«شعبان».. شهر الانتصار وحصاد الثمار

معركة الحصيد –
يحيى بن سالم الهاشلي – إمام وخطيب جامع السلطان قابوس بروي –

«استكمل المسلمون نصرهم بعد معركة الحصيد في الخنافس أيضا بكل سهولة، فكانت ضربة قاسية للفرس وحلفائهم، وتمكينا للمسلمين في أرض العراق وتوطيدا لفتوحاتهم المستقبلية، وكانت هذه الانتصارات عاملا في رفع الظلم الواقع على سكان تلك البلاد الذين رأوا في المسلمين ناصرا لهم ومعينا فرضوا أن يكونوا تحت مظلة الإسلام بدخولهم فيه أو العيش مع أهله، لقد تحقق للمسلمين ذلك النصر والفتح عندما انطلقوا بروح دينهم الداعي لإقامة العدل بين العباد وكذلك بإعمال المعرفة والاستعانة بذوي الخبرات كأمثال خالد بن الوليد ومن معه ومن جاء بعده، فأورثهم الله الأرض بما وعدهم من نصرهم».

لقد حمل المسلمون بعد وفاة النبي- صلى الله عليه وسلم- لواء الدعوة إلى الإسلام، فانطلقوا حاملين معهم نور الإسلام إلى العالمين، شعارهم كما قال ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضِيق الدنيا إلى سعتها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه؛ فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضيَ إلى موعود الله، بهذه العقيدة وهذا الفكر سار أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن تبعهم بإحسان يجوبون الأرض بيدهم مشاعل الهداية والعدالة، فكانت لهم صولات وجولات بنصر الحق ودحر الباطل، فسالت دماؤهم الزكية وروت نبت الإسلام، وما زال الناس اليوم يجنون ثمار نباتهم خيرا للإنسانية، وقد برز قادة عظام سطر التأريخ في صحافه أمجادهم عزا وفخرا، ويبرز من بين القادة الذين حملوا راية الفتح الإسلامي اسم سيف الله المسلول خالد بن الوليد- رضي الله عنه- كواحد من أعظم القادة العسكريين والفاتحين الربانيين، وقد كان له وقائع كثيرة جليلة كان فيها سيف الله الغالب والفاتح المنصور، عرفت من خلالها عبقريته التخطيطية في ميدان المعارك التي ما زالت تدرس لطلبة الدراسات العسكرية ومحط إشادة وإعجاب الخبراء العسكريين، ومن تلك الوقائع الفاصلة في تاريخ الإسلام التي برزت فيها عبقرية خالد بن الوليد «معركة الحصيد» التي وقعت في العاشر من شهر شعبان في العام الثاني عشر من الهجرة.
انطلق المسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ناشرين دعوة الإسلام وحاملين رسالته، فبعد أن أخمدت فتنة المرتدين ووطدوا أركان الجزيرة العربية توجهوا بأنظارهم إلى خارجها، في ذلك الوقت كان الروم والفرس لهما السيطرة على العالم القديم وذلك بتنافس محمود بينهما وبظلم من وقع تحت سطوتهما من الشعوب، فقدر الله لعباده أن يواجهوا هاتين القوتين ومن حالفهم في ذات الوقت لإظهار الحق، وكان قدر سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه أن يكون له في مواجهة الروم والفرس دور مفصلي، فكان يتنقل بين جبهات العراق والشام ويفتح البلدان، وقد كان من أهم فتوحاته فتح الحيرة التي كانت من حواضر العرب في العراق الهامة والتي تقع تحت النفوذ الفارسي، وجاء فتح الحيرة ضربة موجعة للفرس والروم معاً؛ إذ كان الطرفان يراهنان على استحالة سقوطها بيد المسلمين؛ نظراً لمناعتها، وقوة تحصيناتها، وبعد فترة وجيزة من الفتح عم الاستقرار والازدهار في الحيرة بسبب استتباب الأمن، ورفع الظلم الذي كان الأهالي يتعرضون له على يد الفرس، وبدأ سكان الحواضر التالية للحيرة يتطلعون بشغف لقدوم الجيش المسلم لتحريرهم أيضاً من استبداد الفرس والروم، بعد أن وصلت إليهم أخبار المعاملة الحسنة التي يعامل بها المسلمون أهالي البلاد المفتوحة، لم يطل الأمر بخالد بن الوليد رضي الله عنه فتابع فتوحاته واستولى على الأنبار وما حولها؛ وأقام خالد فترة في الأنبار حتى أطمأن إلى استتباب الأمن فيها، ثم تحرك قاصداً عين التمر، وبعد أن أتم خالد بن الوليد فتح الأنبار وعين التمر استجدت مواقف عسكرية لم تكن في الحسبان، فقد جاءت أوامر من الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالتحرك فوراً لنجدة قوات عياض بن غنم رضي الله عنه في دومة الجندل، وكانت «دومة الجندل» إحدى المدن التجارية الكبرى في الجزيرة العربية، كما كانت أيضاً مركزاً هاماً للمواصلات، ونقطة التقاء الطرق القادمة من أواسط الجزيرة العربية والعراق والشام، ومن ثم فقد كانت محط أنظار العرب والفرس على السواء، والاستيلاء عليها غاية يسعى إليها كلا الفريقين، وكان على خالد بن الوليد أن يتحرك مع قواته إلى دومة الجندل مع ما يعنيه ذلك من احتمالات التخلي عن الأراضي التي تم فتحها في العراق لأن الفرس كانوا متوثبين لاستعادتها.
توجه خالد بن الوليد- رضي الله عنه- مع القسم الأكبر من جيشه إلى دومة الجندل، وترك قسماً من الجيش في العراق بإمرة القعقاع بن عمرو؛ فظن الفرس بأن خالداً قد انسحب نهائياً من العراق ولم يبق إلا حامية صغيرة؛ ولذلك عزموا على طرد الجيش المسلم من العراق، ولهذا بدأ «بهمن» قائد الفرس ينظم جيشه من جديد، وبمساندة من قوات كبيرة من العرب النصارى الموالين للفرس، فقسم «بهمن» قواته إلى جيشين كبيرين، جعل على الأول روزبة، ووجهه إلى الحصيد، والثاني تحت إمرة زرمهر، ووجهه إلى الخنافس؛ وفي الوقت نفسه قرر القعقاع بن عمرو بناء على مراسلات مستمرة مع خالد بن الوليد- رضي الله عنه- أن يرسل كتيبتين إلى الحصيد والخنافس لتأخير قدوم الفرس في هذين المكانين؛ واحتفظ بباقي الجيش في حالة تأهب؛ استعداداً لأية معركة محتملة لحين قدوم خالد بقواته من الحيرة بعد أن أنهى مهمته في دومة الجندل، وكان خالد قد تلقى من القعقاع بن عمرو تقريراً عن الوضع الميداني، فأرسل إليه يثني على ما فعله، وطلب منه تأخير المعركة ما استطاع، وأن يكون ظاهر تحركات الجيش الإسلامي موحية للفرس بأنهم سيواجهون فقط هاتين الكتيبتين الموجودتين في الخنافس والحصيد.
وبنى قائد جيش الفرس خططه الحربية على أساس ذلك، وقسم جيشه إلى قسمين رئيسيين؛ كل قسم موكل بمواجهة كتيبة من جيش المسلمين، دون أن يخطر بباله بأن خالد بن الوليد- رضي الله عنه- بعد أن حارب بقواته في دومة الجندل قد عاد بتلك القوات إلى الحيرة، وعبر طرق مختصرة لم يسلكها أحد من قبل، وكانت مفاجأة صاعقة للجيش الفارسي والقبائل المتحالفة معه عندما ظهرت قوات المسلمين من قلب الصحراء، ومن أماكن لا يتوقعونها فانهارت معنوياتهم، ووجد بهمن قائد الفرس نفسه أمام وضع مستجد لا وقت لتداركه؛ ولهذا لم يكن أمامه إلا المواجهة وخوض المعركة مع الاستمرار في حشد التعزيزات التي كانت تصل من فارس، وقرر خالد أن يخوض المعركة على طريقته؛ فأعاد جمع الجيش في عين التمر وقسمه إلى ثلاثة ألوية، بعد أن عززه بالقوات التي حاربت في دومة الجندل، وجعل الكتيبة الأولى بقيادة القعقاع بن عمرو، والثانية بقيادة أبي ليلى الفذكي السعدي، وجعل اللواء الثالث في عين التمر.
هذا التجميع السريع للقوى وإعادة تشكيله أثار حيرة قائد الجيش الفارسي، وبحسب الظاهر اعتقد بأن خالداً قد قرر خوض المعركة في عين التمر بقوة واحدة مجتمعة؛ لهذا بنى خطته على أساس أن يرسل أولاً القسم الأول من جيشه الموجود في الخنافس؛ وبعد أن يلتحم مع جيش المسلمين يرسل القسم الثاني ليشكل مفاجأة لخالد بن الوليد.
ضمن خطة محكمة تستقرئ خطط الخصم وجه خالد اللواء الأول بقيادة القعقاع بن عمرو إلى الحصيد، ووجه في الوقت ذاته اللواء الثاني بقيادة أبي ليلى إلى الخنافس؛ وأمرهما أن يتصديا لجيوش الفرس فيهما في وقت واحد وبسرعة، وتحرك كل من القعقاع وأبي ليلى في طريقين منفصلتين، وكانت المسافة إلى الحصيد أقصر من المسافة إلى «الخنافس»، فلما اقترب القعقاع من الحصيد فوجئت القوات الفارسية بقيادة «روزبه» بضخامة قوات جيش المسلمين على غير ما كانت تتوقعه، فظن روزبة أن كل الجيش المسلم قد توجه إلى الحصيد، فأرسل يطلب النجدة من قائد القوات الفارسية في الخنافس زرمهر، مؤكداً له أن كل جيش المسلمين قد اجتمع في الحصيد، وهو ما شكل حيرة وارتباكاً أيضاً لزرمهر، فالمعطيات التي عنده تقول: إن هناك قوات لجيش المسلمين في الخنافس، وزميله روزبة يؤكد له أن كل الجيش المسلم موجود في الحصيد، وسرعان ما انتقلت الحيرة إلى قائد الجيش الفارسي بهمن عندما أرسل إليه زرمهر يستأذنه بتحريك قواته للحصيد، ووسط هذه الحيرة وغموض حقيقة الموقف بالنسبة للجيش الفارسي اتجه بهمن نفسه للحصيد ليقف على حقيقة الأمر.
وصل القعقاع بن عمرو بقواته إلى الحصيد في العاشر من شعبان، وبناء على أوامر خالد بن الوليد بدأ فوراً بمهاجمة قوات الفرس فيها، وكانت قوات الفرس تفوق قوات المسلمين من ناحيتي العدد والعتاد، وعندما وصل بهمن لتفقد حقيقة الموقف وجد نفسه في أتون معركة عنيفة يظهر فيها المسلمون ضروباً من الشجاعة تقابلها معنويات قواته المنهارة، ولم يكن أمامه أي وقت لاستجلاء حقيقة وضع الجيش المسلم، هل هو موجود كله في الحصيد يحارب فيها، أم أن قسماً كبيراً منه في الخنافس، ولم يستطع اتخاذ قرار باستدعاء قواته من الخنافس، واستمرت المعركة حامية الوطيس، واستطاع القعقاع بن عمرو أن يقتل بسيفه قائد القوات الفارسية في المعركة روزبة، ثم قتل أحد الجنود المسلمين قائدهم الثاني زرمهر، فانهارت معنوياتهم نهائياً، وصار كل واحد منهم ينشد النجاة بنفسه، ويطلب الفرار بجلده، فانسحبوا إلى «الخنافس» تاركين وراءهم أعداداً كبيرة من القتلى، وتحقق النصر للمسلمين في تلك المعركة.
وقد استكمل المسلمون نصرهم بعد معركة الحصيد في الخنافس أيضا بكل سهولة، فكانت ضربة قاسية للفرس وحلفائهم، وتمكينا للمسلمين في أرض العراق وتوطيدا لفتوحهم المستقبلية، وكانت هذه الانتصارات عاملا في رفع الظلم الواقع على سكان تلك البلاد الذين رأوا في المسلمين ناصرا لهم ومعينا فرضوا أن يكونوا تحت مظلة الإسلام بدخولهم فيه أو العيش مع أهله، لقد تحقق للمسلمين ذلك النصر والفتح عندما انطلقوا بروح دينهم الداعي لإقامة العدل بين العباد وكذلك بإعمال المعرفة والاستعانة بذوي الخبرات كأمثال خالد بن الوليد ومن معه ومن جاء بعده، فأورثهم الله الأرض بما وعدهم من نصرهم، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ).