«حصان طروادة».. لدخول وغزو أوروبا !

رشا عبدالوهاب –

يرى الغرب أن مشاركة إيطاليا في «الحزام والطريق» تعطي وزنا رمزيا كبيرا للصين التي لا تحترم لا القيم ولا الديمقراطية الغربية، لكن هذه المشاركة ليست كافية لمنح شرعية للمبادرة وسط انتقادات دولية ضدها، فبكين نفسها تعاني مع الديون المتراكمة وتباطؤ الاقتصاد الناتج عن الحرب التجارية مع الولايات المتحدة.
تقارب إيطاليا والصين أثار حالة من الذعر في الغرب، فبكين، العدو التاريخي والمنافس الاقتصادي، وجدت المرفأ أو «حصان طروادة» لدخول وغزو أوروبا عبر الأراضي الإيطالية. فأمريكا وأوروبا تشعران بالقلق إزاء هذا التقارب الجديد، الذي تعدى نطاق الزيارات السياسية، فإيطاليا أول دولة أوروبية، وتنتمي لمجموعة السبع الصناعية الكبرى، والعضو في حلف شمال الأطلنطي «الناتو»، والعضو في الاتحاد الأوروبي، وحليفة الولايات المتحدة، وثالث أكبر اقتصاد أوروبي، أول دولة في الغرب توقع اتفاق «الحزام والطريق» المعروف أيضا باسم «طريق الحرير» مع الصين.
وبناء على دعوة من الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، قام نظيره الصيني شي جين بينج بأول زيارة لرئيس صيني منذ عشر سنوات إلى روما، واستمرت أربعة أيام. وقبل بدء الزيارة الرسمية، دعا الرئيس الإيطالي إلى الالتزام بأقصى درجات الشفافية في العلاقات الثنائية بين روما وبكين. بينما أكد شي أن العلاقات الصينية – الإيطالية صمدت أمام اختبارات الزمن والتقلبات الدولية منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قبل 50 عاما، وقال إنه في ظل تمسك الصين وإيطاليا بالاحترام والثقة والمنفعة، على نحو متبادل، تمكن البلدان من مواصلة الصداقة والتعاون وضربا بذلك مثلا في تنمية العلاقات الثنائية بين بلدين يختلفان في النظام الاجتماعي والخلفية الثقافية ومرحلة التنمية.
فالصين تخطط للاشتراك مع إيطاليا في رسم خطة التنمية المستقبلية للعلاقات الثنائية. الرئيس الإيطالي الذي مد السجادة الحمراء للضيف الكبير قال إن طريق الحرير القديم أداة للمعرفة بين البشر للمشاركة والاكتشافات المشتركة، ملمحا إلى أن المشروع في ثوبه الجديد يجب أن يكون منفذا في اتجاهين، بحيث يكون السفر ليس فقط للتجار بل للأفكار والمواهب والمعرفة والحلول الدائمة للمشكلات المشتركة والمشروعات المستقبلية. فالجانبان يمكنهما جني فوائد التعاون الاقتصادي القائم على المنافسة العادلة واحترام الملكية الصناعية والفكرية وفي الحرب المشتركة ضد التزييف.
وقال مانيلو دي ستيفانو، وكيل وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، في مقابلة مع وكالة أنباء «شينخوا» الصينية الرسمية: إن إيطاليا محطة أوروبية طبيعية للحزام والطريق، وإنها «ميناء الوصول الأوروبي» في إطار مبادرة بكين، مشيرا إلى أنه سيكون من المهم التوصل إلى اتفاق مربح للطرفين عن طريق تقديم ابتكارات معينة، مثل مفهوم الفتح الثنائي للجمارك للسماح للمزيد من المنتجات الإيطالية بالدخول إلى الصين.
وعلى الرغم من أن العلاقات بين الدولتين تاريخية منذ زمن الإمبراطوريات، إلا أن العلاقات المعاصرة بين الدولتين انطلقت رسميا في 6 نوفمبر 1970، وبمجرد توارد الأنباء عن اعتراف روما بجمهورية الصين الشعبية وقطعها العلاقات مع جمهورية الصين «تايلاند»، سارت دول أوروبية أخرى على خطاها مثل النمسا وبلجيكا. وكان بيترو نيني وزير الخارجية الإيطالي الأسبق قد قدم في يناير 1969 اقتراحا للاعتراف بالصين، ودعا الحزب الاشتراكي الإيطالي ممثلين صينيين إلى حضور مؤتمر الحزب عام 1969، إلا أن الجانب الصيني رفض الدعوة، وسرعان ما تبادلت الدولتان السفراء في فبراير 1970. وحتى يومنا هذا، تشهد إيطاليا والصين لقاءات سياسية متبادلة رفيعة المستوى، وفي سبتمبر 2005، أعرب تشاو شانج شوان وزير الدفاع الصيني الأسبق وسالفاتور سيكو نائب وزير الدفاع الإيطالي عن رغبتهما في توثيق التعاون العسكري بين الدولتين. وازداد الحماس السياسي لعلاقات أوثق بين البلدين في 2014، خلال رئاسة ماتيو رينزي للحكومة، والذي قام بزيارة رفيعة المستوى إلى بكين، ثم جاء خلفه باولو جينتيلوني ومن بعدهما الحكومة الحالية ليسيرا على النهج ذاته.
وفي مارس الماضي، وقعت الشركات الصينية والإيطالية 10 اتفاقات في قطاعات أنابيب الغاز والصلب والطاقة بقيمة 5 مليارات يورو في إطار اتفاق «الحزام والطريق».
التقارب بين بكين وروما أزعج بروكسل وبعض القادة المؤيدين للاتحاد الأوروبي مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي رأى أن الاتفاق بمثابة مساعدة للصين التي تعتبر أحد المنافسين الاقتصاديين الرئيسيين للتكتل الأوروبي الموحد، وربما يكون هذا السبب المعلن، إلا أن باريس لا ترغب أن تخرج روما من كبوتها الاقتصادية بسبب الخلافات السياسية غير المسبوقة بينهما، والتي وصلت إلى حد التلاسن اللفظي.
وتعتبر مبادرة «الحزام والطريق» محور استراتيجية السياسة الخارجية للصين، وتم وضعها في دستور الحزب الشيوعي الصيني في 2017، والتي تظهر رغبة الرئيس شي جين بينج في أن يحول بلاده إلى قيادة عالمية. وتعتبر إيطاليا، أول دولة من مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى، التي توقع على المبادرة، والتي تضمن للدولتين مزيدا من التعاون الاقتصادي خصوصا في مجالات التجارة والنقل والبنى التحتية والاتصالات.
وتراجع الاقتصاد الإيطالي ربما يكون السبب الأول في موافقتها على توقيع الاتفاق مع الصين. الحكومة الإيطالية الشعبوية تتوق إلى إنقاذ البلاد من ثالث حالة كساد تمر بها خلال 10 سنوات، ورأت في خطة الصين وسيلة للمساعدة.
هذا التقارب بين الدولتين، أثار نوعا من الجدل بين الساسة في الداخل الإيطالي، فالسؤال الذي طرح نفسه بقوة: «هل الصين تحاول شراء إيطاليا، أم تريد تحويلها إلى يونان جديدة تسقط في فخ الديون». وليس كل المسؤولين في الائتلاف الحكومي بروما يؤيدون توقيع الاتفاق، فماتيو سالفيني نائب رئيس الوزراء الإيطالي، زعيم حزب «الرابطة» اليميني المتطرف، وحذر من خطورة استعمار الصين للأسواق الإيطالية.
لم يلتق سالفيني الرئيس شي خلال زيارته الرسمية إلى إيطاليا ورفض حضور العشاء الرسمي على شرف الضيف الكبير. وحاول لويجي دي مايو النائب الثاني لرئيس وزراء إيطاليا وزعيم حركة «خمس نجوم» الشعبوية التقليل من هذه المخاوف حيث أن الصادرات الإيطالية إلى الصين أقل من تلك التي تصل إلى ألمانيا أو فرنسا. ووصل حجم العجز التجاري الإيطالي مع الصين إلى حوالي 17.6 مليار يورو العام الماضي، وقال دي مايو إن الهدف إنهاء العجز. وعلى خطى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي شكل شعار «أمريكا أولا» أساس حملته الانتخابية، وواصل رفعه منذ وصوله إلى البيت الأبيض، رفع دي مايو رفع شعار «إيطاليا أولا»، ودافع عن العلاقات بين روما وبكين قائلا: إنه على الرغم من ذلك، فإيطاليا ستظل حليفة للولايات المتحدة وللدول الأعضاء في حلف شمال الأطلنطي «الناتو» ودول الاتحاد الأوروبي.
وتخشى الولايات المتحدة، الخصم الرئيسي لبكين، من أن هذه المبادرة استراتيجية لدعم النفوذ العسكري للصين، ويمكن استخدامها لنشر تكنولوجيا قادرة على التجسس على المصالح الغربية. البيت الأبيض يعتبر الحزام والطريق بأنها مبادرة «صنعت في الصين، ومن أجل الصين»، وأنها لن تكون لها فوائد اقتصادية دائمة بالنسبة للشعب الإيطالي.
ويرى الغرب أن مشاركة إيطاليا في «الحزام والطريق» تعطى وزنا رمزيا كبيرا للصين التي لا تحترم لا القيم ولا الديمقراطية الغربية، لكن هذه المشاركة ليست كافية لمنح شرعية للمبادرة وسط انتقادات دولية ضدها، فبكين نفسها تعاني مع الديون المتراكمة وتباطؤ الاقتصاد الناتج عن الحرب التجارية مع الولايات المتحدة.
وحاول نائب وزير الخارجية الإيطالي مانوليو دي ستيفانو طمأنة الغرب، قائلا إن مذكرات التفاهم «ليست لها وضع الاتفاق الدولي»، كما أنها لا تتعلق بقطاع الاتصالات الذي يخشى أن يتسبب السماح للصين بدخوله في خلق «ثغرات تكنولوجية» تتيح لبكين التجسس على دول أخرى.
وخلال السنوات العشر الماضية، حصلت إيطاليا على 23 مليار دولار من الصين كاستثمارات، وهو ما يجعلها ثالث أكبر دولة أوروبية تشهد استثمارا أجنبيا مباشرا من الصين، واستحوذت شركة «تشيم تشاينا» على شركة «بيريللي» للإطارات، والتي تعتبر الأكبر في الاتحاد الأوروبي، وهو ما ألقى بظلاله على تراكم الأسهم في شركات الطاقة مثل إيني وإينيل وسي دي بي ريتي، والشركات التي تحمل علامة «صنع في إيطاليا» مثل فيات وفيراجامو.
وفي الوقت الذي أثارت فيه رغبة الصين في الاستثمار في الشركات الإيطالية عجب ودهشة وقلق حكومات روما السابقة، لكن الحكومة الحالية مختلفة، فهي راغبة في دعم الاستثمارات التي تعزز الاقتصاد وتوفر الوظائف، ويظل المنطق الاقتصادي للصين في علاقاتها مع إيطاليا غير واضح، خصوصا أن ما يحرك بكين في استثماراتها في أوروبا استراتيجية «صنع في الصين 2025»، والتي تهدف إلى جعل الشركات الصينية قادرة على المنافسة في الصناعات ذات القيمة المضافة. ولعدة سنوات سابقة، كانت سياسات إيطاليا تجاه الصين تعتمد على حجم متزايد من الزيارات الدبلوماسية ومؤتمرات لا تحصى، لكن دون نتائج حقيقية ملموسة. وقللت حكومة جوزيبي كونتي رئيس الوزراء الإيطالي الحالي من مخاطر التقارب مع الصين، وهو التقارب الذي حدث بفضل جهود ميشيل جيراسي وكيل وزارة التنمية الاقتصادية الإيطالية، والذي قضى حوالي 10 سنوات في الصين، وهمش دور وزارة الخارجية عبر تشكيل «قوة عمل الصين»، وسافر أربع مرات إلى بكين خلال النصف الثاني من 2018، فالمصالح المشتركة هي من تحكم العلاقات الدولية.