مسلحون متشدّدون.. جبهة جديدة في مالي

جيمس بليك- فورين بوليسي –
ترجمة: قاسم مكي –

يوم السبت 23 مارس اقتحم مائة من الرجال المسلحين الذين يرتدون زي صيادي إثنية الدوجون قرية أوغوساغو وسط جمهورية مالي وقتلوا أكثر من 160 مدنيا من الفولاني من بينهم أطفال ونساء حوامل وأحرقوا بيوتهم.

أخبار الحادثة شحيحة لكن يبدو أن المهاجمين هاجموا أيضا بلدة ويلينقارا التي تقطنها أغلبية من الفولاني أيضا.
اتهمت الحكومة مجموعة دفاع ذاتي من الدوجون تعرف باسم «دان نا أمباساغو» بالضلوع في الهجوم. لكن المجموعة أنكرت ذلك.
هذا الهجوم ليس فريدا من نوعه بل هو آخر حادثة مميتة من جملة حوادث عنف منهجي ضد رعاة الفولاني الذين يجبرون على الفرار من أراضيهم. فمثلا في 1يناير هاجم معتدون قرية كولوجون وقتلوا 37 شخصا من نفس هذه الإثنية.
لذلك على آلاف الجنود الأمميين الموجودين في مالي التحرك الآن للحيلولة دون وقوع المزيد من حوادث التطهير العرقي والهجمات الانتقامية واستهداف الجماعات السكانية الضعيفة. من بين هذه القوات أفراد تابعون لقوة مكافحة الإرهاب المشتركة التي تضم جنودا من خمسة بلدان هي: تشاد وبوركينا فاسو ومالي وموريتانيا والنيجر. هذا إلى جانب جنود من فرنسا ومن بعثة الأمم المتحدة في مالي (مينوسوما).
تقطن في وسط مالي إثنيات الفولاني والدوجون والبامبارا وجماعات عرقية أخرى. الفولاني أساسا جماعة عرقية مسلمة شبه بدوية تمارس الرعي وتصل أعدادهم في غرب ووسط إفريقيا حوالي 38 مليون نسمة. أما الدوجون فجماعة عرقية عدد أفرادها 88 ألفا وتعتنق ديانة تقليدية تؤمن بتعدد الآلهة (أعداد قليلة منهم من المسلمين والمسيحيين). تتمركز هذه الجماعة في معظمها قرب الحدود مع بوركينا فاسو وتحترف الزراعة أساسا.
من جانبهم، يشكل البامبارا أكبر جماعة عرقية في مالي معظم أفرادها فلاحون أيضا ويعتنق العديدون منهم الإسلام رغم أن آخرين منهم يتبعون معتقدا تقليديا ويعبدون الأسلاف. الضغائن الناشبة بين هذه الجماعات الثلاث قديمة العهد وتتعلق في الغالب بنزاعات حول الأرض والماء.
في الماضي كان يتم حل الخلافات بسرعة. لكن احتواء القتال صار أصعب الآن. فقد ازدادت النزاعات تعقيدا في وسط مالي مع تزايد أعداد السكان من الدوجون مما شكل ضغطا على مناطق الرعي التابعة للفولاني، حسب تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش عن المنطقة صدر في العام الماضي. وفاقم من التوترات التغير المناخي الذي جعل الدوجون يتجهون إلى مناطق جديدة بحثا عن الماء والعشب لمواشيهم.
استطاعت الجماعات المتشددة المسلحة استغلال المخاوف المحلية (التي ترتبت عن هذه النزاعات). كانت هذه الجماعات الأصولية في السابق محصورة في الشمال بفضل قوات بعثة الأمم المتحدة وقوة الساحل (المشكلة من الدول الإفريقية الخمس). لكنها تمددت إلى وسط مالي وبوركينا فاسو منذ عام 2015. من بينها جماعتان مهمتان أولاهما جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين». وهي مرتبطة بالقاعدة وكانت قد ادعت مسؤوليتها عن الهجوم على السفارة الفرنسية في العاصمة البوركينية واغادوغو في مارس 2018 وجنود بوركينا فاسو بالقرب من قرية تويني في ديسمبر من نفس العام.
أما الجماعة الثانية فهي « أنصار الإسلام» والتي نشأت في عام 2016 وتلقت دعما من القاعدة وجماعة داعش في الصحراء الكبرى.
على الرغم من أن الجماعات الأصولية الإرهابية لم تسيطر على أراض في وسط مالي، إلا أنها تمكنت من تأسيس قواعد بها تشن منها غارات على القرى والبلدات المجاورة. وهي تستهدف جماعتي الدوجون وبامبارا إلى جانب الأشخاص المرتبطين بالقوات الأمنية أو من يزودونها بالمعلومات.
كما شنت جماعة نصرة الإسلام هجمات تقول إنها رد على استهداف الفولاني.
سعت الجماعات المتشددة هذه إلى استغلال المظالم في أوساط جماعات إثنية الفولاني من أجل زيادة عضويتها وتعظيم نفوذها في وسط مالي. لقد استغلت حزن الفولاني من خسارة أراضيهم لمصلحة الدوجون في تجنيدهم بأعداد كبيرة تصل إلى المئات إن لم يكن الآلاف. كما دفع الغضب من الفساد الحكومي وارتفاع معدلات الجريمة وحوادث الاضطهاد الحكومي ببعض المدنيين من الفولاني إلى الانضمام لجماعات مرتبطة بالقاعدة. وحسب تقرير هيومان رايتس ووتش المذكور يلعب الزعيم الإسلامي الفولاني حمادو كوفي ديالو دورا بارزا في تجنيد الأهالي.
بدورهم، اتهم الدوجون إثنية الفولاني كلها بتأييد وتحريض الجماعات المسلحة الإرهابية في وسط مالي.
إن التحالف بين الجماعات المتشددة المسلحة وبعض أهالي الفولاني غير طبيعي، بحسب تقرير صدر عن مجموعة الأزمات الدولية في مارس. فالمسلحون المتشددون غير مهتمين بمعالجة المظالم المجتمعية كاهتمامهم بتأسيس «خلافة». أما مجموعات الفولاني فتضطرهم عزلتهم وافتقارهم إلى الحماية الحكومية للتحالف معهم.
من جانبها، شكلت إثنية الدوجون عدة مجموعات للدفاع الذاتي في غياب الوجود الأمني الحكومي الفعال وغير المنحاز وانعدام أجهزة إنفاذ القانون في المنطقة. من بين هذه المجموعات جماعة دان نا أمباساغو (الصيادون المتوكلون على الرب). وهي جماعة سياسية وعسكرية تأسست عام 2016 وتضم عدة مئات من الأعضاء. تنشط دان نا أمباساغو في ما تدعوه «عمليات مكافحة الإرهاب» والتي يتضح باطراد أنها تعني «شن هجمات عشوائية ضد الفولاني».
إثنية الدوجون ليست الجهة الوحيدة المسؤولة عن الهجمات. فما يسمى بمجموعات «الدوزو» المشكلة في معظمها من إثنية البامبارا والتي ظلت نشطة على مدى قرون حملت السلاح أيضا ضد الأصوليين الإسلاميين خصوصا والفولاني عموما.
يعتقد الفولاني أن مثل هذه الجماعات وثيقة الصلة بالحكومة. وأورد مراقبون دوليون بمن فيهم منظمة هيومان رايتس ووتش مزاعم بأن حكومة مالي أخفقت في البحث عن مرتكبي الهجمات على الفولاني.
الراجح أن هذا الإخفاق يعود إلى اعتمادها على مجموعات الدفاع الذاتي في توفير الأمن بالمناطق التي تنعدم فيها سطوة القانون. لكن تلك في الغالب استراتيجية خاسرة.
في الإجمال، أشار المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة إلى مقتل ما لا يقل عن 289 مدنيا في 99 حادثة عنف مجتمعي حتى يوليو 2018.
وحسب الأمم المتحدة أضطر أكثر من 10 آلاف شخص إلى الفرار من منازلهم عام 2018 بسبب العنف بين المجموعات السكانية.
لقد حان الوقت كي تحمي الحكومة المالية وكذلك الأطراف الدولية الفولاني المدنيين والأقليات الأخرى.
على الحكومة، بجانب تحديد هوية والقبض على المسؤولين عن الحادثة الأخيرة، الإسراع بتدريب وتشكيل أجهزة أمنية وقانونية محايدة في منطقة وسط مالي كي تحل محل جماعات ومليشيات الدفاع الذاتي.
من الممكن تعزيز مهام الشرطة الحكومية بعمليات مكافحة الإرهاب في إقليم موبتي على أن تتولى تنفيذها قوات بلدان الساحل الخمس وفرنسا المتواجدة في مناطق أخرى داخل مالي.
يجب عدم الاعتماد في محاربة التمرد على العمل مع مجموعة عرقية معينة لتلطيف التوترات (العرقية) في المنطقة وتجنب إثارة العنف المجتمعي وفي الأثناء، يجب تمديد تواجد القوات الأممية إلى وسط مالي لحماية الفولاني. قد يشمل ذلك إنشاء قاعدة أخرى قريبا من مكان وقوع الهجمات الأخيرة. وبالنظر إلى انضمام الفولاني إلى جماعات مرتبطة بالقاعدة لا يمكن تأخير هذه الجهود.