صناعتها بالعمل على رفع مستوى التنسيق لإعداد وتنفيذ إطار تنظيمي مرن متكامل لهذا النوع من الطائرات، لضمان تطبيق أعلى معايير الأمن والسلامة بعد إدراجها في نظام الطيران المدني. وفي الوقت الذي تتزايد فيه أعداد ركاب الطائرات باستمرار، فإن العديد من شركات الطيران تواجه تحديات كبيرة من وجود أزمة في توفير التدريب الكافي لوجود نقص في الأيدي العاملة الماهرة، وخصوصا الطيارين والفنيين والمهندسين في ظل وصول عدد كبير منهم لسن التقاعد حيث إن مسألة التدريب تعد مهمة جدًا لمواكبة التطور والتحديث المستمر في عالم الطيران، كما أن التدريب هو سمة أساسية يجب على الشركات أن تعتمد عليها لأنها المعيار المهم في تفوق الشركات. رغم وجود عمليات تدريب لكنها لم تعد كافية في ظل التطور السريع في استخدام التكنولوجيا الحديثة وخصوصا التدريب على الاكتشاف المبكر للأعطال مما يجنب الشركات العديد من الحوادث، كما أن انتشار شركات الطيران رخيصة التكاليف أدى إلى إهمال عمليات التدريب وزيادة الضغط على رواتب ومزايا الطيارين وأثر ذلك بالسلب على صناعة الطيران بشكل عام. على كل حال يمكن القول بأن أزمة الطائرة (بيونج 737ماكس8) الأخيرة ربما تصبح طريقا لحل المشاكل العديدة والتحديات التي يواجهها قطاع الطيران بشكل عام وحوادث الطائرات بشكل خاص وعدم تكرارها وإيجاد الحلول لهذه المشاكل وقيام الشركات بالتركيز على معايير السلامة والأمان أكثر من المنافسة على تقديم الخدمات والحصول على المبيعات والانتشار بقدر التأكيد على سلامة الركاب، ولذلك يظل التطوير المستمر واستخدام التكنولوجيا الحديثة هو المستقبل الحقيقي لصناعة الطيران والذي يستطيع مواجهة التحديات التي تواجه القطاع، خصوصا في ظل استخدام إمكانات الذكاء الاصطناعي وتعزيز الابتكارات المتميّزة في قطاع صناعة الطيران واستخدام التقنيات الرقمية المتقدمة التي تعمل على تحسين العمليات، وتجنب المشكلات الحالية وفي الوقت نفسه تعمل على تقليل التكاليف أيضا.