بزوغ المسرح العربي الرقمي..

د.عزة القصابية –
تباينت آراء المنظرين والنقاد حول وضع المسرح العربي المعاصر، كونه لم يتجذر بعد في التراث الفني بشكل عام، فقد اقتبسه العرب من الغرب، وحاولوا جاهدين تأصيله في نسيجهم الثقافي، ولكنهم لم ينجحوا في أن إعطائه مكانة الشعر والقصة وغيرها من الآداب المتأصلة في الثقافة العربية.

ولا يزال هناك من يصف المسرح بأنه فن مستورد رغم مضي أكثر من قرن ونيف من الزمان عليه. ويؤكد جمال أبو حمدان الآراء بقوله « إن تجربتنا ما زالت حتى الآن غير عربية في المسرح، وأدعو إلى العودة إلى المقولة التي تفترض تكاملاً اجتماعيًّا عربيًّا يعزز ثقافة عربية أصيلة، وفي سياق مسرح عربي أصيل». في حين يرى رشاد أبو شاور أن هناك أهمية كبرى، لاستحداث شكل عربي جديد، قائم على الاستمرارية في البحث والتجريب الجاد والالتحام بمتغيرات العصر التقنية.
لقد أثرت ثورة التكنولوجيا المعاصرة في تاريخ الفنون، حيث تدرجت منذ ظهور الكاميرا والسينما التي كانت تخزن عشرات اللقطات المتحركة المتتالية عبر الشريط الواحد.
وسعى المسرح العربي إلى التواصل مع عصر التحولات التقنية، على اعتبار أنه فن من الفنون التعبيرية ذات الصلة بوسائل الاتصال الحديثة الأخرى، كما حاول الاستفادة من ثورة المعلومات السريعة للبحث عن طرائق جديدة بغية مخاطبة المتلقي بطريقة عصرية.
وشهدت الساحة العربية منذ تسعينات القرن الماضي، تقديم عروضٍ تزيح اللغة المنطوقة، وتوظف التقنية في المسرح حتى أصبحت أداة لصيقة به، ويمكن مشاهدة عدد لا بأس من العروض المسرحية، تستخدم الشاشة السينمائية في الفضاء السينوجرافي الجديد.
كما أن سرعان ما بدأ الواقع الافتراضي يفرض نفسه على المسرح الرقمي، وكان ذلك سببا في الإجهاز على العرض التقليدي، وتحطيم القواعد الأرسطية، وإلغاء سلُطة «الكلمة والحوار».
اتسمت «المسرحية الرقمية» بقدرتها على التوفيق بين الرقص والأداء الاستعراضي والغناء، فيما ساهمت «الإضاءة» في تحقيق ما يرجوه المخرج. إلى جانب تهيئة مكان التلقي لتجسيد الفكرة المسرحية أو الديكور، الذي يمزج بين أجهزة الحاسوب والعنصر البشري، وكذلك مشاركة الجمهور في العرض، وهذا بدوره أوجد نوعا من التفاعل بين الصالة والعرض، جعله يتجاوز مشكلة اللغة ويحقق المتعة البصرية.
كما أضحى الاهتمام بجسد الممثل بديلا عن طرح القضايا الفكرية التي يمكن أن تقدم في فضاء المسرح برؤية حسية وجمالية، والاهتمام بالشكل على حساب المضمون حتى صار العرض المرئي أعلى من المضمون، ويكاد يلغي وجوده في كثير من العروض المسرحية العربية.
وعن طبيعة حالة «النص» في عصر الثورة الرقمية، يقول الإيطالي جوليو سيزار بيروني: « كلما أغوص أكثر في مسألة التأليف ودور المخرج والكاتب في فترة ما بعد الدراما، يجعلني أفكر كيف أن عناصر الزمن والفضاء يمكن أن تؤثر في مداركنا وممارستنا في مجالنا؟…وكيف يمكن أن نضع أنفسنا بالنسبة إلى العملية الإبداعية وورطة تأليف وتملك نص ما».
وهذا يعني أن هناك أزمة حقيقية في النص، توارثتها التجارب المسرحية المعاصرة، في ظل تركيزها على مفردات العرض البصري، مع الاحتفاء بالمدخلات الفنية المتضمنة التقنيات الافتراضية.
وفي المقابل، فإن ذلك أوجد وسيلة جديدة لإيجاد شخصيات وأحداث على الخشبة،كما يمكن أن تنقل الشاشة الرقمية مشاهد متحركة بمرافقة الصوت وبقية المؤثرات الصوتية والبصرية.
وتنبع أهمية الشاشة في العرض، كونها تتضمن قيمًا جماليةً وبصريةً، كما تُعد عاملاً مهمًا لتكملة باقي مفردات السينوجرافيا والإضاءة الباهرة، ولحظات الصراخ والصمت، مثلما هو حاصل في العرض المينودرامي «سماء خفيفة» حيث يمكن مشاهدة بقية تفاصيل العرض عبر الشاشة.
وبشكل عام، لقد رفض المسرح في عصر التقنية التقليد السائد والمألوف والعادي، وأخضع كل شيء للتفكيك، بل الأهم من ذلك أنه شكك في كافة الحدود الفاصلة بين الفنون المختلفة، لذا جاء النص منتميا إلى هذا الفضاء، بعيدا عن الكلمة، متمردًا على كافة الفرضيات الفنية (الدرامية) السابقة له وفق تمثلات العصر الحديث.
وحاولت الفنون العربية مواكبة ثورة التقنية بغية الحفاظ على مشروعيتها ضمن الفضاء الإنساني الافتراضي المتحول والمتجدد باستمرار، في عصر هيمنت فيه ثقافة الصورة وتداخلت فيه الثقافات الأخرى.
ولا يمكن إنكار، أن المسرح العربي تأخر في توظيف التقنية الحديثة، كون المشتغلين بالفنون العربية ارتبطوا بالكلمة والنص أكثر من الصورة البصرية، وهم أميل إلى تقديم المنولوجات النفسية للشخصيات التي يمكن أن تحدث فجوة مسرحية، إضافة إلى أسباب أخرى أثرت على تطور الوطن العربي وكانت سببا في تأخره.