ما بين العام والخاص ثمة «مثلبة»

أحمد بن سالم الفلاحي –

لا أتصور اليوم أن أحدا ما، لا يعي ما هو مفهوم القطاع العام، وما هو مفهوم القطاع الخاص، وما معنى الملكية العامة، وما معنى الملكية الخاصة، فالناس على قدر كبير من الفهم والوعي بماهية هذه المفاهيم كلها، ووفق هذه الرؤية؛ فإذن هناك مؤسسة عامة، وهناك مؤسسة خاصة، ومن ذلك تنبثق مجموعة الأهداف العامة، ومجموعة الأهداف الخاصة، ولأن العام؛ كما هو من مسماه؛ يذهب الى خدمة العامة، ولا يتكور فقط على خدمة جمهوره الخاص به؛ كما هو الحال في الخاص؛ وهو الجمهور المحدود المقتصر على الملاك فقط، ولا يستفيد من عوائده المادية والمعنوية قطاع كبير من الجمهور.
ومن هنا تأتي إشكالية التداخل بين القطاعين، والنظر إليها في حالة حدوثها بشيء من الريبة، لأن الملكية العامة تبقى مشروعا إنسانيا بحتا؛ بالدرجة الأولى، لأن الحكومة «أم» الجميع؛ كما يقال دائما؛ حيث لا يخضع هذا المشروع لمفهوم الربح والخسارة، إلا بالقدر الذي يحافظ على كينونته، وديمومته، واستمراره.
أما في الجانب الآخر – القطاع الخاص – فهو مبني على أساس الربح والخسارة، وهو هنا يتجاوز البعد الإنساني، ولذلك ينظر إلى العاملين فيه وفق هذه الرؤية وزيادة، والزيادة هنا هو تحقيق الربح وتحقيق الربح، ولا تقبل الخسارة أبدا مهما كانت الأسباب والمبررات، ويعامل العاملون فيه على أنهم رأس مال بشري، مرهون بقاؤه في المؤسسة بالقدر الذي يجلب الربح المتوقع منه، ومتى قيّم أن لا ربح من ورائه؛ يكون الأمر في حالة الوجوب بضرورة الاستغناء عنه فبقاؤه عبء على المؤسسة، بغض النظر عن أي اعتبار إنساني، كما هو في العام، لأنه يجب أن يكون متدفقا بمخرجات تزيد من رأس المال هذا ولا تنقصه، ومجموع المدخلات يجب أن تكون معززة لرأس المال القادر على زيادة نموه وتكاثره.
من هذا العرض المبسط، تذهب الإدارات الحديثة الى ضرورة وضع حد فاصل محكم بالقوانين والأنظمة بين المال العام، والمال الخاص، لأن أي تداخل يحدث بينهما يذهب في مصلحة الآخر، ولأن المال العام؛ وفق الفهم العام أيضا؛ مغلوب على أمره – كما يقال – فإنه الأولى بهذا التحصين، والأولى بالحماية والرعاية، والنأي به بعيدا عن مظان التلاقي، كيفما كان هذا التلاقي، أو التداخل لضعف النفس البشرية التي تنحاز دائما الى الخاص بها، وهذه فطرة نقرؤها كثيرا على تصرفات الأطفال الذين لا يزالون على فطرهم النقية، ومع ذلك تنزع الملكية الخاصة في مجمل تصرفاتهم للاستيلاء على ما عند الآخر.
وهذا لا يعني بصورة مطلقة عدم وجود أي تعاون بين الجانبين، ولكن لا بد من وجود التنسيق والتعاون، والمشاركة بين المؤسسات في القطاعين مع إعادة رسم الحدود بين العام والخاص، وإيجاد حالة توازن دقيقة بينهما، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، حيث يذهب كل ذلك – كما يقول مايكل جونستون -:«الى تحقق الحق الأساسي للبشر بعيش حياة كريمة والمشاركة في اتخاذ القرارات التي تؤثر فيها» وذلك من خلال أن يأخذ كل ذي حق حقه، دون الدخول في معترك الدائرة الممنوعة، وهذا الأمر لا يأتي هكذا بصورة تلقائية، ولكن يأتي من خلال عدة إجراءات متخذة، وحاضرة، ومؤثرة على المشهد الإداري بشكل عام، يعيه كل العاملين فيه، من غير تباطؤ أو تلكؤ، ويأتي في مقدمة ذلك وجود مؤسسة محصنة بالأنظمة والقوانين غير قابلة للالتفاف عليها، وتعزيز القوى الفاعلة فيها من الكفاءات البشرية المدربة والمؤهلة، والمستغلة طاقاتها الإنتاجية استغلالا جيدا، متحررا من مظان الخواص، وهذا الأمر يستدعي ضرورة تسيد العدالة بين كل القوى الفاعلة في المؤسسة، فليس هناك محاباة لموظف دون آخر، وليس هناك استثناءات خاصة يتحرك من خلالها المسؤول تتيح له فرصة المحسوبية، مع تأصيل التربية القانونية في ذات جميع العاملين في المؤسسة، بحيث لا يشعر موظف أن موظفا آخر يرى ما لا يراه هو، في حالة قابلة لمط تطبيق القانون، أو النفاذ من خلال ثغرات من هنا أو هناك، وبالإضافة الى وجود حصانة تشريعية ماكنة، يتطلب الأمر كذلك ضرورة وجود مسؤولين منعتقين؛ بحكم القيم الإنسانية السامية، والتربية الخلقية الرفيعة، من تسلط القوى الذاهبة الى تأصيل المصالح الخاصة بين جنباتها مع وجود آلية لمحاسبتهم، وتقديمهم الى العدالة في حالة تورط أي منهم دون استثناءات تخل بما تم التعاقد عليه بين الموظف والمؤسسة منذ بداية شغله الوظيفة.
والأدبيات الحديثة في هذا الاتجاه تؤكد كثيرا على المسألة المحاسبية، وضرورياتها لحماية المال العام من تسلط القوى غير النظيفة عليه، حيث تؤكد التجارب الماثلة في كثير من بقاع العالم أن ضعف المراقبة وقلة المحاسبة، عرضتا المال العام للنهب والسلب، فالبشر هم البشر في أي بقعة يكونون، وليس هناك شعب صالح بالمطلق، وشعب سيئ بالمطلق، ولكن هناك ضوابط تأخذ بها مختلف التجارب الإنسانية في هذا الجانب تحد من التعدي على المال العام، وتحافظ على المال الخاص نقيا من كل شائبة.
يأتي في المرتبة الثالثة؛ وفق التقدير؛ ضرورة وجود صحافة حرة محكومة بقيم المهنة، وبمواثيق الشرف الصحفية قادرة على كشف أي تلاعبات قد تحدث لتجاوز حدود العلاقة بين العام والخاص.
يستلزم الأمر هنا، طرح سؤال على درجة كبيرة من الأهمية؛ حسب هذه الرؤية التي يناقشها المقال؛ وهو: لماذا ينجح فرد ما في إدارة شركته الخاصة، ولا يحقق نسب النجاح في إدارة المؤسسة العامة؟
والإجابة من وجهة نظر هذه المناقشة تذهب الى مستوى الإيمان بضرورة الفصل بين المؤسستين، وعدم الزج بالعام في متون الخاص، وهذا الإيمان ليس يسيرا تحقيقه، حيث يحتاج الى تربية خاصة جدا، تدخل فيها عوامل عديدة، منها ما تم التطرق إليه أعلاه، فتربية الضمير الإنساني مسألة معنوية بحتة، تعززها الفطرة السليمة النقية، التي تستشعر الخوف من الله قبل كل شيء، ومن ثم تأتي بعض المعززات التي ترسخ هذا الخوف، وتعطيه الدافعية القوية للبقاء والاستمرار، فاستحضار المصلحة العامة ليس يسيرا، في ظل حضور الخاص جدا على المشهد، ولذلك تسعى كثير من التجارب الإدارية؛ على وجه الخصوص؛ الى النأي بالمسؤولين الذين هم في السلم الوظيفي العالي عن الدخول في المشاريع الخاصة، وتوضع لذلك شروط قاسية، حتى لا تتنازع هذا المسؤول أو ذاك مظان العام والخاص في آن واحد، فالغلبة في النهاية تكون للخاص عموما، مهما جرد الإنسان نفسه من الوقوع في هذه الشبهة، فهذه فطرة لا محيد عنها.
يقول مايكل جونستون؛ مؤلف كتاب (متلازمات الفساد) ما نصه: «لن تنجح الإصلاحات على المدى البعيد ما لم تدرك شرائح واسعة من المجتمع أن لها مصلحة في نجاحها، وأنها قادرة على العمل من اجل تلك المصالح – وهذا تطور يتطلب تنافسا سياسيا ملتزما ومستداما»- انتهى النص – وإن كان الكاتب يشير هنا الى التنافس الديمقراطي، إلا أن تأثير المصلحة الخاصة حالة حاضرة دائما في كل مناخ علائقي يتنافس فيه أطراف مختلفة، ويبقى في الختام القول: إن الرهان على المعززات الإنسانية (الصدق، الأمانة، الحيادية، النزاهة، القناعة) بالمطلق، غير مجد، والاتكاء فقط على القوانين والأنظمة لن ينقي الحالة بصورة مطلقة أيضا، ويبقى إذن تربية النفوس على الجانبين أمرا مهما وضروريا لكل الذين يسيرون دفة المؤسسات، في مختلف الميادين.