«شعبان» بوابة رمضان.. وبشير المؤمنين وسلوة المتقين

مراجعة النفس والتوبة النصوح وكثرة الاستغفار –
التقاهم : سالم بن حمدان الحسيني –
شهر رمضان من أعظم المواسم التي يجب على المسلم أن يستثمر أيامه ولياليه في طاعة الله ويسعى جاهدا لأن يكون متهيئا بدنيا وروحيا لاستقباله بالمراجعة والمدارسة مع أهل العلم، فقد كان صلى الله عليه وسلم وصحابته الأجلاء يستقبلونه بنفوس راغبة في مرضاة الله، مستشعرين فضائله وبركاته، مهيئين أنفسهم للتنافس في مواطن الخيرات والبركات ليكسبوا الثواب العظيم.. ولأن القلوب تصدأ في غمرات الحياة، وتبتعد عن الطريق المستقيم، فلا بد لها من لجام يعيدها لجادة الطريق، ويبعدها عن مزالق الزيغ السحيق، ومن مواسم الخير شهر شعبان، الذي هو بشارة رمضان، فهو بشير المؤمنين الصادقين، وسلوة المتقين المخبتين، يتلذذون فيه بمختلف الطاعات، ويرجون ربهم أن يبلغهم به شهر الرحمات.. ذلك ما أوضحه اللقاء التالي في حلقته الأولى حول كيفية الاستعداد لشهر رمضان المبارك. وأجمع المشاركون على أن الاستعداد يكون بمراجعة النفس والتوبة النصوح وكثرة الاستغفار والدعاء بأن يبلغنا الله تبارك وتعالى شهر رمضان ويرزقنا صيام نهاره وقيام لياليه لأنه بمثابة دورة إيمانية يستضيئ بها المسلمون بأنوار القرآن الكريم تدبرًا ومدارسةً، فتساعدهم على ملازمة الطاعة وشحذ الهمم إلى معالي الأمور.

التقينا بداية خليفة بن عبدالله بن سليمان الهنائي – إمام مسجد، فكان السؤال الأول: كيف يتهيأ المسلم في شهر شعبان لاستقبال شهر رمضان الكريم؟ فقال: يقول الحق سبحانه وتعالى: على كل مسلم ومسلمة الاستعداد الكامل لاستقبال شهر رمضان المبارك وذلك بمراجعة حساباته الإيمانية ويلجأ إلى الله تبارك وتعالى بالتوبة النصوح وكثرة الاستغفار والدعاء بأن يبلغه الله تبارك وتعالى شهر رمضان ويرزقه صيام نهاره وقيام لياليه لأن صيام شهر رمضان هو عبارة عن دورة إيمانية يستضيئ بها المسلمون بأنوار القرآن الكريم تدبرًا ومدارسةً، فتساعدهم على ملازمة الطاعة وشحذ الهمم إلى معالي الأمور.
وأضاف: كان الرسول الكريم وصحابته الميامين وكذلك الرعيل الأول من التابعين يستعدون لاستقبال هذا الشهر الفضيل فعن أبي سلمة قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان يصوم حتى نقول قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر، ولم أره صائما من شهر قط أكثر من صيامه في شعبان، أما حاله صلى الله عليه وآله وسلم في شهر رمضان، فقد رُوي عن ابْنِ عَبَّاسٍ ‏رضي الله عنهما أنه ‏قَالَ‏: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَد مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ ‏‏جِبْرِيلُ ‏‏وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ ‏‏الْمُرْسَلَةِ، والصحابة رضي الله عنهم مع كونهم مسارعين إلى فعل البر ونيل الأجر إلا أنهم يكثرون من فعل الطاعات ومساعدة المحتاجين فيستعدون لرمضان بالدعاء، بأن يبلغهم رمضان على خير في دينهم وأبدانهم، وأن يعينهم على طاعته فيه ويتقبل منهم أعمالهم. وكانوا أشد فرحًا بقدوم رمضان، يظهرون السرور والبشر؛ لأن رمضان من مواسم الخير، الذي تفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب النيران، وهو شهر القرآن، لذا كانوا يفرحون مصداقًا لقوله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).
أما عما يحبه من ممارسات اجتماعية جميلة خلال شهر رمضان؟ وما الذي ينكره من ممارسات يتمنى أن تختفي هذا العام قال: إن إقامة الدروس وتعليم الناس أمور دينهم حتى يعبدوا على الله تبارك وتعالى على بصيرة من أمرهم ونورٍ من ربهم هو غاية ما يتمنى كل مؤمن لأن ديننا الحنيف دين دعوة وإرشاد وسلم وسلام وأمن وأمان ورحمة واطمئنان
ولن يتأتى ذلك إلا بالرجوع لتعاليم ديننا الحنيف واتباع هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتنشرح الصدور عندما ترى المساجد ممتلئة بالمصلين في بداية الشهر ولكن للأسف نجد كثيرا من المخالفات ومنها: تقهقر الشباب عن المساجد أواخر الشهر وهذا خلاف هدي النبي فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم كما أخبرت عنه أمُّ المؤمنين رضي عنها أنه إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شد مئزره وأيقظ أهله وأحيا ليله تحسبا لنيل ليلة القدر التي هي أفضل من 80 عاما في الأجر.
وأضاف: إن من الأعمال التي تعود بالنفع الكبير للمسلم أن يجود بالإحسان على الفقراء والمساكين فيدخل السرور على قلوبهم بمساعدتهم بما يستطيع ليسعدوا بنفحات شهر رمضان المبارك، ولا ريب أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن مَن أمن الناس شرَّه فلا يؤذيهم ولا يكدر صفوهم ولا يفوت مضاعفة الأجر والثواب في شهر الصيام.
وأضاف: انه مما يؤسف له قضاء كثير من الشباب والفتيات ضحوة أيام شهر الصيام فيما لا يعود بالنفع لهم إما في كثرة النوم أو يقضون سدفة ليلهم في الألعاب ومشاهدة المسلسلات وهذا من مداخل الشيطان الرجيم، مشيرا الى أن على جميع المسلمين رجالا ونساء أن يوقنوا أن سعادتهم في الدنيا والآخرة بامتثال أوامر الله تبارك وتعالى واجتناب نواهيه متأسين في ذلك بخير البشر صلى الله عليه وآله وسلم، فالله تبارك وتعالى يقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)، وأن يعلموا أن الله تبارك وتعالى المعبود في شهر رمضان هو المعبود في سائر الشهور والأعوام، ولكن الله تبارك وتعالى قدر في شهر رمضان من الخير والبركات والنفحات ما لم يقدره في غيره من الشهور فهو أفضل شهور العام فليستغلوا أوقاته، فمن أدى فيه فريضة كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ومن تقرب إلى الله فيه بنافلة كمن أدى فريضةً كاملةً في الأجر مع الإخلاص لله تبارك وتعالى؛ ومن أدرك شهر رمضان ولم يتعرض لمحبة الله والقرب منه سبحانه فمتى يرجو ذلك!! فالآجال معدودة والأنفاس محدودة، وعلينا جميعا المبادرة بالتوبة النصوح وكثرة الاستغفار والأذكار وقراءة القرآن الكريم مع التدبر، وحسن الخلق.

أعظم المواسم

أما الدكتور صالح بن خلفان بن محمد البراشدي فيقول: على المسلم أن يعلم أن الله تعالى أكرمنا بمواسم تكثر فيها الخيرات والبركات والرحمات، ويعتبر شهر رمضان المبارك من أعظم هذه المواسم التي يجب على المسلم أن يستثمر أيامه في طاعة الله تعالى. فحري بالمسلم الذي يدرك حقيقة شهر رمضان وبركاته أن يسعى جاهدا إلى أن يكون متهيئا بدنيا وروحيا لاستقبال هذا الشهر الفضيل، فمن التهيئة البدنية الاهتمام بالجوانب الصحية والنفسية للبدن، بحيث يسعى العبد المؤمن إلى تقوية البدن وتهيئته لاستقبال هذا الشهر المبارك، فيكون قويا بدنيا في عبادة الله تعالى، ومن التهيئة الروحية والفكرية التي ينبغي أن يكون عليها العبد المؤمن في شهر شعبان استعدادا لشهر رمضان المبارك أن يسعى جاهدا بالمراجعة والمدارسة مع أهل العلم لمعرفة كيفية أداء العبادات في هذا الشهر الفضيل، فيتعلم ماهية الصوم وحقيقته، ويدرك فضائل شهر رمضان وغايته، فيستحضر النية الخالصة لأداء هذه العبادة على ما جاء في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة، كما أن على العبد المؤمن وهو يستقبل شهر رمضان المبارك أن يعد برنامجا شاملا متنوعا لاستثمار أيام وليالي شهر رمضان المبارك، وعليه أن يساهم في أعمال الخير والفضل في هذا الشهر، كأن يساهم في إفطار الصائمين سواء أكان بالتبرع النقدي أو بتوفير الطعام للصائمين، وهذا ينبع من نفس هيأها صاحبها على حب الخير ورغبة لنيل الأجر والثواب من الله تعالى. ومن ضمن الأمور التي تندرج ضمن تهيئة النفس لاستقبال شهر رمضان المبارك المساهمة العلمية والدعوية بقدر ما لدى العبد من علم ومعرفة بحيث يسعى لتعليم الناس أمور دينهم، وتبصيرهم بما يصلح حالهم ومآلهم، من خلال الدروس والمحاضرات واللقاءات المفيدة النافعة.
وأشار الى أن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الأجلاء أدركوا فضائل شهر رمضان المبارك ولهذا فقد كانوا يستقبلون هذا الشهر بنفوس راغبة في مرضاة الله تعالى، مستشعرين فضائل هذا الشهر وبركاته، مهيئين أنفسهم للتنافس في مواطن الخيرات والبركات ليكسبوا الثواب العظيم من الله تعالى، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يهيئهم روحيا لاستقبال شهر رمضان المبارك من خلال بيانه لفضائل وبركات هذا الشهر المبارك فتشتاق أنفسهم للقاء هذه المواسم المباركة ويعقدون العزم على استغلال أيام وليالي شهر رمضان المبارك في طاعة الله تعالى. فعن سلمان الفارسي قال: «خطب رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في آخرِ يومٍ من شعبانَ فقال: أيها الناسُ قد أظلَّكُم شهرٌ عظيمٌ شهرٌ مُباركٌ، شهرٌ فيهِ ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، جعل اللهُ صيامَهُ فريضةً وقيامَ ليلِه تطوعًا، من تقربَ فيهِ بخَصلةٍ من الخيرِ كان كمن أدّى فريضةً فيما سواهُ، ومن أدّى فيه ِفريضةً كان كمنْ أدّى سبعينَ فريضةً فيما سواهُ، وهو شهرُ الصبرِ والصَّبرُ ثوابهُ الجنةَ، وشهرُ المواساةِ، وشهرٌ يزاد فيهِ رزقُ المؤمنِ، من فطَّر فيهِ صائمًا كان مغفرةً لذنوبهِ وعتقَ رقبتهِ من النارِ وكان لهُ مثلُ أجرهِ من غيرِ أن ينقصَ من أجرهِ شيءٌ. قالوا: ليس كلُّنا يجدُ ما يفطرُ الصائمَ. فقال: يُعطي اللهُ هذا الثوابَ من فطَّر صائمًا على تمرةٍ أو على شربةِ ماءٍ أو مَذقةِ لبنٍ، ومن أشبع فيه صائمًا سقاه اللهُ من حوضي شربةً لا يظمأُ حتى يدخل الجنةَ.
أما عما يحبه من ممارسات اجتماعية جميلة خلال شهر رمضان، وما الذي ينكره من ممارسات يتمنى أن تختفي هذا العام قال: شهر رمضان المبارك شهر الخيرات والبركات والرحمات، شهر أكرمنا الله فيه بفضائل وبركاته اجتماعية كثيرة أيضا، فمن الأشياء الاجتماعية التي ترتاح لها النفس وهي ترتبط بالعبادات التي افترضها الله تعالى على عباده في هذا الشهر المبارك اللقاءات الاجتماعية المهمة، حيث تلتقي جماعة المساجد في لحظات الإفطار المباركة، ويلتقون بعد صلاة التراويح لتبادل أطراف الحديث وتناول ما أكرم الله تعالى عباده من الطعام والشراب، وهذا من شأنه تقوية وتأصيل مبدأ الأخوة الإسلامية الذي دعانا الله تعالى إلى الاهتمام به، قال سبحانه: (إنما المؤمنون أخوة). كما أن التجمعات العائلية لها أهمية كبيرة في تقوية التواصل والمحبة والتآلف بين أفراد الأسر حيث تلتقي العائلات في لقاءات أسرية في أماكن متعددة تحتويهم نسمات وبركات شهر رمضان المبارك، فتكون هذه البركات مصدرا لتعميق المحبة بينهم. كما أن البرامج الدينية والثقافية والفكرية المتعددة تعتبر من أهم الأمور التي ترتاح لها النفوس في شهر رمضان المبارك. أما عن الممارسات التي درج عليها البعض والتي أرجو أن يعيد العبد نظره فيها فهي السهر الطويل في الاستمتاع بملذات الحياة الدنيا، فعلى الجميع وخصوصاً الشباب أن يراعوا أهمية هذه الأوقات والتي سيسألون عنها يوم القيامة، حيث إن عليهم أن ينظموا أوقاتهم ويستثمروها فيما تعود عليهم بالنفع في دينهم ودنياهم وآخرتهم وليبتعدوا عن السهر الكثير في القيل والقال ومالا فائدة منه، وهو تنبيه أيضا لأولياء الأمور بالسعي إلى رعاية أولادهم وتوجيههم الوجهة التي تحقق السعادة والرضا والثواب الجزيل من الله تعالى ولذلك فجدير بنا ونحن نستقبل نفحات شهر رمضان المبارك أن أنبه نفسي أولا وأنبه الآخرين إلى أن علينا أن نستحضر التوبة النصوح لله تعالى من كل ما اقترفناه في حق الله تعالى أو في حق عباده وخلقه أجمعين.

بشارة رمضان

كما التقينا مع يوسف بن محمد العطار – استشاري تربوي ومدرب في التنمية البشرية ليحدثنا عن التهيئة النفسية والروحية التي يجب أن تسبق شهر الصيام فيقول: إن من رحمة الله تعالى على العباد أن جعل لهم مواسم للخير العظيم وللأجر الكبير، يحاسبون فيها أنفسهم على ما فات، ويستعدون لما هو آت، لأن القلوب تصدأ في غمرات الحياة، وتبتعد عن الطريق المستقيم، فلا بد لها من لجام يعيدها لجادة الطريق، ويبعدها عن مزالق الزيغ السحيق، مشيرا الى أن من مواسم الخير شهر شعبان، الذي هو بشارة رمضان، فهو بشير المؤمنين الصادقين، وسلوة المتقين المخبتين، يتلذذون فيه بمختلف الطاعات، ويرجون ربهم أن يبلغهم به شهر الرحمات، شعارهم فيه و«عجلت إليك ربي لترضى». مبينا أن المسلم الحق هو الذي يفتح ملفات العام كلها في شهر شعبان، فيزيل منها ما كان من قبيح بالتوبة والاستغفار، ويضاعف ما كان فيها من جميل بالإنابة والامتنان، فلا شيء يضاهي أن تستقبل شهر رمضان وأنت سليم القلب، منشرح الفؤاد، نظيف السريرة، موجها جوارحك كلها لطاعة ربها.
وأضاف: إن شهر شعبان شهر يحبه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، ويستبشر به أيما بشارة، ومن أعظم العبادات التي كان يؤديها فيه الصوم كيف لا وهو القائل في الحديث الذي يرويه أسامة بن زيد رضي الله عنه: «.. وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». فعليك أخي المسلم الأريب أن يكون قدوتك الحبيب، فهديه واحة المتعب، وشفاء المريض، ونبراس النور الذي يهتدى به في ظلمات الفتن، وغياهب المحن، راجع نفسك، واستعرض أعمالك، فإن وافقت ما كان عليه الرسول وصحبه فأحمد الله على ذلك، وإن وجدت غير ذلك فعليك بالمبادرة فالعمر قصير والمنايا تتخطف الناس، ولا يعلم أحدنا متى تحين ساعته، فاجتهد أن يراك الله حيث يحب لا حيث يكره، وداوم على الاستغفار والذكر، فبها ترق القلوب، وتنشط الجوارح، وتسمو الأرواح إلى باريها.
وأشار الى أن لله – سبحانه وتعالى – في أيامنا فضائل ومنح، حثنا الحبيب (صلى الله عليه وآله وسلم) على اغتنامها، فقال: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبداً»، ومن تلك الأيام أيام شهر شعبان. وشهر شعبان كما أخبرنا النبي (صلوات الله وسلامه عليه) هو «شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان»، فنبهنا بذلك إلى أن هذا الشهر المبارك فيه من الخير ما يغفل الناس عنه، لانشغال الناس بشهر رجب من قبل، ثم تشوقهم وانشغالهم لشهر رمضان من بعده. فقد روى الإمام مسلم عن أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما كان يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان، كان يصومه إلا قليلا»، وفي لفظ: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان».
وأشار إلى من من الأعمال المستحبة في شهر شعبان ما كان يحرص عليه السلف الصالح وأهل الفلاح من عمارة أوقات شهر شعبان بالاستغفار، وذكر الله (سبحانه وتعالى)، والتصدق على الفقراء والمساكين، وختم القرآن وغيرها من الطاعات، وقد كان السلف والتابعون إذا دخل شهر شعبان يقولون: «هذا شهر القراء» لكثرة قراءة القرآن فيه، وفي ذلك عمارة للأوقات والأيام التي يغفل عنها الناس بالطاعة. فعليك أخي المسلم أن تستثمر هذه الأوقات، وتصلح الخلل، وترأب الصدع إن كان بينك وبين أخيك أو أحد من أهلك وجيرانك وأحبابك قطيعة أو خلاف، فالدنيا فانية، وكل شيء فيها زائل، ولا يبقى للعبد العاقل إلا العمل الصالح، والصحبة الطيبة التي تعينه على الطاعة. مبينا أن من رحمة الله علينا في شهر الرحمات – رمضان – أننا نجتمع على طعام واحد، وفي وقت واحد، ننتظر فيها بشوق وقت الإفطار، ونتلهف إلى عطايا الملك الغفار جل جلاله، وهذا بعض عطيات هذا الشهر، فالأسرة التي هي لبنة بناء المجتمعات تجتمع بقلوب يملأها الإيمان والحب، ويغمرها العطف والرحمة. وعجبا لأولئك الذين جعلوا من شهر رمضان فرصة للمعاصي والآثام، ومرتعا للذنوب والإجرام، إن من قضى ليالي رمضان في سهو ولعب، لم يدرك حقا الغاية منه، وفاته الفضل والإكرام، الذي جعله الله تعالى للأنام فكيف يوفق للهدايا الإلهية من نام عن الصلوات، وغفل عن الطاعات.