الاستقــامـة.. وأثرهــا في حيـــــاة الفرد وإصـلاح المجتمع

الإيمان طريق الاستقامة –
د.صالح بن سعيد الحوسني –

«الاستقامة بمعناها الواسع هي الالتزام التام بأوامر الله تعالى في جميع الأقوال والأفعال وفي المنشط والمكره والعسر واليسر وفي الليل والنهار وفي السر والجهر وفي حال الصحة وحال المرض وهذه الاستقامة لا يتحصلها الإنسان إلا بجهد وتعب ومشقة لأن الدنيا هي دار الابتلاء والاختبار، وإن كانت الاستقامة لا يتحصل عليها الإنسان إلا بجهد ومثابرة ومشقة وتعب فإن هنالك جملة من الطرق الموصلة إلى الاستقامة ومن أهمها: العلم والفقه في الدين والإيمان الراسخ في النفس التفكر والتدبر في آيات الله تعالى في الأنفس والآفاق».

لما خلق الله الإنسان وجعله خليفة له على هذه الأرض لم يكل الناس إلى عقولهم القاصرة في أقوالهم وأفعالهم ونظام حياتهم بل أمرهم باتباع نهجه القويم وذكره الحكيم وصراطه المستقيم؛ كما قال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، وقال سبحانه في هذا المعنى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا به..)، ولأجل ذلك أرسل الله تعالى الرسل لدعوة الناس إلى الخير وإبعادهم عن الشر، وتبشريهم بجنة عرضها السماوات والأرض لمن التزم صراطه المستقيم واتبع نهجه القويم، وأنذرهم عذابا شديدا لمن حاد عن المسار الواضح المبين، قال تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا..)، وكما قال تعالى: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين).
والاستقامة على منهج الله تعالى مطلب سام وغاية يسعى لها كل مؤمن، وهو ما يلهج به لسان المصلي صباح مساء في صلاته بل في كل ركعة منها عند قراءة سورة الفاتحة في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، ذلك لأن الرسل الكرام قد أرسلوا بالدعوة إلى الصراط المستقيم كما قال تعالى: (وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم)، وقال في شأن نبينا الخاتم الأمين: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)، وقال أيضا: (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم)، ذلك لأن هذا الصراط المستقيم عاقبته خير في الدنيا والآخرة، بل هو من أكبر النعم كما قال الله تعالى: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم..)، وكما قال في شأن موسى وهارون عليهما السلام ممتنا بنعمته عليهما (ولقد مننا على موسى وهارون ونجينهما قومهما من الكرب العظيم ونصرناهم فكانوا هم الغالبين وآتيناهما الكتاب المستبين وهدينهما الصراط المستقيم)، بل قال في شأن جملة من رسله الكرام : (..واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم)، على أن الفارق عظيم والبون شاسع بين من يتخبط في ظلمات الحيرة والانحراف والضلال وبين من يكون على هدي واضح بين كما قال تعالى: (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم)، فهو سبحانه الهادي والمضل كما قال سبحانه: (فمن يشاء الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم)، وقال أيضا: (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم).
ومنذ أن أعلن عدو الله إبليس العداوة والبغضاء لسيدنا آدم وذريته فهو يحيك الدسائس والمؤامرات لصرف الإنسان عن الصراط المستقيم فهو لا يدع فرصة أو مجالا إلا وتعرض لهذا الإنسان كما حكى الله في شأنه: (.. قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين..)، ثم بين عاقبة اتباع هذا اللعين بقوله: (.. لمن تبعك منهم لأملان جهنم منكم أجمعين).
وقد بين تعالى عاقبة هذه الاستقامة في الآخرة في قوله: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، وذكر أن ملائكته الكرام تنزل بالبشرى لهم بالفوز والظفر والمن من الخوف والحزن كما قال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون)، بل إن ثمرات هذه الاستقامة تظهر عاجلا في حياة الإنسان كما قال تعالى: (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا..).
والاستقامة بمعناها الواسع هي الالتزام التام بأوامر الله تعالى في جميع الأقوال والأفعال وفي المنشط والمكره والعسر واليسر وفي الليل والنهار وفي السر والجهر وفي حال الصحة وحال المرض وهذه الاستقامة لا يتحصلها الإنسان إلا بجهد وتعب ومشقة لأن الدنيا هي دار الابتلاء والاختبار كما قال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)، وقال أيضا: (إنا جعلنا مع الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا)، وقال كذلك: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور)، وإن كانت الاستقامة لا يتحصل عليها الإنسان إلا بجهد ومثابرة ومشقة وتعب فإن هنالك جملة من الطرق الموصلة إلى الاستقامة ومن أهمها:
– العلم والفقه في الدين: فالعلم سبيل موصل للاستقامة على طاعة الله وخشيته كما قال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، فالبون شاسع بين من يعلم وبين من لا يعلم كما قال تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، وأنى للشخص أن يسلك الطريق القويم دون معرفة وخبرة بهذا الطريق لأن الإنسان يأتي إلى الحياة جاهلا بأحوالها وشؤونها وقد منحه الله وسائل العلم ليعرف دوره وطريقه وغايته (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)، فينبغي أن يتعلم الراغب في الاستقامة أحكام الله وأوامره ونواهيه لأن الاستقامة هي كما أمر الله تعالى لا كما يوجهه الهوى والنفس كما قال تعالى: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا)، وكم من إنسان قصد الطاعة والاستقامة فأخطأ الطريق بسبب الجهل وعدم المعرفة ولذا فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، على أن واجب الدعوة والإصلاح لا يكون إلا بعد معرفة وعلم بجوانب ما يدعو إليه الداعي وهو في طريق الدعوة يجتهد في استقامة نفسه كما قال تعالى: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت..).
– الإيمان الراسخ في النفس: ذلك لان الإيمان هو وقود هذه الاستقامة فلا سبيل للوصول إليها إلا من خلال الإيمان بما يتطلب الإيمان به من توحيد الله تعالى ووصفه بصفات الجلال والكمال والتعظيم والتقديس وتنزيهه عن صفات النقص وصفات بقية المخلوقين، والإيمان كذلك بالوعد والوعيد وأن لله تعالى ثوابا أعده للمتقين وعقابا جعله للعصاة المعاندين والإيمان بالملائكة والرسل والكتب وغيرها من جوانب الغيب كما قال تعالى في وصف المتقين (..ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون)، وكما قال تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)، وكم يُحدث الإيمان نقلة كبيرة في حياة الإنسان كما حكى لنا الله في كتابه في قصة سحرة فرعون الذين كانوا يرغبون في المال والحظوة والجاه قال تعالى: (وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين) ولكن هذه النظرة المادية الضيقة لم تلبث إلا قليلا فما إن لامس الإيمان شغاف قلوبهم وأيقنته نفوسهم حتى تبدلت عندهم الموازين وتغيرت الاتجاهات وانقلبوا إلى اتجاه أخر؛ قال تعالى في شأنهم: (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هناك وانقلبوا صاغرين وألقي السحرة ساجدين قالوا أمنا برب العالمين رب موسى وهارون)، بل ولم يتأثروا بكلام الوعيد بالقتل والعذاب الشديد فقال تعالى: (قال فرعون أأمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين) فيأتي الجواب حاسما وواضحا رغم مشقته وتبعاته العظيمة (قالوا إنا إلى ربنا منقلبون، وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين).
– التفكر والتدبر في آيات الله تعالى في الأنفس والآفاق: فإن مما بثه الله تعالى من آيات في البر والبحر دالة على عظمته وقدرته المطلقة، فحري بهذا الإنسان الراغب في الاستقامة أن يجيل النظر في تلك الآيات الكونية ويتفكر في خلقه وما يشتمل عليه جسده من إبداع الخالق كما قال تعالى: (وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون)، ويتأمل كذلك هذا العالم من حوله فينظر في أصناف المخلوقات والكائنات في البر والبحر؛ منها ما يسير على رجلين ومنها ما يمشي على أربع ومنها ما يزحف على بطنه ومنها غير ذلك ويتفكر في أصناف النبات وغيرها من خلق الله العظيم فكم يثمر ذلك استقامة في السلوك والتزاما لمنهج الله تعالى كما قال: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار).