حكاية أسرة ألمانية شرقية في رواية «ليكن قلبك مستعدًا»

ليلى عبدالله –

الحديث عن الألمان، أولئك النازيون -تحديدًا- يستدعي دائمًا حديثًا عن اليهود، عن الشعب اليهودي الذي طورد كالفئران المسعورة حين تولى هتلر القيادة الألمانية، والتي أذنت بحرب عالمية خلّفت وراءها آلاف الموتى والمشردين والمهاجرين، وصار العالم فريقين، فريق للقتلة هم أولئك النازيون وفريق للضحايا هم اليهود كما تسرد كثير من الكتب والروايات والفن السابع كرواية «ليكن قلبك مستعدًا» التي صدرت حديثًا عن دار ممدوح عدوان، ترجمها للعربية الدكتور نبيل حفار. يحفر فيها الكاتب الألماني اليهودي «مكسيم ليو» سيرة حياة أسرته اليهودية.
عرض مفصّل جاء كوثيقة يراد بها كشفا عن مدى الأهوال التي عايشها الألمانيون تحديدًا اليهود منهم أثناء تلك الحقبة المشوّهة كما يُرى تاريخيًّا، الصراع الألماني المشطور ما بين برلين الشرقية وبرلين الغربية، كانتا دولتين منفصلتين، وثمة جدار عريض وصلب يفصل بينهما كحدود عن الانفصال وتلاشي الإنسان في صراعات سياسية حادة لا يد له فيها!
مكسيم ليو يضع القارئ أمام حكايته عبر شخصيات من أسرته، لقد كان جده «غرهارد» بطلًا ملهمًا وأنموذجًا ظل يفتخر بصراعه، فهو ظل يناضل منذ كان في السابعة عشرة من عمره وتعرض للتعذيب على أيدي «إس إس» وهي منظمة عسكرية نازية كانت تحت قيادة هتلر، لها دور كبير في عمليات الاعتقال والتصفية. وحرره الفدائيون «بعد الحرب عاد إلى ألمانيا منتصرًا و بنى جمهورية ألمانيا الديمقراطية، هذه الدولة التي كان يفترض أن يصير كل شيء فيها أفضل. صار غرهارد صحفيا مهما، جزءًا من السلطة الجديدة. آنذاك كانوا في حاجة إلى أناس مثله، إلى رجال أنجزوا جميع مهامهم في الحرب على نحو صحيح،….، فكان يحكي المرة تلو المرة الأخرى عن نضاله ضد هتلر وعن التعذيب وعن النصر».
بدأ روايته بمدخل يستعرض فيها بطولات جده الذي ما فتئ يحكي لحفيده سيرته الفدائية في محاربة هتلر وعند انتهاء العرض كان يمنحه لوح شكولاته بالحليب «وحتى اليوم عندما آكل قطعة شكولاته تدهمني صور الوحوش النازيين». ثم ولج بالحديث عن نفسه، عن حياته بين أبيه «فولف» وعن أمه «آنيت»، ثم يفرد كل منهما بحديث خاص، عن أجواء الحياة التي عاشاها في برلين الشرقية في ظل جمهورية ألمانيا الديمقراطية التي كانت تختصر في رمز (ج.أ.د) التي كانت همّ الجميع، وكان معظمهم يقدسونها ويؤمنون بها، غير أنها كأي سياسة وضعت قوائم المنع والأمور المحظورة التي تشكّك في الهويات كل من يخالف عنها، فكل من يلبس الجينز وصندل بكعب يصبح عدوًّا طبقيِّا، ومن يقف على ناصية الشارع حاملًا مذياعا يهدده مساعدو الشرطة الشعبية، كما أن الاستماع إلى الإذاعة الغربية وتشكيل الفرق يعد أمرًا ممنوعًا.. على هذا المنوال يجد الإنسان نفسه متورطا في سجل مديد من المحظورات عليه تجنبها، كي لا تلطّخ هويته بالخيانة الوطنية «كانوا يظهرون لنا دائما أننا لا ننتمي إليهم. كانوا يدفعون الواحد منا ليصير عدوا».!
في (ج.أ.د) يظل الإنسان تحت الاختبار وتظل هويته معرّضة للتشكك في أي وقت، حتى يقينه الداخلي بينه وبين نفسه يملي عليه أن يقيس مدى إيمانه بقوة هذه الجمهورية ومدى تأثير ذلك على مستقبله فيها وحين تنهار يشعر المرء بانهيار حياته أيضا «بعد سقوط الجدار كان بود أنيت أن تبقى في البيت، مع إبريق شاي وكتاب غارقة في مقعدها الوثير في الشرفة ذات نوافذ وكأن شيئا لم يحدث». ناهيك عن شعور الأب «فولف» الذي كان يشعر بأنه فنان بلا مأوى، فاشلًا من الشرقية «إنه يفتقد تلك الدولة، التي كان يحك جسمه بها، فالغرب لا يوفر أطرافا قاسية تصلح للحك ولا يبدي ردود أفعال. بوسع فولف الآن أن يفعل ما يشاء، وليس ثمة من يعترض أو يستجيب. البلد الجديد أشبه بكتلة من الإسفنج، يمكن للمواطن أن يوجه إليها ضرباته، لكنها لا تترك أثرًا. فلمن سينتج فنًّا الآن؟ والأحرى ضد من؟».
وهنا يبرز كيف أن الفنون بكافة أجناسه، يبرعم وسط بيئة مضمخة بالصراعات، وسط الضغوط النفسية ويستلذ متعته مع المنع والحظر، يتغذى مع إحباطات الروح مع خيبات الأمل مع التوق المستمر للحظة الحرية، الفنون كلها، تنفقئ حين يكون العالم سوداويًّا، من هنا فحسب يسحب قوته الذاتية، يدرك قيمة نفسه، وغاية ما يقدمه، وهذا ما شعر الجد الفنان!
النزعة اليهودية مسيطرة على الكاتب وأسرته ما جعله يتساءل عن معنى أنه ينحدر من أسرة يهودية، وفي الكتاب الذي نشرته أمه آنيت عن أبيها، جده، قالت حول ما تعنيه مسألة اليهودية بالنسبة لها: «ربما شعور بوصمة العار، التفكير في الذين قتلوا، وفي الناجين الذين توزعوا في جميع أنحاء العالم، وفي شيء من الغربة تجاه نفسي».
بدوره القارئ العربي حين يتصفح سيرة هذه الأسرة اليهودية ربما سيضع مصاعبها على محك، ولن يكون متعاطفا معهم، بل سيضع محل هؤلاء اليهود الذين يرون أنهم تعرضوا للنزوح والظلم على يد النازيين، سيضع محلهم ملايين الفلسطينيين المشردين الذين أصبحوا نازحين بسبب هؤلاء اليهود، سيرى كم أن التاريخ يُنجب مستبدين، فمع كل قيصر يموت يظهر للعلن قيصر جديد!