صناعة الطيران .. مستقبل الجماهير الغفيرة

إميل أمين –

قبل بضعة أيام أسدى الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» نصيحة مهمة إلى شركة «بوينج» في محاولة منه لإنقاذها من وضعها الراهن.
ترامب لا ينفك يتذكر أنه رجل أعمال، وهذه حقيقة، سيما وأنه رجل أعمال ناجح وبارع، لا جدال في ذلك، وربما بأكثر من كونه سياسيا مخضرما، حتى وإن وصل إلى مقام الرئاسة الأمريكية، وجلس في مقعد قيصر العالم في حاضرات أيامنا.
جاءت نصيحة ترامب للشركة الأمريكية العملاقة، في أعقاب سلسلة من الحوادث الأليمة التي جرت بها المقادير على طراز 737، من الطائرات، وقد كانت آخر تلك المآسي المتحركة طائرة إثيوبيا.
يقول ترامب عبر تويتر أداته المفضلة للتواصل مع الداخل والخارج: ما الذي أعرفه عن العلامات التجارية، ربما لا شيء (لكنني أصبحت الرئيس)، غير أنه إذا كنت مكان بوينج، فسوف أقوم بإصلاح الطائرة بيونيج 737، وأضيف عليها بعض الخصائص والإضافات الرائعة، ثم أطرحها في الأسواق باسم جديد».
لم يتحدث ترامب من فراغ، ذلك أن شركة بوينج وعلامتها التجارية الشهيرة وبحسب مؤسسة «براندا فاينانس» البريطانية الشهيرة، سوف تخسر هذا العام 12 مليار دولار، وذلك بعد منع طائراتها من التحليق في غالبية إن لم يكن كل أجواء العالم بعد حادثتين كارثيتين، فقد تحطمت طائرتان من «بوينج 737 ماكس 8» في غضون أقل من 6 أشهر، ولقي 157 شخصا حتفهم يوم الأحد 10 مارس 2019، عقب سقوط طائرة من هذا الطراز تابعة للخطوط الجوية الإثيوبية، وقبل ذلك في أكتوبر 2018، سقطت طائرة تابعة لشركة «ليون اير» بعد وقت قصير من إقلاعها من العاصمة الإندونيسية جاكرتا، مما أسفر عن مقتل جميع ركاب الطائرة وعددهم 189 شخصا، وأثارت المخاوف بشأن طائرة ماكس التي أطلقتها «بوينج» قبل أقل من عامين.
لم تكن حوادث البوينج أمرا هينا بالنسبة للاستثمارات في قطاع صناعة الطائرات لا سيما الأمريكية، فالقاصي والداني يعلم أنه تمثل ركنا ركينا في عصب الاقتصاد الأمريكي، وفي أعقاب الحوادث الأخيرة هبطت أسهم بوينج بنحو 10% من التعاملات المبكرة، بعدما أعلن عدد من الدول وشركات الطيران إيقاف استخدام الطائرات من ذلك الطراز، وحال استمرار معدل الهبوط لسهم بوينج على هذا النحو في أسهم «بوينج» الشركة الأكبر عالميا في صناعة الطائرات، فمن المتوقع أن تشهد الشركة أكبر هبوط لسهم بوينج منذ عقدين، ليتوقف بذلك الاتجاه التصاعدي لأسهم الشركة التي ارتفعت لثلاثة أضعاف في ثلاثة أعوام فقط، ووصلت إلى مستوى قياسي عند 446 دولارًا في الأسبوع السابق لحادث أديس أبابا.
حين يتحدث الرئيس الأمريكي عن مقترحات لإنقاذ بيونج فإن الرجل لا يضيع وقته ولا يمزح، فعماد وعده للأمريكيين، والأمر الذي أدخله البيت الأبيض في المرة الأولى كان الاقتصاد، والاقتصاد كما نعلم هو عصب الإمبراطوريات، وما من إمبراطورية تستطيع مد آفاقها إلى خارجها، من دون قوة اقتصادية جبارة.
وحال تأمل شعار ترامب، امريكا قوية، امريكا عظيمة، ويكاد يصيح امريكا فوق الجميع، يدرك المحلل المحقق والمدقق للشان الامريكي، ان هناك سعيا حثيثا وسريعا جدا، من اجل ايجاد حلول عاجلة لازمة البوينج، بوصف صناعة الطائرات في الداخل الامريكي، شريان من شرايين عظمة الولايات المتحدة الامريكية.
احد الاسئلة المهمة في تلك السطور هل يمكن اعتبار صناعة الطيران اداة من ادوات الصراع العالمي على القطبية القائمة والقادمة، او في اضعف اليقين وسيلة للمناوشات والصراعات الاقتصادية حول العالم؟
ينبغي الاشارة بداية الى ان صناعة الطائرات اليوم حول العالم تعد احدى اكثر الصناعات نموا واطرادا، فبحسب الكثير من التوقعات الاقتصادية اليوم فانه بحلول عام 2033 سيتضاعف عدد الطائرات في اساطيل الطيران في العالم لتتجاوز 36 الف طائرة، وان العالم سينفق نحو اربعة ونصف تريليون دولار تقريبا على شراء طائرات جديدة، وذلك بالأسعار الحالية لهذه الطائرات.
لا تدهشنا الارقام بالتاكيد، ذلك ان العولمة افرزت ظاهرتين مثيرتين:
الاولى تتصل بالجماهير الغفيرة، بمعنى ان هناك زيادة مطردة في السكان حول العالم، تلك الزيادة جعلت من الطلب على الخدمات، اي خدمات، فرصة ذهبية للقائمين على الصناعات المتعددة، وتقديم الخدمات المختلفة.
اما الثانية فهي سهولة ويسر التحرك والانتقال عبر قارات الارض الست، لترابط واشتباك المصالح، وربما هذا ما عبر عنه قبل خمسة عقود عالم الاجتماع الكندي الشهير «مارشال ماكلوهان» بالاشارة الى فكرة «القرية الكونية».
جزء اصيل من مستقبل صناعة الطائرات يدور هذه الايام بين واشنطن وبروكسل، ذلك ان امريكا وان كان لها سبق في تلك الصناعة، فان اوروبا قدمت بالفعل وعبر شركتها الشهيرة «ايرباص»، سلعة رائجة ومرحب بها حول العالم.
الذين عندهم علم من كتاب دونالد ترامب وما يحويه من افكار، يدركون ان هناك سباقا يكاد يصل الى حد الصراع حول تلك الصناعة، والتي تدر المليارات على المصانع في الجانبين، ولأن ترامب ومنذ اليوم الاول له في البيت الابيض، وربما من قبل، اي خلال سنة حملته الرئاسية، اظهر رفضا واضحا لما اسماه الغبن الاقتصادي الاوروبي، ما يعني ان ترامب يعتقد بأن اوروبا تستفيد من بلاده ماليا، ولا يحقق هو مصالح مقابلة.
هل هي فرصة الآن لترقي ايرباص من جديد على حساب بيوينج؟
حتى الساعة لا تزال الولايات المتحدة الامريكية متقدمة على اوروبا مجتمعة في ارقام التصدير الخاصة بالطائرات، اذ تبلغ اجمالي مبيعاتها 146 مليار دولار، وهي بذلك اكبر الدول في صناعة الطيران في العالم، حيث يعمل في هذه الصناعة نحو نصف مليون موظف بشكل مباشر في الداخل الامريكي، كما ان صناعة الطيران هناك توفر ما نحوه 700 الف وظيفة في الصناعات التابعة لها، وحتى الساعة ايضا تعد الولايات المتحدة الامريكية الدولة الرائدة الاولى في مجال تصنيع الطائرات المدنية الكبرى، واحدى اكبر الدول الموردة للطائرات العسكرية، ويوجد بها اهم شركات تصنيع الطائرات في العالم، وهما شركتا بوينج ولوكهيد مارتن.
لكن ذلك لا يعني ان اوروبا لا تتقدم رويدا رويدا متفرقة في مجال هذه الصناعة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فان فرنسا تأتي في مقدمة دول اوروبا في تلك الصناعة التي تدر عليها دخلا كبيرا، بلغ نحو ثلاثة وخمسين مليارا، تمثل في صادرات الطائرات المروحية والمركبات الفضائية، ويقع مقر شركة «ايرباص» في مدينة تولوز الفرنسية.
هناك المانيا والتي تبلغ صناعتها للطيران نحو اربعة واربعين مليار ودولار، وتأتي بريطانيا في اسفل السلم الاوروبي بقيمة صادرات نحو واحد وعشرين مليار دولار.
السؤال الآن: «من سيحقق النصر في هذه المنافسة، وهل الاحلام الخاصة بصناعة الطيران تقف عند المشهد الحالي الذي نعرفه جميعا، ام ان تلك الصناعة معقودة بمن يقدم خدمات مستقبلية ربما لا تخطر على قلب بشر في الحاضر الزمني؟
قبل بضعة اشهر طرحت وكالة ناسا الامريكية للفضاء السؤال المتقدم عبر صيغة جديدة: «كيف ستبدو الطائرات في سنة 2025؟» في واقع الحال لم تكن ناسا بمفردها من تطلع الى الجواب، اذ شاركتها ثلاث شركات طيران في الداخل الامريكي، وقد كان الهدف من البحث هو التوصل الى طائرة بخصائص مستقبلية مثيرة.
في المقدمة من تلك الاهداف الحصول على طائرة اسرع من الصوت بمراحل عديدة، وقد اتفق الحاضرون انه امر مخجل ان تكون فرنسا في ستينات وسبعينات القرن الماضي، قد عرفت الطريق الى طائرة «الكونكورد» والتي هي اسرع من الصوت، قبل ان تتوقف عن استعمالها، بسبب حادث احتراق احداها عام 2001، واننا في الوقت الراهن والمعاصر، لا نمتلك طائرة مشابهة.
الامر الاخر له علاقة باشكالية البيئة، فقد اضحى التحدي الايكولوجي كما يقال، اي ذلك الخاص بالبيئة والتي تعرضت لانتهاكات قاتلة في العقود السبعة الاخيرة، وبعض من الاثار السلبية على طبقات الجو العليا ولاشك جاءت من جراء مخلفات الطائرات العابرة لسماوات كوكب الارض، ولهذا فان الجميع يتطلع الآن الى نوع من انواع الطائرات التي يطلق عليها صديقة للبيئة.
بعد آخر اكثر اثارة سوف يعتبر في المستقبل المتوسط والقريب مرتكزا رئيسيا في قضية صناعة الطييران، وهو الخاص بالوقود الخاص بطائرات المستقبل، فالجميع يسعى الى طائرات تستخدم وقودا اقل، ما يعني تكلفة اقل على المسافرين، لكن الوقود المتوافر الان والذي تستخدمه جميع طائرات العالم آخذ في النفاذ، وعليه فان اسعار الطاقة مرشحة للارتفاع، وزيادة تكاليف السفر.
في هذا السياق بدا الحديث الجدي عن طائرات تستخدم الكهرباء في طيرانها، وليس سرا ان هناك مصانع كبرى حول العالم، تفكر جديا في الاستعانة بطاقة الرياح، والطاقة الشمسية تحديدا من اجل طائرات المستقبل.
ضمن النقاط التي ستحدد مسارات صناعة الطيران حول العالم، يأتي الحديث عن مسألة معدل الضوضاء، وهناك الكثير من الاصوات حول العالم، لا سيما في الدول ذات مستويات الرفاهية العادية، تتطلع الى معدلات ضوضاء اقل، بل الوصول الى طائرات صامتة لا تزعج البشر.
ويبقى السؤال المزعج حتى الساعة ومن يتوصل لجواب له ستكون له اليد العليا في صناعة الطائرات في العقود القادمة:» كيف الوصول الى طائرات آمنة بنسبة تقترب من المائة بالمائة؟
هذا السؤال يعد تحديا حقيقيا، ولهذا فهناك من يتناول الحديث عن الطائرات الالكترونية الموجهة، وهذه قد لا تحمل بشرا بداية، الى ان تثبت فاعليتها، وربما نشهد طائرات تحمل بشرا لكن يقودها طيار ذاتي آلي مبرمج يتم التحكم فيه من غرف قيادة على الارض لا من السماء، كما الحال مع الطائرات العسكرية من دون طيار.
وفي كل الاحوال فان صناعة الطيران مفتوحة على سيناريوهات عديدة، وعالم عجيب قادم، والنصر في تلك الصناعة للأذكى.