الوظيفة والأمانة «2-2»

سالم بن سيف العبدلي –

يؤكد جلالة السلطان ـ حفظه الله ورعاه ـ دائما على النزاهة والتحلي بالأمانة والإخلاص في العمل، ففي خطابه الذي وجهه لكبار المسؤولين بعد سبع سنوات من توليه مقاليد الحكم وتحديدا في عام 1978 كان واضحا وصريحا لأبعد الحدود فكان حديثه موجها مباشرة الى المسؤولين بما فيهم الوزراء والوكلاء والمديرون وهنا نقتبس فقرات كاملة من ذلك الخطاب المهم لأخذ العبرة والفائدة وللتذكير بذلك التوجيه الهام حيث يقول جلالته:
«وهناك أمر مهم يجب على جميع المسؤولين في حكومتنا أن يجعلوه نصب أعينهم، ألا وهو أنهم ‏جميعا خدم لشعب هذا الوطن العزيز، وعليهم أن يؤدوا هذه الخدمة بكل إخلاص وأن يتجردوا ‏من جميع الأنانيات وأن تكون مصلحة الأمة قبل أي مصلحة شخصية، إذ إننا لن نقبل العذر ممن ‏يتهاون في أداء واجبه المطلوب منه في خدمة هذا الوطن ومواطنيه بل سينال جزاء تهاونه ‏بالطريقة التي نراها مناسبة».
يستطرد جلالته في حديثه بالقول: «لقد وضعت قوانين لهذه الدولة بموجب مراسيم سلطانية صدرت ‏بشأنها وتصدر من حين لآخر، وذلك للمحافظة على مصالح هذا الشعب، فعليكم أن تدرسوا هذه ‏القوانين كل في مجال اختصاصه دراسة وافية وأن لا تتجاوزوا في المعاملات أي نص لتلك ‏القوانين، بل يجب التقيد بها واتباع ما جاء في نصوصها».
يؤكد جلالته في الخطاب نفسه قائلا: إن الوظيفة تكليف ومسؤولية قبل أن ‏تكون نفوذا وسلطة، عليكم جميعا أن تكونوا قدوة ومثلا يحتذى، سواء في الولاء لوطنه أو ‏المواظبة على عمله واحترام مواعيده أو في سلوكه الوظيفي داخل مكان العمل أو خارجه، وفي ‏حسن الأداء وكفايته» ويستطرد جلالته بالقول: إن العدل أبو الوظيفة وحارسها فتمسكوا به وعاملوا الجميع بمقتضاه وإنني ‏لرقيب على أن يفي كل منكم بهذه الأسس والمعاني، فلن يكون في مجتمعنا مكان لمنحرف أو ‏متقاعس عن أداء واجبه أو معطل لأدائه، كما يكون لكل مجتهد نصيب في المكافأة والتقدير ‏والعرفان بالجميل».‏
ويختتم جلالته خطابه بالقول : «وأخيرا نود أن نشير إلى أنه قد يتقرب البعض إلى مسؤوليهم بأعمال خاصة وخدمات خاصة لا ‏تمت إلى الدولة بأية فائدة هؤلاء ينبغي ان يكافأوا بمكافآت خاصة وليس على حساب الدولة ‏كترقيات أو تساهلات بأوقات العمل المطلوب منهم، وعلى المسؤول أن يعتبر مصلحة الدولة فوق ‏كل مصلحة، وأن ينتقي الأصح فالأصح، لا القريب من الأقارب إذ يجب أن لا تدخل القرابة ‏النسبية في حساب أي مسؤول، فكل الأفراد العمانيين هم إخوة وأبناء، ونحن لا نحب أن نسمع أن ‏هناك توظيفا أو تقريبا أو تمييزا على أسس غير الكفاية واللباقة والإخلاص، وعليكم جميعا أن ‏تجعلوا نصب أعينكم دوما مصلحة عُمان وشعب عمان».
توجيهات وأوامر جلالته صريحة وواضحة ومحددة ولا تقبل التأويلات فكل فقرة من هذا الخطاب لها معنى ومغزى ولو التزم بها الجميع لكانت مؤسساتنا العامة الآن في أفضل حال والإنتاجية والأداء والتنافسية بين مؤسساتنا تضاهي نظيراتها في الدول المتقدمة إلا أنه للأسف الشديد بعض المسؤولين استغلوا مناصبهم ولم يكونوا عند حسن ظن جلالته ولم يعتبروا الوظيفة تكليفا ومسؤولية قبل ان تكون نفوذا وسلطة وبالتالي وقعوا في المحذور.
لفت انتباهنا موقف نبيل لوزير سابق في دولة عربية سرده بنفسه في محاضرة ألقاها قبل فترة يقول عندما استلمت الوزارة وفي منتصف العام جاءني مدير الشؤون المالية الى مكتبي ويحمل معه ملفا به كشف بأسماء بعض الموظفين ويطلب مني اعتماده فسألته عن الموضوع، وقال لي بأنه عبارة عن بدل إضافي لبعض الموظفين يقول فاستفسرت منه عن ماهية الأعمال الإضافية التي قام بها هؤلاء الموظفون والتي تجعلهم افضل عن غيرهم فقال لي لا تخاف «معاليك، فنحن متعودون نوزع هذا المبلغ في منتصف كل عام وأنت مغطى بالقانون فقلت له إن كنت مغطى بالقانون فهل مغطى من عقاب الله؟ فقال لي باستغراب نحن معاليك غير متعودين على مثل هذا الكلام ويقول الوزير السابق: طبعا رفضت الاعتماد وطلبت منه إعادة المبلغ الى خزينة الوزارة.
ويسرد هذا الوزير الموقف بالقول: عاد لي مدير الشؤون المالية في نهاية العام ومعه تقرير يبين الفائض في موازنة ذلك العام ويطلب مني الموافقة واعتماد توزيع ذلك المبلغ على بعض الموظفين وقلت له حولها الى الدار فسألني هل تريدهن “كاش « نقدا» أم في «شيك»؟ فقلت له الم أنبهك المرة الماضية فقال لي معاليك انت من طلبت ذلك وطبعا الوزير كان يقصد بالدار خزينة الوزارة أو الدولة، كم نحن محتاجون الى مثل هذا المسؤول والذي راعى المصلحة الوطنية ولم يستغل منصبه وكان مثالا للإخلاص والأمانة والمسؤولية والتي نحتاجها في مؤسساتنا من اجل التفوق والنجاح.