موسكو وتقرير مولر

ديفيد إجنيشس واشنطن بوست –
ترجمة: قاسم مكي –

يقشعر جلدي من مزاعم الروس بأن التقرير النهائي للمستشار (المحقق) الخاص روبرت مولر برَأ ساحتهم.
لكن هذه المزاعم تسلط الضوء على السؤال الحساس حول الكيفية التي يمكن بها للولايات المتحدة وروسيا العودة إلى علاقات أكثر رشدا.
إذا تحدثنا بصراحة (كما يحب الروس أن يقولوا) ستكون أول خطوة نحو ذلك امتناع روسيا عن التظاهر بأنها لم تتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، إذ يمكن القول إن الكرملين قبض عليه بالجرم المشهود. وإذا استمرت روسيا في الزعم بخلاف ذلك ستعرقل الحوار الذي تقول إنها تريده.
على موسكو ألا تخطىء التقدير. لقد أكد تقرير المستشار (المحقق) الخاص حكم مجتمع الاستخبارات الأمريكي بأن روسيا تدخلت في أثناء السباق الرئاسي عام 2016. أقوى دعاوى مولر كانت في الحقيقة تلك التُهم التي فصلت كيفية تلاعب 13 عميلا من وكالة أبحاث الإنترنت الروسية بوسائل التواصل الإجتماعي وكيف أن 12 ضابط استخبارات من مديرية المخابرات الرئيسية (جهاز الاستخبارات العسكرية الخارجية في روسيا الإتحادية – المترجم) اخترقوا وقرصنوا معلومات الحزب الديمقراطي ومرَروا رسائل البريد الإلكتروني المسروقة إلى موقع ويكيليكس.
كادت فرحة المعلقين الروس تماثل ابتهاج البيت الأبيض بعد نشر النائب العام (وزير العدل) ويليام بار ملخصه للنتائج التي توصل إليها المحقق الخاص. وتبجحت وزارة الخارجية في بيان لها بأن «أموالا ليست قليلة لدافعي الضرائب أنفقت من أجل تكذيب كذبة واضحة. « وكتب إليكسي بوشكوف خبير السياسة الخارجية في البرلمان الروسي على تويتر « لقد فضحوا… عملاء المؤامرة.» ربما يستمتع الرئيس ترامب بتهليلات الكرملين. لكنها (أي هذه التهليلات) الطريقة الخاطئة لاستئناف حوار جاد بين موسكو وواشنطن. فاستعادة الحوار لن تنجح إلا إذا تأسست على ثقة متبادلة بين البلدين وليس على تبادل حك الظهر(المنافع) بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
جاء في مقال بصحيفة كومرسانت التي تصدر في موسكو بقلم أندريه كروتسكي كبير خبراء الإنترنت في الكرملين « تظهر بعض الأصوات مجددا في الولايات المتحدة على نحو يخالف طقوس «الدعاية المعادية للروس». واقترح إجراء حوار خبراء خال من أغراض السياسة «حول أمن الإنترنت « مثل الحوارات الهادئة في عهد إدارة أوباما.
كما أشار كروتسكي إلى أن «روسيا ليس لديها ما تخشى منه. ليس لدينا ما نخفيه.» وقال إن على الولايات المتحدة كشف الاتصالات السرية السابقة للانتخابات الرئاسية الأمريكية بين الولايات المتحدة وروسيا في عام 2016 والمتعلقة «بمخاوف واشنطن من التطفل على بنياتها الأساسية الإلكترونية» يبدو هذا أمرا ملتبسا. فروسيا كانت تقوم بعمل سري ضد الولايات المتحدة وهذا يعني أنه عمل يمكن إنكاره. ومن شأن تصريحات موسكو في عام 2016 تعزيز زعمها بأنها لم تفعل ما يتهمها به مجتمع الاستخبارات والمستشار مولر.
أخبرني كريس بينتر وهو كبير الدبلوماسييين المختصين بأمن الإنترنت في إدارة أوباما أن استئناف الاتصالات على المستوى العملي حول الإنترنت لابأس به. لكنه حذر من إجراء أية اتصالات رفيعة المستوى حول قضاياها الآن لأن ذلك قد يتيح لروسيا التظاهر بعدم وقوع هجمات الإنترنت في عام 2016.
يشرح بينتر ذلك بقوله « إذا استأنفنا حوارا رفيع المستوى فذلك يعني أن كل شيء على ما يرام. وأنه لم يكن هنالك ضرر أو تصرف خاطىء.» وهو يرى أن إدارة مثل هذا الحوار خطأ لأنه سيمكن موسكو من «إخفاء ما حدث؟» فحوار واضعي السياسات حول الإنترنت والقضايا الأخرى «يجب أن تكون له أهداف محددة بوضوح ونتائج تفيد مصالحنا.» وماذا بشأن إجراء حوار أوسع نطاقا بين الولايات المتحدة وروسيا يتناول مشاكل كبيرة قابلة للإنفجار مثل أوكرانيا وروسيا وضبط التسلح النووي؟
الإجابة هي، كما في قضايا الإنترنت، أن الجانبين في حاجة إلى إجراء محادثات. لكن يلزمهما أولا بناء أساس متين (لذلك).
يقول ستيفن هادلي الذي عمل مستشارا للأمن القومي في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش»علينا أن نبدأ بداية متواضعة ليس بمفاوضات ضبط تسلح كامل لكن باستئناف حوار قائم حول الإستقرار الإستراتيجي.» وأشار إلى سلسلة من إجراءات بناء الثقة التي قد تستهدف تجنب المواجهات في الفضاء الخارجي والإنترنت. يطرح هاردلي المبرر الأساسي لإعادة ضبط (تصفير) العلاقة الثنائية بقوله إن «انعدام الحوار بين البلدين ليس في مصلحة أي من البلدين. كما يحتمل أن يكون خطرا أيضا «. هنالك وجهة نظر أكثر حذرا يتقدم بها توماس دونيلون، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس أوباما. يعتقد دونيلون أن الولايات المتحدة لا ينبغي لها الحوار مع روسيا حتى ترتب أمورها الداخلية بما في ذلك الإفصاح الكامل عن تقرير مولر حول ما فعله الروس في عام 2016 وتوفير حماية أفضل لأمن الإنتخابات الأمريكية وإصلاح تحالفات الولايات المتحدة المعطوبة في أوروبا.
من جانبهم، يرى مسؤولو إدارة ترامب أن سياستهم تجاه روسيا ترتكز على مصالح الولايات المتحدة. فواشنطن فرضت عقوبات عند الضرورة. ولكنها أيضا حاولت الحفاظ على قنوات مفتوحة بين ترامب وبوتين. ولو أن لديهم أية خطط لإنفتاح كبير في فترة ما بعد صدور تقرير مولر فإنهم لم يفصحوا عنها.
إذا أرادت روسيا تحسينا مستداما في علاقاتها مع الولايات المتحدة سيلزمها الكف عن « شماتتها الترامبية» بشأن تقرير مولر والبدء بإعادة بناء أساسيات الثقة.
إن تأكيد مولر الظاهر بعدم وجود «تواطؤ» يوجد فسحة لعلاقات أفضل. لكن إذا كان مؤيدو ترامب هم أنصار موسكو الوحيدون (في الولايات المتحدة) فإن أية إعادة ضبط للعلاقة مع روسيا لن تحدث.