عن النهضة الأوروبية وعلوم المجتمعات الإسلامية

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

ربما يضحى فرض عين لا نافلة في حاضرات أيامنا أن يبحث المرء في ثنايا وحنايا النقاط المضيئة بين الشعوب والأمم، ومن ينظر الناظر إلى العلاقة بين الشرق والغرب يدرك أنها تتأزم يوما تلو الآخر، لا سيما بين القارة الأوروبية الجار الأقرب والصديق الأكبر للعالم الشرق أوسطي، وقد جمعت بينهم سبل اتصال غير عديدة طوال القرون الغابرة، تأثر فيها كل منهما بالآخر أكبر تأثير.

هل الصدام أمز حتمي من جراء الأصوليين والقوميين؟
سنترك الجواب، لنتوقف مع احد كبار العلماء العرب المعاصرين، والذي كرس عقود بأكملها من حياته للغوص في عمق عملية البحث العلمي، ولاكتشاف كيف أن الحضارة الإسلامية ومجتمعاتها قدمت علوما إلى الغرب، ساعدت على نشوء وارتقاء النهضة التي نراها في الأزمنة المعاصرة، انه البروفيسور جورج صليبا أستاذ العلوم العربية والإسلامية في جامعة كولومبيا الشهيرة بالولايات المتحدة الأمريكية.
الذين قدر لهم أن يتابعوا مؤلفات هذا العالم العربي الأصل الذي لم تنس الولايات المتحدة بكل صخبها وضجيجها جذوره العربية، أدركوا كيف ولا يزال الرجل مخلصا في إثارة النقاش الجدي حول نشأة العلوم في الحضارة الإسلامية وإرجاعها إلى متونها، أي إلى المصادر العلمية نفسها التي كانت هي قوام هذا التراث بالدرجة الأولى والمصادر التاريخية التي كانت هي الأخرى تدلي بدلوها في تفسير نشأتها.
فخلافا للسرد الكلاسيكي الشائع الذي يعزو نشأة هذا التراث إلى الترجمات خلال الفترة العباسية، من الحضارات القديمة وبالأخص الحضارة اليونانية، يرى صليبا أن الدراسة المعمقة لهذه المصادر توصلنا إلى الاستنتاج بان أعمدة هذا التراث كانت قد أرسيت خلال الفترة الأموية، وأثناء خلافة عبد الملك بن مروان بالذات التي رعت تعريب الدولة بجميع مؤسساتها.
لنأخذ فقط في هذه السطور مسألة الفلك، وكيف كانت علوم المسلمين الأولى مدخلا للأوروبيين وبخاصة كوبرنيكس ونظرياته التي أثرت الحضارة العلمية الغربية.
لم تثبت الأدوات الرياضية الجديدة التي طورها علماء الفلك العاملين في العالم الإسلامي فائدتها في ظهور طرق جديدة لرؤية علم الفلك النظري فحسب، وإنما سمحت لعلماء الفلك أيضا بتعديل الهيئات الرياضية بما يلائم الشروط الرصدية.
والشاهد أن جميع التحولات في الفكر الفلكي ضمن الحضارة الإسلامية، أدت إلى نتائج خطيرة جدا. إنها لم تبين فقط جميع الأخطاء الرصدية الواقعة في علم الفلك اليوناني فحسب، وإنما برهنت بأكثر الطرق إقناعا تناقضات في علم الفلك هذا مع مسلماته الكوسمولوجية ذاتها، فلذلك عندما بلغ علم الفلك الإسلامي النضج النظري، حين بدا بالتقدم المستمر في مناقشاته التحليلية في شأن نظريات حركات الكواكب بعد القرن الثالث عشر، اصبح من الصعب إيجاد عالم فلك جدي لم يحاول إعادة صياغة علم الفلك اليوناني في هذه القرون اللاحقة.
في تلك الفترة لم يعد بالإمكان لأي من ممارسي علم الفلك أن يؤخذ على محمل الجد إلا إذا بذل مجهودا لحل مشاكل علم الفلك اليوناني الشائكة. وهكذا حاول علماء الفلك الواحد تلو الآخر، استنباط هيئات رياضية جديدة تمثل صورة كونية اكثر تماسكا للتراث الفلكي اليوناني، وتبرر في الوقت عينه الأرصاد نفسها التي استخدمها بطليموس في بناء هيئاته الرياضية التنبئية لحركات الكواكب.
والثابت تاريخيا انه حين وقعت القسطنطينية بيد العثمانيين في العام 1453م وتفككت السلطة البيزنطية نهائيا، هرب عدد كبير من العلماء البيزنطيين إلى الغرب وأخذوا كتبهم معهم، غير أن تواصل الحضارة البيزنطية مع الحضارة الإسلامية في ذلك الزمان، قد بدا أصلا لعدة قرون خلت، ونتيجة لذلك، حملت هذه الكتب بالطبع علامات التأثر بإنتاج الحضارة الإسلامية الفكري، واحتوت كذلك على بعض التطورات المكتشفة في تلك الحضارة، أما الحضارة البيزنطية بأوروبا فقد كانت اكثر تعقيدا، من احتكاكات العصور الوسطى بين العالم الإسلامي والغرب اللاتيني.
ففي الاحتكاكات العربية البيزنطية الأوروبية باستطاعة المرء أن يرى أن عدة أعمال عربية ترجمت إلى اللغة اللاتينية، ولم تكن مفهومة أحيانا، فاقتصرت غالبا على حدود الفهم اللغوي للنصوص، أما في حالة الاحتكاكات البيزنطية الأوروبية الجديدة، فقد اصبح بالإمكان تمييز طريقة جديدة في نقل النصوص، إذ عندها كانت المصادر البيزنطية اليونانية قد استوعبت النصوص العلمية العربية والفارسية لمدة قرنين تقريبا، قبل إدخالها هذه النصوص البيزنطية إلى أوروبا. ولم تكن محتوياتها قد ترجمت على ما يبدو إلى اللغة اللاتينية، بل قرئت باللغة اليونانية الأصلية بسبب تركيز بيئة النهضة الفكرية على اليونانية، وهكذا اصبح بإمكان القارئ الأوروبي استيعاب افضل ما في محتويات هذه النصوص التي كانت أصلا باللغة العربية والفارسية دون الحاجة إلى ترجمة النص بأكمله إلى اللغة اللاتينية.
ما الذي يعنيه حديث البروفيسور صليبا إلى هنا؟
يمكن القطع بان أوروبا والعالم الإسلامي كانا في مواجهة حالة انثقاف كاملة وشاملة بالمعنى العصراني الذي نتحدث عنه الآن، أي دخول ثقافة وفكر وعلوم من حضارة إلى حضارة أخرى، والتفاعل بينهما، وإنتاج رؤى إنسانية كوسمولوجية جديدة تفيد البشرية برمتها. في هذا المضمار تشكل طريقة نقل المعرفة هذه بحد ذاتها ظاهرة جديدة نادرا ما يعترف بها جميع الدارسين لعملية نقل المعرفة بين الثقافات، والأمر الأهم هو أن نقل المعرفة اللاحق هذا من عالم الإسلام إلى أوروبا، خاطب هذه المرة علم النهضة الحديث مباشرة وترك تأثيره البالغ فيه. تخبرنا الروايات التاريخية انه في هذه الفترة ذاتها، التي شهدت مختلف الاحتكاكات بين مدينة بيزنطة والعالم الإسلامي، حدثت أيضا احتكاكات متنوعة أخرى، إذ هنا ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار الرحالة الأوروبيين الكثر، الذين حجوا باتجاه العالم الإسلامي، إما لزيارة الأراضي المقدسة، وإما لاكتساب المعرفة من أراضي الإسلام، وقد حمل هذا الاحتكاك معه بعض اكتشافات العالم الإسلامي إلى البلدان الأوروبية، والآن يجري التحقق مما أتوا به تحديدا، وهو أمر سيؤدي حكما إلى نتائج مثيرة جدا للاهتمام.
غير أن معرفتنا الحالية تفيدنا بجملة من المعلومات حول بعض هذه الاحتكاكات، وطبيعة المعلومات المتبادلة، فنحن نعرف مسبقا على سبيل المثال أن هذه الاحتكاكات نقلت اكتشافات نظرية متطورة جدا من الأراضي الإسلامية إلى النهضة الأوروبية، وهي اكتشافات عرف حقها علماء عصر النهضة الأوروبية حين تناولوها بشغف وتبنوها في أعمالهم الخاصة.
على أن القارئ لهذه السطور ربما تستوقفه تعبيرات مثل العلوم الإسلامية، وعلم الفلك الإسلامي، وقد يتساءل وهل العلوم تنسب إلى الأديان أم إلى البشر والحضارات؟
بحسب البحاث العربي الأضل البروفيسور صليبا، فان مصطلح العلوم الإسلامية إنما يعني تلك العلوم التي طورت في الحضارة الإسلامية، والتي تصب في دائرة المجالات المشار إليها في اللغة العربية عادة بـ «العلوم الإسلامية»،.
كانت هذه الأخيرة تتناول عادة موضوع الفكر الإسلامي الديني فحسب. في الجهة المقابلة اعتبرت العلوم الإسلامية المتداولة جزءا من علوم الأوائل والعلوم العقلية أو حتى العلوم الفلسفية في العصور الإسلامية الكلاسيكية ولم تقصد قط العلوم الدينية أو القانونية أو اللاهوتية أو اللسانية أو القرآنية التي عادة ما يصنف كل منها على حدة لكونها من العلوم النقلية، وتاليا استخدمت صفة «الإسلامية» في هذا الإطار بالمعنى الحضاري الأكثر تركيبا وليس بالمعنى الديني.
أما المصطلح العربي فيجد تعليله في سببين أساسيين:
أولا: بقيت اللغة العربية وقتا لا باس به اللغة العلمية في الحضارة الإسلامية، من القرن الثامن والتاسع حتى عصرنا الحالي، كما كانت تقريبا لغة العلوم الدينية أيضا، بغض النظر عن المساحة الجغرافية، حيث كان يتم تدوين العلوم ودراستها. وقد فتحت هذه الظروف التي ظهرت طيلة فترة التاريخ الإسلامي، آفاقا متعددة لمختلف الأعراق، والخلفيات الدينية لأن تشاركا في إنتاج هذه الحضارة.
وقد يكون هؤلاء الناس ذاتهم قد تكلموا الفارسية أو السريانية أو حتى في ما بعد التركية والأوردية في منازلهم. وعلى الرغم من انهم عبروا بأغلبيتهم عن إنتاجهم الفكري بخاصة العلمي منه، باللغة العربية، إلا أن كثيرين منهم، كابن ميمون، كتبوا أعمالهم الفلسفية، والطبية بالعربية بينما احتفظوا بالعبرية للإنتاج الديني والقانوني.
ثانيا: اعتمد تاريخ مجال علم الفلك عادة وفي أعمال البروفيسور صليبا تحديدا كنموذج لتوضيح الحقب وفترات الازدهار والانحطاط التي شهدها الفكر الإسلامي العربي عامة، وكان النوع الأكثر انتشارا لعلم الفلك في الحضارة الإسلامية والأكثر حيوية هو علم الفلك الجديد المسمى بعلم الهيئة أي علم هيئة العالم، وهي عبارة عربية ولدت من غير معادل لها في اللغة اليونانية.
ومما لا شك فيه أن علم الفلك هذا، هو الذي بقي يدون حصريا باللغة العربية من القرن التاسع فصاعدا، إضافة إلى ذلك لم تكن كلمة «علم الفلك العربي» طيلة التاريخ الإنساني الفكري، تعني مرة أن علم الفلك كان محصورا فقط في النطاق الجغرافي للمناطق الناطقة بالعربية، أو أن العربية كانت اللغة الحصرية في هذا المجال، فهنا يعني هذا المصطلح أن العربية كانت اللغة التي دونت بها معظم المؤلفات في هذا المجال، كما برهنت الأغلبية الساحقة من النصوص المتوافرة حتى الآن.
هل من خلاصة فكرية تعود بنا إلى الجواب عن السؤال المتقدم في هذه السطور؟
يتبين جليا لنا أن الحضارات هي ثمرة تنافح وتلاقح إنساني خلاق، وان العرب في أوقات الفيض الإنساني، الفكري والعلمي، لم يعرفوا العنصرية، بل سعوا إلى أن يصبوا في معين العلوم كل ما طالته أياديهم، وجادت بهم قرائحهم، ولم يكن يعنيهم من الأمر سوى المساهمة في تقدم حياة الإنسان، شرقا كان أو غربا، مسلما أم أعجميا، عربيا أو أوروبيا.
من الدروس المتقدمة يمكن للناظر إلى عصورنا الحالية القطع بأن التعاون ممكن ومرغوب ومحبوب، وانه قد يكون الآن وقت الفيض الأوروبي الحضاري، وعليه فإنه من الواجب أن نتشارك سويا في ثمرة تلك الحضارات.
انه التعاون المشترك، على درب الإنسانية المتسامحة والمتصالحة ـ وليس طريق هنتنجتون وصراعاته الحكمية.