الهجوم الدبلوماسي الكبير.. واقعية اقتصادية وطموحات سياسية

د. صلاح أبونار –

شهد شهرا مارس وأبريل ما يمكن دعوته: الهجوم الدبلوماسي الصيني الكبير، ففي العشرين من مارس بدأت رحلة رئيس الجمهورية الصيني شي جن ينج الأوروبية، التي شملت ثلاث دول: فرنسا وإيطاليا وموناكو. وفي التاسع من أبريل بدأت رحلة لي كه تشيانج رئيس مجلس الدولة الصيني لبروكسل على رأس وفد صيني كبير خاض محادثات مكثفة مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وفي وقائع الزيارتين معا يمكننا أن نرصد بوادر تكوّن تحالف صيني – أوروبي كبير، ينطلق من محاولات هادئة وواقعية لحل التناقضات والصراعات في العلاقات الاقتصادية، ويترسم خطى استراتيجية سياسية دولية طموحه تسعى لدعم التعددية في النظام السياسي الدولي.
ولا يمكننا فهم المسار الأول بدون فهم واقع العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وفقا لإحصائيات 2015 يحتل الاقتصاد الصيني المركز الثاني عالميا، بعد الولايات المتحدة في المركز الأول، بقيمة 14.72 تريليون يورو للناتج القومي الإجمالي، ويليه الاتحاد الأوروبي في المركز الثالث بقيمة 9.75 تريليون يورو. ويعتبر الاقتصادان الاتحادي والصيني من أكثر اقتصادات العالم تكاملا. في عام 2015 بلغت قيمه صادرات الصين للاتحاد351 بليون يورو، ارتفعت إلى 374.8 بليون يورو عام 2017. وفي عام 2015 كانت قيمة صادرات الاتحاد للصين170.3 بليون يورو، ارتفعت في 2017 إلى 198.2 بليون دولار. والحاصل وجود عجز دائم في الميزان التجاري لصالح الصين، بلغت قيمته180.7 بليون 2015، انخفض إلى 176.6 عام 2017. ويلاحظ أن النسبة الأكبر من التبادلات بين البلدين تذهب للتجارة في السلع، بينما يذهب أقلها إلى التبادلات في مجال الخدمات والاستثمار والبحث والتطوير. في 2016 بلغت صادرات الخدمات الصينية للاتحاد29.6 بليون يورو، مقابل38.3 بليون يورو صادرات اتحادية للصين، بعجز 8.6 بليون لصالح الاتحاد. ولكن رغم محدوديتها، تسجل الإحصائيات نسبة نمو عالية لصادرات الخدمات، ففيما بين 2000 -2011 كانت نسبة نمو صادرات الخدمات 25% سنويا مقابل 14,4% للسلع.
وعلى ضوء ضخامة حجم اقتصاد البلدين مردودا للانتاج العالمي، وكثافة التبادلات الاقتصادية بينهما، والأهم الخلل الحاضر داخلها لصالح الصين، يمكننا ان نفسر المكانة المركزية التي يحتلها المسار الاول والاقتصادي للحركة الراهنة لتكون ومأسسة التحالف الاتحادي – الصيني.
وتبدو تلك المكانة المركزية في مفارقة نلاحظها، بين عناوين الاستراتيجيات الموجهة لهذا التحالف، وأسماء المؤسسات المنظمة لحركته. منذ عام 2013 اطلق الجانبان «برنامج التعاون الاستراتيجي بين الاتحاد الأوروبي والصين حتى 2020»، وعند مطالعة أقسامه الأساسية سنجدها تتكون من أربعة أقسام متكاملة: السلام والأمن، الازدهار، والتنمية المستدامة، والتبادلات المباشرة بين الشعوب.
وتشكل تلك الأقسام في مجملها برنامجا لشراكة كلية، بالمعنى الاجتماعي العام وبالمعنى الجغرافي الكوني، لا يحتل الاقتصاد بمعناه التقني الضيق سوى القسم الثاني. وخلال زيارته لبروكسل عام 2014 عبر الرئيس الصيني عن تلك الروح الكلية،عندما طالب بتحرك الشراكة عبر أربعة مسارات: السلام والنمو والإصلاح والحضارة. لكننا لو نظرنا إلى أسماء الأطر التنظيمية التي تشكل المحركات الفعلية والمؤسسية لحركة الشراكة، سوف نلاحظ الهيمنة شبه الكاملة للبعد الاقتصادي. أعلى تلك المؤسسات سنجد مؤسسة القمة السنوية، التي وصلت دوراتها منذ 1998 حتى الآن الى21 دورة، وتحتل قضايا الاقتصاد عمليا كل جدول أعمالها. وأسفل القمة سنجد أربعة اطر تنظيمية أخرى.
إطار« الحوار الصيني – الاتحادي عالي المستوى حول قضايا الاقتصاد والتجارة»، وينعقد سنويا في بروكسل وشهد عام 2018 دورته الثامنة، ويحضره نائب الرئيس الصيني معه وزراء صينيون ونائب رئيس الاتحاد ومعه مفوضون أوروبيون. وإطار«اللجنة المشتركة حول التجارة»، وهي لقاء وزاري سنوي لمناقشه قضايا التجارة. وإطار«الحوار حول التجارة والاستثمار»، وهو لقاء وزاري سنوي. وإطار«مجموعة العمل حول الاقتصاد والتجارة»، وهي مناقشات دورية تجري بين خبراء من الجانبين. وسنلاحظ بسهولة عند النظر إلى تلك الأطر المركزية هيمنة الأفق الاقتصادي عليها، فهنا تسيطر عضوية الوزراء الاقتصاديين، وهنا تتكرر كلمات التجارة والاقتصاد والاستثمار.
وما الذي يسعى اليه هذا المسار الأول والاقتصادي؟
يمكننا هنا رصد عدة أهداف. الأول يسعى لإصلاح علاقة السلطة الصينية بالمجال الاقتصادي، عبر اخضاع سياساتها لقواعد الشفافية والقابلية للتنبؤ والعدالة واحترام القواعد المنظمة لحرية الأسواق، وعبر تقليص أنماط تدخليتها الاقتصادية في الأسواق والاستثمارات، وعبر دفعها لمعالجة التشوهات الاقتصادية الداخلية التي تمارس تأثيرها على الاقتصاد العالمي، وعبر التشديد على ضرورة الانفتاح الكامل للسوق الصيني.
والثاني يستهدف المساهمة في معالجة ظواهر تباطؤ النمو الاقتصادي الصيني، باعتبار أن هذا النمو أضحى بفعل حجم الاقتصاد الصيني وتدفقاته الخارجية محركا للنمو والتباطؤ العالميين. والثالث يسعى إلى تنمية العلاقات الاقتصادية بين الكتلتين، من اجل الاستفادة من حجم السوق الصيني الضخم، عبر مراجعة القوانين الصينية المنظمة للاستثمار والوصول لاتفاقية جديدة موحدة تنظم مجمل تعاملات دول الاتحاد مع الصين، وعبر تأسيس منطقة تجارة حرة مشتركة، وعبر الاندماج الأوروبي في مبادرة الحزام والطريق.
والرابع يسعى لدعم النمو العالمي المستدام، باعتباره الضمانة البنيوية لنمو اقتصاديات الكتلتين، من خلال الحفاظ على البيئة والمناخ والطاقة المستدامة وحماية المحيطات وتنمية البحث العلمي والاندماج العالمي عبر المرونة التواصلية.
وما الذي أسفرت عنه الجولة الأخيرة من العمل المشترك في سياق هذا البرنامج الواسع؟
وفقا لما جاء في البيان الختامي للقمة 21، والتصريحات الصحفية العليا التي أعقبت انتهاءها، يعتبر ما توصل إليه الطرفان نقطة تحول هامة في حل مشاكلهما الاقتصادية. فلقد وقعت عدة وثائق أساسية مذكرة تفاهم حول الحوار الجاري بشأن ضبط دعم الدولة للشركات والمنافسة الحرة، واتفاق حول مجالات النقاش القادم بشأن سياسات التنافس الاقتصادي وتنظيمها، وبيانا مشتركا حول التعاون في مجال الطاقة، وموضوعات الدراسة المشتركة حول طرق السكك الحديدية الرابطة بين الصين وأوروبا. ولكن التصريحات تمنحنا مؤشرات على مقدمات لتوافقات ضمنية في سبيلها للتبلور النهائي. تعهدات من الرئيس الصيني بتوقف الصين عن سياسات النقل الاكراهي للتكنولوجيا، ومواصله المراجعة الجارية للقوانين الصينية المنظمة للاستثمار من أجل الانتهاء من اتفاقية الاستثمار الموحدة، ومراجعة القواعد الحاكمة لدعم الدولة للصناعات، والاتفاق على معالجة ظاهرة الوفرات الانتاجية الصينية وبالتحديد في مجال الصلب. وكلها تعهدات على أعلى مستوى تمس موضوعات قيد التفاوض النهائي.
يتجه المسار الثاني لمشروع الشراكة صوب العمل على تأسيس نظام دولي تعددي. ولقد اكتسب في السنوات الأخيرة قوة دفع جديدة، تحت تأثير اتجاه الصين للتحول التدريجي والمحسوب إلى قوة كونية سياسية وعسكرية بعد عقود من الانكماش الدولي، والانسحاب الأمريكي من قيادة النظام الدولي، وعودة الدور السياسي الروسي الدولي، وتفشي الأزمات الإقليمية في مناطق جنوب المتوسط ومناطق أخرى، والثورة الاتصالية ونشوء المجتمع المدني العالمي، وانتقال الثقل الاقتصادي العالمي إلى شرق آسيا، وظهور نمط جديد من الأزمات العالمية تستلزم تعاون الجميع مثل البيئة والمناخ والإرهاب، ومخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل في عدة مناطق إقليمية.
وكل تلك العوامل تفسر لنا الحضور القوي لهذا المسار في وثيقة «برنامج التعاون الاسترتيجي 2020»، المنظمة للمسار الراهن لمشروع الشراكة الأوروبية – الصينية. غير أن هذا الحضور كما اشرنا يظل حضورا نظريا في جوهره، وعمليا في بعض ممارساته مثل الموقف من قضية المناخ والمحيطات والبيئة والإرهاب.
وإذا بحثنا عن علة هذا الحضور الفاتر سنجدها موزعة بين طرفي الشراكة. فالصين تعي جيدا ضرورة دورها الدولي كحماية لتوسعها الاقتصادي، ولكنها تعرف كلفة هذا الدور الدولي في مواجهة الولايات المتحدة. فهو سيكلفها معدلات تسلح لا تتحكم في إيقاعها ولا تكلفتها، وسيفرض عليها خيارات سياسية ستقيد مساحة ليست هينه من خياراتها الاقتصادية، وسيرغمها على إعادة تحديث وهيكلة كاملة لقواتها العسكرية، وسيفرض عليها أعباء اقتصادية لدعم الحلفاء، وسيدفعها بدرجة ما نحو إعادة هيكلة مجالاتها الاقتصادية الداخلية. وبالتالي لديها حساباتها المعقدة، وإيقاعها الحركي الخاص الذي لا يرتبط بإلحاح مهام الدور نفسه. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي فهو يواجه بدوره صعوبات. فهو ليس دولة واحدة بل أساسا كيان تحالفي، يتواجد في أقوى حالات على المستوى الاقتصادي. وهو ككيان تحالفي يقف الآن في مواجهة أزمة تمس ما حققه، بفعل قرار الخروج البريطاني وتداعياته والصعود الشعبوي المعادي للاتحاد، وبالتالي يتعين عليه أن يحمي ما حققه وليس ان يتوسع فيه. وهو على امتداد فترة ما بعد نهاية الحرب الثانية، استسلم إلى فكرة الحماية الأمريكية النووية وتنازل في سبيلها عن الدور الخارجي الفعال، واصبح الآن لا يمتلك الموارد العسكرية الكافية لممارسة دور دولي مستقل، أو التحالفات الإقليمية الداعمة لهذا الدور كما كان أمره في الماضي.وما الذي يترتب على التحليل السابق. لا يترتب عليه اننا أمام مشروع مستحيل، بل أمام مشروع محكوم عليه بتفاوت النمو داخل مجالاته السياسية الخاصة، وفي حاجة إلى مدى زمني أطول لكي يتحقق، وسيظل في حيز تحققه اقل حضورا بمراحل من المسار الاقتصادي.