حروب نفسية لأبناء فيصل الحبيني في الأزمنة الأخيرة

ليلى عبدالله –

يقول الكاتب كولن ولسن في كتابه « المعقول واللامعقول» : «ما تزال القصة عذر الكاتب الرئيسي للتعبير عن آرائه في الحياة» وهذا الدرب نفسه خاضه القاص الكويتي الشاب «فيصل الحبيني» الذي أطلّ على عالم الكتابة بكتابه الشعري الأول «كائن يمرح في العدم» عاد كمبشّر بمجيء جيل سارد يحمل معه قوة الحكاية وتمكّنها في كتابه القصصي الأول «أبناء الأزمنة الأخيرة»، الصادر عن مشروع تكوين 2018م . المجموعة نفسها ترشحت للقائمة الطويلة لجائزة الملتقى للقصة القصيرة في الكويت.
يعيد الحبيني في هذه المجموعة قولبة الحكايات التقليدية لكن بأسلوب حداثي . حفر في تفاصيل إنسانية قل أن نفردها بهذه الحميمية من الكشف من معين سارد مشبّع بالفرادة يجيد إعادة تشكيل أفكار معتادة بأسلوب غير معتاد عبر نتف الحكاية من جانبها المخفي .
لعل أهم ميزة لهذه المجموعة هو كتابتها بلغة السرد، ليست أي لغة بل لغة سردية نقية : لغة القصص والحدث والزمان والمكان والشخصيات . كنت أخشى من أن تجرفه موجة اللغة الشعرية في كتابة القصص القصيرة، لكنه كان فوق التوقعات، كأن الحبيني خرج من باب الشعر وأغلقه ثم ولج باب السرد ليكتب حكاياته. اللغة نفسها جاءت معبأة بمحملات فلسفية على درجة عالية من الوعي والحساسية تجاه موجودات العالم . لغة تختلق عوالم وتهدم عوالم في آن . في هذا التقويض تحيا وتموت شخصيات وذكريات وأحداث. لغة الشخصيات مفعمة بالصدمات والدهشات تصطدم مع واقع تحاول كل شخصية اختلاقه على نحو يبعث على الفرار من حياة تنعطف نحو الهدم الذاتي ورغبة في الانعتاق من أبدية الزمن الثابت ومكانية الحدث الكامن في « الديوانية» وعبر مفردة زمن «الشمس» التي لا تكاد تخلو أيّ قصة من قصص المجموعة من سطوعها التي تأذن ببدايات جديدة؛ لإعادة القبض على الزمن ومحاولة تطويعه وفق ما تشتهي كل شخصية «حتى بدا لي بأنه كان يصطحب الشمس معه في صعوده ونزوله للتلال ..». مفردة «الشمس» تنذر الأوهام المتكدسة في الروح لتتشبث باليقين الذي يسندها إلى حافة الأمان بأنها في مكان ما على هذه الكرة الأرضية .
أما الشخصيات فقد كمنت لعبة القاص فيها، فهي تتحرك من تلقاء نفسها والكاتب يكاد أن يكون في موضع المتفرج عليها، فسح لها حرية التعبير عن مكامنها وأحلامها المنفلتة عن طورها في أعتم لحظات الواقع ووقوفها حين تصطدم بمطب خيباتها. الشخصيات جاءت غزيرة وهي تواجه حروبها النفسية وأنماطها متوالدة وفق الحدث وظروفه، فهي شخصيات تنتظر حدوث شيء ما. شخصيات تريد أن تضاعف الحياة عبر انجاب آبائهم . شخصيات يباغتها الزمن . شخصيات تلاحقها أصوات . شخصيات يتملكها شعور بالجهل والفشل وأن حياتها بلا جدوى . شخصيات تريد أن تعيد الأشياء لأماكنها . شخصيات سقطت في هوة التيه . شخصيات تختلق الواقع لتخفف من حدته وعبئه على نفسها. رغم تعددها يكاد القارئ يشعر بأن البطل متوحد في كل القصص فهي شخصيات تشاهد العالم بنظرة قديمة، كما لو كان المستقبل بأكمله قد حدث . شخصيات تنجب نفسها وولديها رغبة كامنة في مضاعفة حياتهم عبر أزمنة القصة وأمكنتها دون أن يطاردها هوس هذا التضاعف بالدمار الذاتي جالبًا معه ذرائع نفسية تجلب الوحدة والإحساس بخراب عوالمها الداخلية والتيه وفقدان القدرة لاستعادة زمام الأقدار التي تظل فهي هزاع ومبارك وأحمد، ذياب، خلفان، جابر وأسامة. غير أن لكل منهم موقفه ومتطلباته وسيرته الخفيّة.
الزمان هو وجهة نحو المستقبل تحاول من خلالها الشخصيات استعادة الماضي لترميم ما شرخه الزمن . تعمل الشخصيات أيضا على تحريك الزمن وخضّه بالذكريات ليبقى حيًّا بعيداً عن « الديوانية» فالزمن في الديوانية الكويتية صار مرادفاً للرتابة. خالي من كل شيء مجدد أو نابض، دورة الحياة تكون مقيدة .
أما المكان يكاد يكون مجرداً من كل شيء، حتى أسماء بعض الأماكن بدت كأعمدة الإنارة ضوؤها مغبش، تسليط على نحو هامشي لمعالم الأمكنة، فمكان الشخصي الحقيقي كامن في رأسها، مصطلية مع أفكارها ومدى تصادمها مع كل ما يجابهها من مجريات في ظل عتمة الروح .
الأبناء في الأزمنة الأخيرة هم على نمط الذي ذهب إليه « كيركيجارد» : «يخوض المرء منا حرباً من أجل نفسه، مع نفسه، داخل نفسه» .