الصين و«الطفرة المصغرة» أوروبا من أدواتها

يسرا الشرقاوي –

في التاسع من أبريل الجاري، أصدر صندوق النقد الدولي تقديراته حول أحوال الاقتصاد الصيني، فقد عدل الصندوق تقديراته الأولية حول الأداء المتوقع لثاني أكبر اقتصاديات العالم خلال العام الجاري ٢٠١٩.
والتعديل كان إيجابيا ومطمئنا، فقد أكد صندوق النقد في بيان له توقعاته بإحراز الصين معدل نمو اقتصاديا يقدر بنحو ٦.٣٪ خلال هذا العام. وهذا التقدير يؤكد استمرارا لوتيرة التراجع التي بدأت العام الماضي، بتسجيل الصين معدل نمو لم يتجاوز ٦.٦٪، والذي يعتبر الأدنى بالنسبة للمشروع الاقتصادي الصيني منذ ٢٨ عاما. ولكن الإيجابي أن نسبة الـ ٦.٣ ٪ شكلت قفزة من نسبة الـ ٦.٢٪ التي كانت تتوقف عندها توقعات صندوق النقد لأداء الصين اقتصاديا خلال العام الجاري. لكن الأكثر إيجابية من الارتفاع المحدود في معدل النمو الاقتصادي المنتظر، أن الصندوق النقد شهد لبكين بالمهارة في إدارة أزمتها التجارية مع الولايات المتحدة، وبنجاح جهودها في حماية اقتصادها بما «ساعد في مواجهة التأثير السلبي للتعريفات التجارية». وزاد صندوق النقد الدولي على ذلك كله، بالتأكيد أن الصين وسياساتها التحفيزية اقتصاديا في مقدمة المسببات التي جعلت تقديرات لإجمالي أداء الاقتصاد العالمي خلال العام الجري أفضل بأن صرحت أنه سيكون بنسبة ٣.٣٪ وسيرتفع مجددا خلال ٢٠٢٠ إلى ٣،٦٪. والحقيقة أن صندوق النقد ليس وحده في تقديراته الإيجابية بالنسبة لأحوال الاقتصاد الصيني. فوفقا لتقدير صدر عن أكبر بنوك أوروبا «أتش.أس.بي.سي»، فإن معدل النمو الصيني سيكون حول الـ ٦.٦٪ خلال ٢٠١٩. وفي جميع الأحوال، فان التقديرات كلها توافقت مع توقعات الحكومة الصينية حول أدائها الاقتصادي خلال العام الجاري والذي تحدد ما بين ٦.٠و ٦.٥٪. وسرعان ما كان لهذه التقديرات الإيجابية أثارها على أسواق المال الصينية، فقد قفزت الأسهم الصينية بمقدار ٣١٪ بالمقارنة مع التراجع الذي شهدته يناير الماضي. أما اليوان، فسجل ارتفاعا بمقدار ٢.٤٪ وأمام كل هذه التقديرات والنسب ليست سوى مجرد «طفرة مصغرة» لا يفترض أن ينخدع بها أي شخص. وأن إعادة إطلاق عهد جديد من الهيمنة الصينية مستبعد. بعيدا عن هذه المحددات التي تقلل من حالة الإثارة المرتبطة بعودة محتملة للتنين الصيني. يتوجب التأمل في القوى الدافعة لهذه الطفرة حتى وإن كانت «مصغرة» كما تحذر بلومبيرج. ويلاحظ أن من أهم عوامل الإنقاذ الصيني كانت الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ودول أوروبا إجمالا حتى من خارج حدود الاتحاد. فكرة التنوع وتعددية الأسواق والشركاء خلقت للصين منفذا من الخناق الأمريكي وفرصة للتنفس والصمود واستعادة الأمجاد. وفقا لدراسة صدرت عن مؤتمر الأمم المتحدة لشؤون التجارة والتنمية، فإن الصين ستكون الكاسب الأكبر من وراء انتهاء دراما الـ «بريكست» التي لا تنتهي فصولها بدون التوصل لاتفاق وإجبار المملكة المتحدة نهاية الأمر على مغادرة عضويتها بالاتحاد الأوروبي بدون شكل بديل من أشكال الشراكة المتبادلة.
والدراسة ذاتها أوضحت أن نظام التعرفة المنخفضة الذي سيكون حاضرا في حالة «بريكست» بلا اتفاق سيرفع حجم الصادرات الصينية إلى المملكة المتحدة بمقدار ١٧٪ بالمقارنة مع مستوى صادراتها الحالي أو ما يعادل ١٠ مليارات دولار أمريكي دفعة واحدة. وذلك المبلغ المضاف سيكون فوق ٥٦.٦ مليار دولار هي إجمالي قيمة صادرات الصين إلى المملكة المتحدة العام الماضي ٢٠١٨. وذلك يقارن بتوقعات زيادة الصادرات الأمريكية إلى المملكة المتحدة والتي لن تزيد على ٥.٣٤ مليار دولار، و٤.٩ مليار دولار في حالة صادرات اليابان.
لكن استراتيجية الصين في إدارة شراكتها مع أوروبا ليست مقصورة على احتمال إتمام الـ «بريكست» من عدمه. فالاستراتيجية تقوم في الأساس على تنمية أصول الشراكة ودعمها باستثمارات طويلة الأمد، تصب نهاية الأمر في خلق أسواق لقطاع الإنتاج الصناعي العملاق في الصين، وتنويع الاستثمارات الصينية في أوروبا مع الـ «بريكست» أو من غيره. ففي الحالة البريطانية، مثلا، كرست الصين فكرة دخول العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين مرحلة « العهد الذهبي»، وذلك اعتبارا من زيارة الرئيس تشي جينبينج إلى المملكة المتحدة عام ٢٠١٥، حيث تم التوافق حول شراكة استراتيجية جديدة لدفع معدلات التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين الجانبين. ولكن اللافت ليس مجرد الشراكة المتجددة والمتنامية ما بين الصين من جانب ودول أوروبا الكبرى من جانب أخر. فوفقا لعدد من التقارير أن الصين فعلت استراتيجية التكريس التدريجي طويل المدى في قطاع دول وسط وشرق أوروبا، وذلك عبر سلسلة من المشروعات المتنوعة والتي تضمنت دعم قطاع البنية التحتية، وتحديدا فيما يتعلق بالطرق والكباري ومد خطوط السكك الحديدية. ويضاف إلى ذلك الاتصالات وتحديدا فيما يخص شبكات «الهاتف الجوال». حتى أن التواجد الصيني المتنامي في قطاع الشرق والوسط الأوروبي بدأ يثير قلق القيادة بالقارة البيضاء، ولكن دون أن يكون لديها من الأدوات أو المخصصات المالية ما يمكنها من مجابهة التحدي الصيني أو حتى الحد منه. فقد قامت كرواتيا مؤخرا باستضافة القمة الثامنة من نوعها بين الصين من جانب و١٦ من دول الشرق والوسط الأوروبي، وذلك بهدف تدعيم وتوسيع نطاق التعاون في مجالات الأعمال والنشاط الاقتصادي. وسط ترجيح مختلف التقارير على أن بكين تعتبر الأقليم الأوروبي بمثابة البوابة الحقيقية والمسار الأكثر استقرارا بالنسبة للنفوذ والمصالح الصينية في قادرة أوروبا. بالطبع جانب من مسببات الشراكة مع هذا الاقليم الأوروبي، هو مشروع « الحزام والطريق »، لكن التحرك الاستراتيجي للصين بالمنطقة سبق هذا المشروع.
مرة ثانية، هي تعددية المنصات بالنسبة للاقتصاد الصيني. ففيما تواصل دعم شراكتها مع أقليم الشرق والوسط الأوروبي، تتواصل مع قياد القارة ممثلة في الاتحاد الأوروبي. فقد صدر يوم الثلاثاء الماضي بيان مشترك عن القمة الصينية – الأوروبية التي عقدت بمقر المجلس الأوروبي في بروكسل، ولغته كلها تجمع على نقاط أساسية. وتتضمن هذه النقاط تنامي فرص التواجد المتبادل في الأسواق، والحد من الإجراءات التفضيلية التي تعيق في المعتاد دخول الشركات الأوروبية إلى الصين. والأهم، كان التوافق حول عدم إجبار الشركات الوافدة على نقل خبراتها التكنولوجية إلى السوق المستضيف. وتدعيم الصين لشراكتها مع الجانب الأوروبي على مختلف الأصعدة تتجاوز أهدافه فكرة تعددية المنصات الاقتصادية. فهناك فكرة الدعم الذي تحتاجه بكين لتحقيق هدفها بلعب دور أكبر في المحافل الدولية مثل منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي ومنظمة الأمم المتحدة. وهذا الدور المنشود والنفوذ المستهدف يتطلب اكتساب مزيد من الحلفاء وتحديد الانتقادات الموجهة إلى بكين بخصوص سياساتها الداعمة للشركات المحلية، مما يضر بفكرة التنافس الحر الذي يفترض أن السوق الدولي أصبح مرهونا به. هذا التنافس الحر الذي أصبح على المحك ويكاد أن ينال ضربة قاصمة بسبب سياسة واشنطن «أمريكا أولا». وذلك يدعم أكثر فأكثر فكرة الشراكة الصينية – الأوروبية لتحقيق حماية للجانبين أمام متغيرات مثل سياسة إدارة دونالد ترامب والـ «بريكست» وغيره.