مارلين بوث تتحدث عن تحويل «سيدات القمر» إلى «أجرام سماوية»

ترجمة – أحمد شافعي –

رواية «سيدات القمر» لجوخة الحارثية التي ترجمت إلى الإنجليزية بعنوان «Celestial Bodies» أو «أجرام» أو «أجساد» سماوية»، هي أحد عملين عربيين وصلا إلى القائمة الطويلة لجائزة مان بوكر الدولية 2019 «وصلت رواية سيدات القمر إلى القائمة القصيرة من الجائزة».
كتبت م. لينكس كوالي مقالة قصيرة عن الرواية لـ«ذي ناشيونال» واستضافت هي وموقع «Bulaq» أورسولا ليندسي للحديث عنه في الحلقة رقم 29 من بث الموقع.
أكثر ما يلفت النظر في الترجمة الإنجليزية لسيدات القمر للحارثية هو موسيقيتها، وبهجتها على الصفحة. وقد ترجمتها المترجمة الحاصلة على جوائز والتي لم تلق ما تستحقه من تقدير مارلين بوث، التي أجابت هنا على أسئلة قليلة عن الترجمة.
• من كان صاحب القرار في العنوان؟ لماذا «أجرام سماوية»؟
آه، العناوين. أعتقد أنني أحيانا أركز على العناوين، والجمل الاستهلالية، وأقضي فيها من الساعات أكثر مما أقضيه على بقية الترجمة. العناوين ـ من واقع تجربتي ـ إما أن تكون جميلة بترجمتها حرفيا عن الأصل، أو يكون الأصل مستحيلا. وما من وسط. العنوانان اللذان كافحت معهما أكثر من سواهما هما عنوان هذه الرواية وعنوان «أهل الهوى» لهدى بركات، وفي كلتا الحالتين يتمثل السبب في أن للعنوان طبقات كثيرة من المعنى، واستعمالات اصطلاحية كثيرة (ولا أعني أن العناوين الأخرى تفتقر إلى طبقات المعنى، بل إن طبقاتها تلين للترجمة). في حالة «سيدات» لا تصلح كلمة ladies ببساطة، أو mistresses بما لها من إيحاءات كثيرة في الإنجليزية، ولا women (وإن تكن خيرا من الكلمتين الأخريين). «سيدات» هنا فيها حس بالسلطة والمكانة، وأيضا الخدمة، ولم يتسن لي العثور على كلمة صالحة بالقدر الكافي في الإنجليزية: فالمعجم الإنجليزي في هذه لحالة ليس ثريا بالقدر الكافي (أو أنني أفتقر إلى القدر الكافي من الخيال). أردت أيضا أن أستبقي كلمة «القمر» ولكن كلمة moon مرة أخرى لم تف في الإنجليزية بطبقات المعنى في العربية بعامة وفي الرواية على وجه التحديد. (فهل سأتلقى في الغد مئات الرسائل الإلكترونية تقترح عناوية عبقرية؟). العنوان الذي استقررنا عليه جاء في حوار، وعصف ذهني … قاومته في البداية، لكنني صرت كلما ازددت تدبرا فيه، أزداد إعجابا به. صحيح أنه لا ينفذ إلى دقائق العنوان العربي، لكنه يحقق أمورا أخرى. يستجيب بصورة حساسة للرواية. أما العناوين، فيا إلهي.
• كيف كان الاكتشاف نفسه؟ أين وكيف صادفت الرواية؟ (وهل طرأ أي تغيير على طريقتك في الاكتشاف خلال العقد الأخير)؟
ليست لدي طريقة واحدة في الاكتشاف. أتلقى اقتراحات، وقد أقرأ شيئا. أو إصرار من شخص أحترمه. (والأخير كان جيدا، وفي بعض الأحيان أقل من جيد). في حالة هذه الرواية، عرفت جوخة قليلا، بطريقة أخرى، فقد درست للدكتوراه في إدنبره، وساعدتها في المراحل النهائية من رسالتها. بعثت لي روايتها، ووجدتها آسرة، وتمثل تحديا فأردت أن أترجمها. كما شجعني زميل ذو خبرة كبيرة في عمان وكان المجتمع الأنجلوفوني العماني داعما. وكل ذلك كان مهما.
في بعض الأحيان نختار ما يوسع آفاقنا. كان صعبا أن أترجم رواية من عمان وعنها لأنني لا أعرف عمان أو عامياتها. ولكنني رحبت بالتحدي. وكانت جوخة شريكة عظيمة، ساعدتني في ما لم أفهمه من أمور، واحترمت صنعتي تماما. وليس جميع الكتاب كذلك للأسف، لكن أغلبهم كذلك لحسن الحظ.
• كيف تقررين في النهاية أن مشروعا معينا هو مشروعك؟ ما الذي تبحثين عنه في كتاب فيجعلك تقولين: نعم، نعم، هذا كتاب أريد أن أنفق شهورا في بنائه بالإنجليزية (ما لم تكن لديك استعارة أخرى تفضلينها)؟
الموقف الأكثر حسما هو الذي يحدث فيه أن أقرأ شيئا فأقول لنفسي: لا أحتمل أن يترجم غيري هذا الكتاب، لا بد أن يكون مترجمه أنا. قد يبدو في هذا غطرسة، لكنني لا أقصد أن يبدو كذلك. فبلا شك يمكن أن يقدم غيري ترجمة مساوية في الجودة. لكنني أريد امتلاكه (لوهلة، مؤقتا). في الترجمات التي قمت بها، حدث هذا مع الترجمات التي تفتنني أكثر من سواها، لذلك هو أمر دال بلا شك. (ولن أقول لك أي من ترجماتي هي هذه، كما أن هناك درجات في الغالب …)
غير أنه يصعب جدا قول ما الذي يعنيه هذا. في المقام الأول تجذبني اللغة التي تشتبك معي (وهذا أيضا هو عنصر «الحب» الأكبر بالنسبة لي كقارئة للروايات المكتوبة أصلا بلغات أخرى، وكذلك بالإنجليزية والفرنسية). لكن الأمر بالطبع يتعلق أيضا بكل الطرق الأخرى التي يعمل من خلالها الأدب عمله السحري. كيف تخلق اللغة شخصية. لعل هذا هو الأمر الأساسي بالنسبة لي. لا أعرف.
• أريد أن أسأل عن قليل من قراراتك: عدم استخدام علامات التنصيص (وهي موجودة في الأصل)، التأكيد على الإيقاع والقافية أيضا (بروعة)، وترك قدر فضائحي من العربية في النص المترجم ـ ولا يقتصر ذلك على دفعك مثلا بـ Sanat al-kharsa في حين أن لديك بالفعل «Year of the disaster» [أي سنة الكارثة] و»qaala al-ghuraab» التي تستوجب كل حروف المد هذه، بل وجمل طويلة أيضا مثل « Bismillahi…ma sha’ allah…allahumma salli ala n-nabi… allahumma salli ala l-habib… bismillahi…» [أي: بسم الله … ما شاء الله … اللهم صل على النبي … اللهم صل على الحبيب … بسم الله …»
لا أتذكر أنني شعرت بهذا الحضور الكثيف للعربية في ترجماتك لداوود أو بركات أو الزيات مثلا. كيف تقررين أن من المناسب عمل ذلك، هل لإحداث أثر لغوي معين؟ أم هل تغير الزمن ولم يعد علينا أن نخشى «ترويع» القارئ؟ أم أنك لم تقلقي مطلقا من هذا الأمر؟
علامات التنصيص، أوه، لا أعرف، أنا لا أحب علامات التنصيص. وفي بعض الروايات، يمتزج الحوار بالأفكار. بل في أغلبها، حتى حين لا يقصد الكاتب ذلك. علامات التنصيص وسيلة تشتيت.
الإيقاع والقافية ـ شديدا الأهمية حينما يكونان موجودين في الأصل. من الأمور التي لم تزل تغضبني في ما يتعلق بتخريب كاتبة «بنات الرياض» لترجمتي أنها دمرت عملي الذي قمت به على الإيقاعات والقوافي في الرواية في جميع أنحاء الرواية محليا وعالميا، وكانت غاية ذلك تأكيد ثيمة القصائد المدرجة في الرواية، ولكن أيضا بهدف إدراك شعريتها وصوتياتها في الرواية. وهذا جانب أساسي في العربية، في اللغة وفي هوية الناطقين بها. ومن ثم فتجاهل ذلك فضيحة.
إدراج العربية ليس فضائحيا، وإن كان فضائحيا فبالمعنى الإيجابي طبعا. أمر مثير أن نفكر في ما إذا كان ذلك قد بات مقبولا. ربما. لكنني ما أزال أتشاجر مع المحررين حوله. (وأنا عنيدة في الغالب). لقد استعملت العربية كثيرا في كثير من ترجماتي من قبل، لكن ليس في الترجمات التي تشيرين إليها. أعتقد أنني أستعملها أكثر ما أستعملها في الروايات التي تتقدم بها الحبكة من خلال الحوار وحيث يكون حاسما في رسم الشخصيات. وربما الشخصيات النسائية بصفة خاصة، بلغتها. (في ترجمتي لـ«المحبوبات» لعالية ممدوح أعتقد أنني استعملت الكثير من العربية). ولو استطعت أنا وهدى بركات العثور على ناشر لترجمتي لروايتها التاريخية، سترين أنني استعملت الكثير من العربية في ما ترجمته منها حتى الحين، أكثر مما استعملت في ترجماتي لروايات لها من قبل. الرواية تستدعي ذلك. هذه هي الإجابة الوحيدة التي يمكنني تقديمها: الرواية تستدعي ذلك.
لكن نعم، أريد القراء الأنجلوفون أن يتعلموا الاستمتاع ببعض العربية. هم يقبلون مثل ذلك في آداب أخرى، فلمَ لا مع العربية؟ لم أعد الآن ألجأ إلى مسرد الكلمات، فترجمة العربية يجب أن توجد في المتن، وهذا أمر يطول عملي عليه. أعتقد فعلا أن الأمر الأهم هو الإصرار على الترجمات الحرفية في بعض الأحيان برغم اضطرابها، لكنها مهمة. هي تبدو مضطربة لمجرد أنها غير مألوفة. نحن بحاجة إلى هذا الاضطراب. ولست أعتذر عن محاولاتي هذه (لكن يجب أن يكون المرء متبعا لاستراتيجية حياله بالطبع. فأنا لا أحاول أن أنفر القراء، بل أن أستدرجهم).

• النتيجة النهائية لترجمتك موسيقية بوضوح، ودائما ما كان الإيقاع هو الذي يكاد يمضي بي قدما. كيف تنتقلين من هنا إلى هناك؟

لا أعرف. أقرأ الترجمة بصوت عال، فيكشف هذا في بعض الأحيان عن المواضع التي لم تزل ضعيفة … أعتقد أن السبب يكمن في اعتنائي الشديد باللغة، وفي الترجمات التي أفرح بها أكثر مما سواها، يأتي الإيقاع من تلقاء نفسه. ولكن ذلك يتعلق بالوقت الذي أقضيه وأنا بداخل النص تماما. لذلك السبب لا أحب أن أترجم للناشرين التجاريين الراغبين في «نسخة» (وأقول هذا بشيء من الإجحاف لكنني لا أعممه). أعمل تقدما ورجوعا في الترجمة كاملة، ولا أجد ذلك، لا أجدها موقعة، إلى أن أجدها كذلك تماما. ولا أعتقد أن هذا ينبغي أن يدهش أي مترجم أدبي حريص، أو أيا من المحررين الرائعين في دور النشر الأدبية التي عملت معها.

• هل من كتب أخرى أو كتاب آخرين تعتقدين أنه «يجب» ترجمتهم؟ هل من «ينبغي» في ما يتعلق بالترجمة؟
أشكرك على هذا السؤال، لأن لدي مشاعر قوية حياله. بديهي أن التنوع في كل شيء أمر مهم. ولكن سبب ضيقي من حالة الترجمة الآن أن الناشرين لا يريدون إلا «الجديد». نحن بحاجة أيضا إلى ترجمة الكلاسيكيات المكتوبة قبل خمسين سنة. أنا وقليل من زملائي حاولنا أن نبدأ مشروعا في ذلك لكننا لم نجد ناشرا مهتما. وهذا عار. هناك الكثير للغاية من الروايات والمجموعات القصصية المذهلة (ناهيك عن الشعر) من أربعينات القرن العشرين وحتى التسعينات (وقبل ذلك وبعده) وهي بحاجة إلى أن تتولاها الترجمة. فلو أن لدى أي قارئ لهذا الكلام فكرة لتنفيذ ذلك أرجوه أن يدلني عليها.

نشر الحوار في موقع آراب ليت