الصين وأوروبا..عولمة التعددية والشراكة

إميل أمين –

من بين المتغيرات الجيوبوليتيكية المتسارعة في الأوقات الأخيرة، أطلت علينا الصين برؤاها للعالم الجديد، ذاك الذي لم يولد بعد، ولا يزال في رحم الغيب، لكن حتما ستكون فيه لاعبا قويا ومتقدما، حتى وان لم تكن القطب الوحيد المنفرد بمقدرات العالم، سيما وان غالبية الرؤى والتحليلات تمضي إلى أن العالم سوف يشهد ضربا من ضروب الأقطاب المتعددة، لا القطب الواحد أو الثنائية التقليدية منذ زمن بعيد.
ما الذي يميز الصين عن بقية الدول الكبرى حول العالم، ذات العلاقات الممتدة بقوة خارج أراضيها؟
حين يكون الحديث عن الصين، فإن الأمر يتطلب استدعاء المعين الحضاري والفلسفي لتلك الأمة العريقة، وتراثها وجذورها الفكرية، وقد كانت ولا تزال قائمة على أعمدة من الفكر الكونفوشيوسي، ذاك الذي يرى الوجود الإنساني كيان لا يتجزأ، وكل واحد، ويمكن فيه تغيير مواقع ومواضع الوجود لكن في إطار الواحد، أي التعددية في الواحد، الأمر الذي يمكنها من فتح الأبواب من الآخرين بسهولة ويسر.
أما القوى الغربية فتقوم على المذهب الارسطي، ذاك الذي يؤمن بحتمية التضاد والتصارع، بالهيمنة والفوقية، ولا يعتبر الآخر الا منافسا أو مشارعا ومنازعا، ولابد من إزاحته من الطريق.
لماذا نتذكر هذه الرؤى الفلسفية الآن؟
الأمر موصول ولا شك برؤى الصين وعلاقاتها الدولية بالشرق والغرب، وانفتاحها الكبير الأخير على أوروبا، والزيارات التي قام ويقوم بها مسؤولون صينيون إلى عدد من دول الاتحاد الأوروبي، وقد بات السؤال:« هل نحن ازاء مولد تحالف صيني أوروبي جديد، يغير من الخريطة الجيوسياسية الدولية بعد عقود طوال من الشراكة الأوروبية الأمريكية؟
قبل الجواب المباشر على السؤال المتقدم ربما يتحتم علينا الإشارة إلى أوضاع العلاقات الأوروبية الأمريكية في العامين الأخيرين، والتي تعرضت لحالة من الاهتراء العميق بعد وصول الرئيس ترامب إلى مقاليد السلطة ورؤاه الارسطية لأمريكا أولا، تلك الرؤية الضيقة التي قادت إلى خلافات عميقة مع الأوروبيين، وبخاصة أن الرجل يفرض عليهم قسرا رفع نسبة مشاركاتهم في موازنة الناتو، الأمر الذي يضيف أعباء اقتصادية على القارة العجوز.
في هذا الإطار تظهر الصين، ذلك البلد الامبراطوري العتيق، والذي استطاع أن يحقق معجزة اقتصادية في العقود الأخيرة، ويدرك وفرة مالية استطاعت أن تمهد له الطريق إلى الاستثمار في كافة بقاع وأصقاع الأرض، ومنها بالتأكيد القارة الأوروبية.
مؤخرا كان الرئيس الصيني «شي جين بينغ» قد قام برحلة مثمرة إلى إيطاليا وموناكو وفرنسا، وإعقبتها رحلة إخرى لرئيس مجلس الدولة «لي كه تشيانغ»، الإمر الذي دعا المبعوث الصيني للاتحاد الإوروبي «تشانغ مينغ» لاعتبار العلاقة بين الجانبين تمر بـ «ربيع دافئ».
والشاهد انه في حين تخوف البعض من أن تكون أوروبا قد وقعت بين فكي الصين وأمريكا، الأمر الذي يجعل من بكين طرفا براجماتيا لا يريد سوى تحقيق مصالحه العليا مثل واشنطن وربما اكثر، ذهب البعض الآخر إلى هناك علامات وخصائص بعينها تتمتع بها العلاقات الصينية الأوروبية.
في المقدمة من تلك السمات الثقة الاستراتيجية المتبادلة التي تتعزز باستمرار بين الجانبين، فالرئيس الصيني «بينغ » اختار أوروبا لتكون آخر رحلة خارجية له العام الماضي، كما أرسلت أول زيارة له هذا العام، والتي عقد خلالها قادة الصين وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي اجتماعا خاصا في باريس، إشارة واضحة للعالم على تعزيز الثقة الاستراتيجية المتبادلة وتعميق التعاون الاستراتيجي بين الصين والاتحاد الأوروبي.
هناك أيضا المصالح المشتركة المتزايدة بين الصين والاتحاد الأوروبي، حيث يعد الاتحاد الأوروبي اكبر شريك تجاري للصين ومصدر للواردات لنحو 15 عاما على التوالي، بينما تعد الصين ثاني اكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، واكبر مصدر للواردات لمدة 14 عاما على التوالي.
لكن وكما اشرنا فان القضايا العميقة كتغيير الاتجاهات الجوهرية في العلاقات، لا يمكن أن يمضي هكذا وبدون أصوات معارضة، خذ إليك على سبيل المثال ما كتبه «جاي فيرهوفستاد» رئيس الوزراء البلجيكي السابق ورئيس مجموعة تحالف الليبراليبين والديمقراطيين من أجل أوروبا، عبر موقع «بروجكت سنديكت»، وفيه يقول: «ان مبادرة الحزام والطريق الصينية ليست مبادرة خيرية تم اطلاقهما من أجل تحسين أوضاع البشرية، إنما هي برنامج للسياسة الخارجية مصمم بشكل واضح لتوسيع نفوذ الصين الاقتصادي والجغرافي على المستوى العالمي».
المسؤول البلجيكي الكبير لا يوفر إتاحة فرصة للهواجس وعنده انه وفقا لمجلس الأمن القومي الأمريكي مؤخرا، فان الحكومة الإيطالية على سبيل المثال في طريقها لاعتماد «نهج الاستثمار الصيني الفعال» دون إعطاء أي فوائد للشعب الإيطالي.
بعض الأصوات الأخرى في الداخل الأوروبي ترى أن توقيت زيارة الرئيس الصيني «بينغ»، في 22 و 24 مارس أمر لم يكن من قبيل المصادفة، فقبل التمديد الأخير لموعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كان من المقرر ان تغادر الاتحاد الأوروبي في 29 مارس، وفي غضون ذلك حتى انتخابات البرلمان الأوروبي المقبلة في شهر مايو، كانت قيادة الاتحاد الاوروبي مشتتة تماما، فليس هناك وقت افضل لقيام «بينغ» بخداع الحكومات الاوروبية الضعيفة مع وعود بالاستثمار الصيني.
هذا التيار يرى انه لحسن الحظ اجتمع الرئيس الفرنسي ماكرون مع المستشارة الألمانية ميركل ورئيس مفوضية الاتحاد الأوروبي جونكر مع «بينغ»، الذي يدرك انه في عالم تهيمن عليه القوى العظمى لن تزدهر أوروبا إلا إذا كانت دولها الأعضاء موحدة. هل الاتحاد الأوروبي متوجس بالفعل من شراكة جديدة مع الصين على الرغم من الفرص الاستثمارية الكبيرة والواسعة التي تعد بها بكين بروكسل، وهل تبحث عن كيفية للتموضع بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية؟
يمكن القطع بأن أوروبا لا ولن يمكنها الانسلاخ عن الولايات المتحدة مرة والى الأبد والارتماء في الأحضان الصينية إن جاز التعبير لأسباب عديدة، منها ما هو التاريخي وما هو الاقتصادي، عطفا على وشائج الدم الانجلوساكسوني.
في هذا الإطار فإن مؤسسات الاتحاد الأوروبي تسعى للبحث عن موقف أوروبي «موحد ومتوازن»، حول المستقبل بين بروكسل وبكين، وهذا ما أشار إليه مصدر أوروبي رفيع المستوى عشية القمة الأوروبية الدورية الأخيرة في بروكسل، والتي خصصت جزءا كبيرا منها لبحث العلاقات مع الصين.
المصدر المشار إليه حاول التخفيف من أهمية تباين وجهات نظر الدول الأعضاء، وقد أشار فقط إلى أن الاتحاد الأوروبي يتوجس من سعي الصين إلى «استغلال» تفاوت الآراء بين العواصم لتعميق نفوذها، خاصة في المجالات الرقمية والتجارية، كما رفض التعليق على رغبة إيطاليا بالانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية، على الرغم من معارضة الدول الأوروبية والولايات المتحدة.
هناك جزئية أخرى تلفت النظر في إشكالية العلاقة بين أوروبا والصين وهي أن الاتحاد الأوروبي لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون على شاكلة الاتحاد السوفييتي السابق، أي انه ليس ولايات أو جمهوريات خاضعة لسلطة قسرية مركزية موحدة، وبل انه مشكل من دول مختلفة في العرق واللغة، ولكل منها استقلالها الخاص، وسيادتها الكاملة، واستقلالها التام، ولهذا فإنه من حق كل منها أن تمارس ما تراه حقا أصيلا في التواصل مع دول خارجية، وإقامة علاقات كاملة مع من تراه.
لكن أيضا وعلى الرغم من تلك القناعة، فان البعض من داخل الاتحاد الأوروبي لم يستحسن ما فعلته إيطاليا، واعتبروا الأمر بمثابة السماح لإيطاليا بإدخال الصين عبر حصان طروادة الذي تمثله الدولة الإيطالية، ووصل الأمر في داخل البرلمان الأوروبي إلى تهديد واضح لإيطاليا في هذا الخصوص.
تبقى مسألة الشراكة الأوروبية الصينية أيضا إحدى نقاط الصراع حول البرلمان الأوروبي القادم، والذي ستجرى انتخاباته في شهر مايو القادم، أما لماذا فلأن تيار اليمين الأوروبي الذي تتصاعد سطوته بقوة في الآونة الأخيرة سوف يستغل القصة كأداة للتنديد بالبعض أو لدعم البعض الآخر، بمعنى أن تيار اليمين الأوروبي الرافض للأجانب والمهاجرين يؤمن بفكرة الاتوسنترية، اي التمركز حول الرجل الأبيض الأوروبي، وتاريخ أوروبا الثقافي والفكري، وكذا الديني أيضا، الأمر الذي يعني ان هناك رفضا مؤسسا على عوامل ذهنية كبيرة لا تتوافق مع الدخول الصيني إلى العمق الأوروبي.
هل تقف الولايات المتحدة الأمريكية موقف المتفرج من التطور السريع في العلاقات الأوروبية – الصينية؟
اكثر من مرة اشرنا إلى فكرة وطرح «اوراسيا»، وفجرها الجديد الذي يشرق على العالم في أوقاتنا الراهنة، وأوراسيا هي تجمع هائل من البشر والحجر، يستوعب في مضمونه وشكله وجوهره، أوروبا من عند المحيط الأطلسي، ويمتد حتى جبال الأورال ناحية روسيا، هذا التجمع ستكون الصين فيه بمثابة القلب، ما يعني أن أمريكا ستكون أمام معادلة دولية مغايرة بشكل كامل لما أضحى عليه العالم الثنائي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الساعة.
يعني ذلك أن واشنطن لن توفر جهدا لإفساد تلك العلاقة، ولهذا كتبت صحيفة النور الصينية اليومية، مشيرة إلى أن الشعور بعدم الارتياح الذي طالما أبدته واشنطن إزاء التطور المطرد، الذي تحققه مسيرة العلاقات الصينية الأوروبية الممتدة لأكثر من ثلاثين عاما، إنما يرتبط بالاستراتيجية الأمريكية العالمية التي لا تكف واشنطن في إطارها عن مساعيها الرامية إلى كبح جماح نهضة الصين، وتطويقها تحسبا من بزوغ أي قوة جديدة تهدد القوة العظمى الوحيدة المهيمنة والمتفردة بتسيير شؤون العام بما يخدم مصالحها الذاتية.
مهما يكن من أمر فإنه من المرجح أن يصل الطرفان الأوروبي والصيني إلى صيغة تفاعلية لا تستبعد الولايات المتحدة الأمريكية من حساباتهما، وربما يكون عام 2020 موعدا لاتفاقية استثمار بين الصين وأوروبا تحقق مصالح متبادلة للجانبين، فتفتح المزيد من القطاعات الاقتصادية في الصين أمام الشركات الأوروبية من خلال إزالة الحواجز أمام الوصول إلى الأسواق والحد من التمييز ضد المستثمرين الأجانب، أما الصين فستجد طريق الحرير مفتوح لها على الأطلسي.
الخلاصة.. المصالح تتصالح بين الشرق والغرب أمس واليوم وإلى الأبد.