أوروبا..والشريك الآسيوي الآمن

مروى محمد إبراهيم –

على الرغم من كل التحفظات الأوروبية تجاه الشريك الصيني، إلا أنها مازالت تجد فيها الملاذ الآمن والشريك التجاري الثابت، الذي يبذل كل ما في وسعه لحماية هذه الشراكة والحفاظ عليها. وهو ما يتناقض مع التوجه الأمريكي، على سبيل المثال، والذي يخاطر باستمرار الشراكة بين أمريكا وأوروبا.

بريكيست وخروج بريطاني مدو من الاتحاد الأوروبي.. عجز حاد في الميزانية الإيطالية.. ديون تثقل كاهل إسبانيا..معاناة يونانية.. العديد والعديد من الأزمات الاقتصادية التي لاتزال تؤرق أوروبا، خاصة مع تصاعد حالة الشقاق والأزمات السياسية التي تعاني منها القارة العجوز. وفي ظل تصاعد الأزمات الداخلية في القارة البيضاء، وتخلي الولايات المتحدة أقرب حلفائها عنها منذ صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلطة وإشعاله حربا تجارية عنيفة ضد الحليف الأوروبي القديم، فلم يتبق أمامها سوى الالتفات إلى الصين لتصبح الشريك التجاري المحتمل الوحيد مع أوروبا رغم أنف الأوروبيين. فبالرغم من سياسات الصين المثيرة للجدل، إلا أنها لاتزال الشريك الثابت الذي لم تتمكن أوروبا من التخلي عنه، رغم رفضها القاطع لسياساته الاقتصادية والتجارية.
منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في 2008، والتي أحدثت رجة عنيفة في الاقتصاديات الغربية بشكل عام، إلا أن أوروبا لم تتمكن من التعافي بشكل كامل من هذه الأزمة رغم مرور أكثر من عقد من الزمان. وبالطبع، أسهمت الكثير من العوامل الخارجية في إشعال هذه الأزمة. فاليونان، بدأت خلال العام الماضي أولى خطواتها للخروج من عنق زجاجة أزمة الديون السيادية الطاحنة التي عصفت بها وانعكست سلبا على دول منطقة اليورو، والتي شرعت بدورها على الفور في اتخاذ إجراءات احترازية تحسبا لانتقال عدوى الأزمة المالية إليها من جارتها الفقيرة والأقل شأنا. ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد. فمع تصاعد الأزمات السياسية والحروب في الشرق الأوسط، وتدفق ملايين المهاجرين إلى أوروبا، وانتقال عدوى الإرهاب إلى البر الأوروبي.. تصاعدت الأزمات الاقتصادية في أوروبا التي أثقل المهاجرون كاهلها، إلى جانب تركيزها على الإجراءات الأمنية. وجاءت حرب ترامب التجارية لتزيد الطين بلة وتشعل المزيد من الأزمات الطاحنة في المنطقة.
بنظرة سريعة إلى تاريخ العلاقات الصينية – الأوروبية، نجد أن العلاقات بين التنين الصيني والاتحاد الأوروبي تأسست في عام 1975. فوفقًا لاستراتيجية النشاط الخارجي الأوروبي، فإن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين تهدف إلى التعاون في مجالات «السلام والازدهار والتنمية المستدامة والشعوب»، إلى جانب التبادل الثقافي بين الحضارتين الأوروبية والصينية. وبالرغم من أن الاتحاد الأوروبي يعتبر أكبر شريك تجاري للصين، في حين أن الصين هي ثاني أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة، إلا أن الاتحاد الأوروبي يفرض حظراً على الأسلحة الصينية. كما يتخذ العديد من إجراءات وتدابير مكافحة الإغراق، والتي تهدف إلى الحد من إغراق الأسواق الأوروبية بالمنتجات الصينية الرخيصة الثمن والتي تهدد المنتجات المحلية الصنع.
تنظم العلاقات الاقتصادية بين الجانبين اتفاقية التجارة والتعاون الأوروبية- الصينية لعام 1985. ومنذ عام 2007، تجرى مفاوضات لترقية هذا الاتفاق إلى اتفاقية شراكة جديدة للاتحاد الأوروبي، ثم فهناك نحو 24 حوارًا واتفاقية تمتد من حماية البيئة إلى التعليم. وفي الأجندة الاستراتيجية للتعاون بين الاتحاد الأوروبي والصين لعام 2020، والتي تم تبنيها بشكل مشترك عام 2013، أكد الاتحاد الأوروبي من جديد احترامه لسيادة الصين وسلامة أراضيها، في حين أكدت الصين مجددًا دعمها لتكامل الاتحاد الأوروبي. وبالتالي يتم عقد قمة سنوية بين الاتحاد الأوروبي والصين لمناقشة العلاقات السياسية والاقتصادية وكذلك القضايا العالمية والإقليمية والتقريب بين وجهات النظر في الجانبين.لطالما كانتا الصين وأوروبا شريكين تجاريين ثابتين، ولكن ما تغير خلال العقد الماضي هو زيادة بصمة الصين في الاستثمار الأوروبي، أو بمعنى أدق، زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في الاتحاد الأوروبي بحوالي 50 مرة خلال ثماني سنوات فقط، من أقل من 840 مليون دولار في عام 2008 إلى مستوى قياسي بلغ 42 مليار دولار (35 مليار يورو) في عام 2016، وذلك وفقا لمجموعة «روديوم» الأوروبية للإحصاء. ليعكس الوضع الحالي تحولًا نموذجيًا في العلاقات الصينية -الأوروبية.
تشير الأرقام إلى أن الصين احتفظت بمكانتها كشريك قوي لألمانيا، حيث تفوقت الصين على بريطانيا خلال العام الماضي كهدف للتعاملات التجارية الألمانية، ويتوقع الخبراء أن يزداد هذا الاتجاه فور خروج بريطانيا نهائيا من الاتحاد الأوروبي.
فقد ارتفع إجمالي تجارة ألمانيا مع الصين إلى 186.6 مليار يورو (230 مليار دولار) العام الماضي، من 170.2 مليار في عام 2016، وفقًا للأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاء الفيدرالي.
وتتجه الصين حاليا لاحتلال مكانة الولايات المتحدة البارزة كشريك تجاري لألمانيا، خاصة في ظل تصاعد لهجة الرئيس الأمريكي المعادية لألمانيا.
ولا يمكن النظر إلى الصين باعتبارها شريكا سهلا للاتحاد الأوروبي. فهناك الكثير من القضايا المثيرة للجدل والخلافات بين الجانبين، أهمها المخاوف بشأن حقوق الملكية الفكرية، وتشوهات الأسعار بسبب الإغراق المدعوم، والظروف غير المتكافئة للوصول إلى الأسواق، فضلاً عن التمييز ضد شركات الاتحاد الأوروبي في مناقصات الحكومة الصينية. هناك أيضًا مسألة المعاملة بالمثل، حيث تقتصر قطاعات مثل المالية والاتصالات والمشتريات العامة على المستثمرين الأجانب في الصين ولكنها مفتوحة للمستثمرين الصينيين في الاتحاد الأوروبي.
وتنظر العديد من الاقتصادات الأوروبية، التي ما زالت لم تنتعش بالكامل من أزمة منطقة اليورو، بشكل إيجابي إلى الاستثمارات الصينية كمصدر لرأس المال، ووسائل النمو اللاحقة، وإيرادات الضرائب، وفرص العمل، وتطوير البنية التحتية، وفرص السوق. خلال السنوات القليلة الماضية، ظهرت بعض المخاوف، حيث تكافح العواصم الأوروبية لإيجاد التوازن الصحيح بين المبادئ الأساسية للانفتاح الاقتصادي مقابل المخاوف الأمنية المتعلقة بتزايد بصمة الصين في أوروبا. وتشمل المخاوف الدور المتصور للدولة الصينية في الاقتصاد، والافتقار إلى المعاملة بالمثل والمنافسة العادلة، وخطر فقدان القدرة التنافسية الوطنية والقيادة التكنولوجية، فضلاً عن المخاوف الأمنية التقليدية المتعلقة بالبنية التحتية الحيوية والأصول الاستراتيجية وتقنيات الدفاع.في سبتمبر 2018، بناءً على طلب ثلاث دول أوروبية هي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، اقترحت المفوضية الأوروبية تشريعًا جديدًا لإنشاء إطار أوروبي مشترك لفحص الاستثمار الأجنبي المباشر. يركز التشريع على الأصول الاستراتيجية ذات الأهمية الحاسمة للأمن والنظام العام الأوروبي، بما في ذلك الاستحواذ الأجنبي على التقنيات الحيوية أو البنية التحتية أو المعلومات الحساسة.
على الرغم من كل التحفظات الأوروبية تجاه الشريك الصيني، إلا أنها مازالت تجد فيها الملاذ الآمن والشريك التجاري الثابت، الذي يبذل كل ما في وسعه لحماية هذه الشراكة والحفاظ عليها. وهو ما يتناقض مع التوجه الأمريكي، على سبيل المثال، والذي يخاطر باستمرار الشراكة بين أمريكا وأوروبا. فترامب لا يكتفي بتوجيه الاتهامات والانتقادات اللاذعة لدول الاتحاد الأوروبية، ولكنها كانت هدفا رئيسيا في حربه التجارية. ووضعها في نفس كفة الميزان مع الصين، ضاربا بعرض الحائط كافة الروابط التاريخية والسياسية والثقافية التي تجمع بين أوروبا وحليفتها القديمة أمريكا. ورفع ترامب شعاري «أمريكا أولا» و«الحمائية التجارية». ليؤكد أنه ليس لديه أدنى استعداد لمراعاة المصالح الاقتصادية الأوروبية، حتى وإن كانت الشركات الأمريكية ستتأثر سلبا جراء تطبيق هذه السياسة غير مضمونة العواقب.
أما الصين، فتلعب على وتر مختلف تماما. فهي تدرس الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعاني منها أوروبا، بحثا عن نقطة الارتكاز التي ستساعد وتدعم استمرارية التواجد الصيني في السوق الأوروبية إلى ما لا نهاية.