رؤوس أموال مهدرة.. البحث عن «تنمية مستدامة»

أحمد بن سالم الفلاحي –

كثيرا ما يتحدثون عن نضوب الموارد، وقلة رؤوس الأموال، وعلى أنها السبب الرئيسي في عدم الوصول الى أرضية خصبة لاستدامة التنمية في كثير من بلدان العالم، ولكن الواقع يعكس غير ذلك تماما، فلا توجد دولة تخلو من موارد طبيعية، ورأس مال بشري قادر على قيادة برامج التنمية الى مصاف الدول الغنية، ولكن تبقى الإشكالية في مختلف العلاقات في كل دولة على حدة، لاستثمار مختلف رؤوس الأموال فيها يؤكد واقع الحال، أن تحقيق «تنمية مستدامة» على الأرض هو حلم كل الدول بلا استثناء، ومعها المنظمات الدولية المعنية بذات الموضوع، ولذلك يعمل الجميع على البحث عن معززات تحقيق هدف الـ «تنمية المستدامة» وهذه المعززات هي رؤوس الأموال التي تمتلكها كل دولة؛ مع اليقين؛ أنه ليس هناك دولة لا تمتلك رؤوس أموال مطلقا، وأقربها للتحقق هو الرأس المال البشري الذي يعد ثروة وطنية لا تقدر بثمن، متجاوزا كل الثروات الأخرى: الطبيعية والإنتاجية، التي تزخر بها كل الدول؛ بلا استثناء؛ حيث يمثل لها هذا الجانب قواعد إنتاجية مهمة، سواء في الرأس المال البشري، أو الرأس المال الطبيعي، أو الرأس المال الإنتاجي، أو كلها مجتمعة للوصول الى تحقيق الرخاء الاقتصادي والاجتماعي، والاستقرار السياسي كمحصلة نهائية لمجموعة الاشتغالات التي تقوم بها مجموعة القوى العاملة في مشروع التنمية، للوصول إلى الـ «تنمية المستدامة».
والسؤال الذي يمكن طرحه في بداية هذه المناقشة هو: ما هي العوامل المعيقة التي تحول دون استغلال رؤوس الأموال هذه، لمساهمتها في هذا المشروع الإنمائي الـ «تنمية المستدامة»؟
من خلال المتابعة والملاحظة، يبدو أن الأسباب وراء عدم تحقق الـ «تنمية المستدامة» وفق مسارها الطبيعي، يكمن في عوامل كثيرة، بعضها داخلية؛ خاصة بكل دولة على حدة؛ وبعضها الآخر دولية متفرقة عبر أجندات سياسية كثيرة، قد لا يكون للدول لها فيها يد، فهي مفروضة عليها بحكم الهيمنة الاستعمارية التي تمارسها الدول القوية على الدول الضعيفة، بلا مراعاة للظروف التي تعيشها كل دولة على حدة، وما تعانيه من مشاكل اقتصادية واجتماعية، وسياسية، وثقافية، وكل عنوان من هذه العناوين العريضة، يتضمن الكثير من العناوين الفرعية، التي لا يمكن تجاوز تأثيراتها على استدامة التنمية، فتأصيل المفهوم ذاته: الـ «تنمية المستدامة» ليس يسيرا استيعابه، خاصة في ظل تفشي الأمية بنسب مرتفعة في كثير من دول العالم، وخاصة الدول النامية، فتفعيل المعرفة في أنشطة الـ «تنمية المستدامة» له دور غير منكور في تعزيزها، والبحث عن حلول جذرية لمختلف العراقيل والمشاكل التي تعترض تنفيذ برامجها المتنوعة، والمتعددة، وإذا كانت المنظمات الدولية، وهي منظمات متخصصة، ومسخرة لها إمكانيات مادية، وقوى بشرية مؤهلة، تظل غير قادرة على تلبية متطلبات الدول؛ وخاصة الفقيرة منها؛ لتحقيق الـ «تنمية المستدامة» فيها، فما بالك بالدول ذات الإمكانيات المتواضعة.
يقول الدكتور باسل البستاني «عراقي» في كتابه: (الإنسانية في مواجهة النيولبرالية) ما نصه: «أعلنت الجمعية العام للأمم المتحدة في سبتمبر 2015م اعتماد أجندة جديدة هي «أهداف التنمية المستدامة» لتكون متممة لأجندة «الأهداف الإنمائية للألفية» التي انتهت صلاحيتها في نهاية 2015. بدء العمل بالأجندة الجديدة منذ يناير 2016، وسيستمر حتى 2030»(…) ويضيف: «ان رصيد الإنجاز المتحقق في الأجندة الأولى لم يكن رصينا ولا متكاملا، بل جاء غير متناسق في مساره ومقلق في نتائجه، الأمر الذي استوجب اعتماد أجندة جديدة بحكم ضرورة الاستمرارية بحد ذاتها». مشيرا في الوقت ذاته الى أن من جملة التي تسعى الى تحقيقها التنمية المستدامة، تتمثل في: –
إنهاء الفقر في كل أشكاله وفي كل مكان.
– إنهاء الجوع، تحقيق الأمن الغذائي وتحسين التغذية وتشجيع الزراعة المستدامة.
– ضمان الحياة الصحية وتشجيع الرفاهية للجميع ولكل الأعمار.
– ضمان التعليم الشامل والعادل وتشجيع التعليم مدى الحياة للجميع.
– تحقيق المساواة الجندرية وتمكين جميع النساء والفتيات»- انتهى النص -.
السؤال الثاني الذي يمكن طرحه في هذه المناقشة هو: إلى أي تحد تؤثر السياسات المالية العالمية: صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، في الحد أو تسارع “التنمية المستدامة» التي يرى المراقبون استقواءها على مقدرات الدول، وسعيها الحثيث الى خصخصة الخدمات، وهذا يذهب – وفق هؤلاء المراقبين – الى أن: «الحياة العامة ستصبح تحت رحمة قوى السوق، والأرباح المستخرجة تكون لمصلحة القلة»، فهذه المؤسسات على الرغم من أنها تحمل الصفة الدولية، أو العالمية، إلا أنها لا تعمل وفق هذه العالمية للحياد نحو نمو الدول وتسارعها في برامجها التنموية، وإنما تعمل وفق ما تمليه عليها الدول المستقوية على مقدرات الشعوب، حيث تسخر هذه المؤسسات الدولية لخدمة أجنداتها السياسية والاقتصادية، حيث تعمل هذه المؤسسات تحت أمرة الدول الغنية المانحة للمساعدات الإنسانية، التي تعطي بيد، وتأخذ بيد الأخرى، مع فرض هيمنتها الاستعمارية، وتحكمها في اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي في هذه الدول، والتأثير المباشر على القرار الدولي في منظمات الأمم المتحدة، وفي الجانب الآخر تعمل على «تركيع» الدول الفقيرة والضعيفة بما تمارسه عليها من ضغوطات اقتصادية، وفرض برامجها القاسية لتحقيق مشاريعها الاستعمارية تحت مظلة «الدولية» في الوقت أنه لا خيار أمام الدول الضعيفة والفقيرة للتخلص من تبعات هذه المؤسسات التي تزداد هيمنة واستقواء على مقدرات الدول المغلوب على أمرها، خاصة إذا لم تجد مقاومة موضوعية ماكنة تعززها قوى بشرية مدربة ومؤهلة تأهيلا علميا نوعيا، يمكنها من استحداث برامج إنمائية تستغني بها عن تسلط هذه المؤسسات المالية الدولية، ويعفيها من مذلة الحاجة إليها بصورة دائمة.
دائما ما يطرح سؤال عن مدى قدرة منظمات الأمم المتحدة على تلبية الحاجيات الأساسية لسكان الدول الفقيرة، خارج هيمنة الدول الاستعمارية، وتظل الإجابة تراوح مكانها، للواقع المتواضع الذي تعيشه المنظمات الدولية، حيث تقف مكتوفة الأيدي لأن المساعدات المالية، والدعم اللوجستي التي تقدمها منظمات الأمم المتحدة الدولية المستضعفة تساهم فيها الدول الاستعمارية بنسب كبيرة، وبالتالي يتيح لها تجيير القرارات الدولية لمصالحها الخاصة، دون أن يكون هناك موقف محدد من هذه المنظمات القائمة أصلا على مساهمات الدول الأعضاء فيها، وبالتالي فليس في الأفق ما يشير الى تقدم نوعي أو كمي في سبيل تعزيز البنى الأساسية في الدول التي تعتمد كثيرا على هذه المنظمات، ومعنى ذلك أن العمل على استدامة التنمية فيها يبقى في حكم الحلم المرتقب، لا أكثر، وهذا ما يؤكد عليه الدكتور البستاني في استخلاصه لنتيجة ما عكسته «الأهداف الإنمائية للألفية» التي وصفها؛ حسب ما جاء أعلاه؛ بأن رصيدها: «لم يكن رصينا ولا متكاملا، بل جاء غير متناسق في مساره ومقلق في نتائجه». كثيرا ما يتحدثون عن نضوب الموارد، وقلة رؤوس الأموال، وعلى أنها السبب الرئيسي في عدم الوصول الى أرضية خصبة لاستدامة التنمية في كثير من بلدان العالم، ولكن الواقع يعكس غير ذلك تماما، فلا توجد دولة تخلو من موارد طبيعية، ورأس مال بشري قادر على قيادة برامج التنمية الى مصاف الدول الغنية، ولكن تبقى الإشكالية في مختلف العلاقات في كل دولة على حدة، لاستثمار مختلف رؤوس الأموال فيها، إما لأسباب سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو ثقافية، فكثير من الدول تعاني من تسلط النخب على كل هذه المقدرات، وتوظيفها لمصالحها الخاصة، وضاربة عرض الحائط بما يمليه عليها واجب الوطن، وهذه من أكبر الإشكاليات التي تواجه الدول، خاصة في غياب تطبيق القانون، وعدم المحاسبة، والإسراع أكثر نحو الاستدانة من المؤسسات المالية الدولية، والتي تقرض بيد، وتأخذ؛ في اللحظة نفسها؛ ضعف ما أقرضته باليد الأخرى، وفق ما يلبي رغبات الدول المسيرة لأنشطتها وبرامجها الخاضعة لأجنداتها السياسية، والاقتصادية، مما يؤدي الى تضخم القروض الخارجية، وجعل الدول الساعية نحو تحقيق الـ «تنمية المستدامة» بين مطرقة متطلبات التنمية، وسندان عدم القدرة على سداد هذه الديون، وفي المقابل تعطيل شبه كلي لكل رؤوس الأموال التي تمتلكها، والتي لو تم توظيفها التوظيف الصحيح لانعتقت من هذه الإشكالية المزمنة التي تتضاعف مع كل فترة زمنية تقطعها الدول لتحقيق الـ «تنمية المستدامة».