«مسفاة العبريين» والعروج المزمن

مكي أم السعد عبد الرحمن –
كاتبة جزائرية –
mekkioumsaad@yahoo.fr –

عندما يتعلق الأمر بالكتابة عن «مسفاة العبريين»، فإن المسؤولية تصبح أكبر، ويصير مع ذلك البحث عن كيفيات توصيف المكان، واختزاله في بضع فقرات أشد وأصعب، وهي المنطقة التي ظلت طوال زمن تشكلها مصرة على أن تقيم قداس معراجها المزمن، حيث تتماهى مبانيها العتيقة توغلا في الصعود من «الحمراء» مخترقة في ذلك «عدمية» الأفق المجهول، متخلية في خيلاء كبير عن السفح، الذي جعلت من صخوره الصلدة معبرا نحو الخلود.
«مسفاة العبريين»، بكل ما يندمج في رحابها العتيقة من معالم الانبهار، الدهشة، الرهبة، سطوة المكان وسلطانه، الشدة، القوة والمتانة لدرجة أن ذرات التراب التي انسابت من صلب حجارتها المنحوتة في أشكال خلاقة لليوم بقيت مرابطة عند عتبات المنازل دون أن تبرحها، ورائحة المكان التي تجذب السياح إليها طواعية عبر طرقاتها المتعرجة في ساعات هجير العمر، وحين يستبد بهم وهجُ العشق، تبقى عالقة في ذاكرة الحياة، وهم يهرعون من مركباتهم التي تخلوا عنها عند حدود الفضاء الرحب ليلجوا على عجل أزقة المدينة الداخلية الضيقة، مستدلين في ذلك بإشارات النقاء الذي صنع على مهل، وبالصخور المترامية من عند عتبات السفح نحو قمة الجبل لكل راغب في تسلق هاماتها.
تجعل «مسفاة العبريين»، من الزائرين الذين يتوافدون عليها يلتفون حول أنفسهم من فرط الاندهاش، ويتشبثون بالصخب الكبير الذي يصنعه هدوء المكان في ذواتهم، وهم في ذلك غير مصدقين بأن الصعود إليها يستحق فعلا مكابدة مشقة الطريق، وبأن وهج الشمس الذي يفوق كل خيالات الحرارة العادية في أي مكان آخر يدرج خارج دائرة كل اعتبار، فتراهم يلقون بكل تلك المثبطات والعوائق جانبًا للمضي عميقًا في سراديب أزقة المدينة العتيقة، ويتجلى ذلك في المشهد اللامتناهي لجحافل الحافلات، والسيارات من مختلف الأحجام والألوان، والدراجات، وحتى بعض الدواب، التي تنتشر عند جنبات المكان.
لا شيء أهم في «مسفاة العبريين» من صعود درجها «الشايب» – كناية عن عمرها العتيق وقيمة الكلمة التي تطلق على كبار السن كتبجيل واحترام لهم- ، ولا شيء يعدل التمسك بحيطانها المتهالكة في تجلد كبير، حتى يحصل اليقين بأنها «المدينة التي لا تشبه المدن»، بفضل منازلها التي نبتت كـ «نتوءات» متناثرة بين صخر وصخر، وبعض الشجيرات متفرقة الفروع التي ظلت ترقب منذ رحلة معراجها الأولى سقوط المطر، وتحلم أحيانا برؤية ليق الثلج وهي تملأ سماء الزمن.
وعندما تنتهي المركبات إلى حدود «مسفاة العبريين»، تحتار الأقدام أية وجهة ستختار، البلدة «العتيقة» وسحرها الطاغي، أم النصف الثاني الذي تكاثر حديثا، غير أن زمن الحيرة لا يطول عادة، فالنخيل الممتدة من بين كومة البيوت الحجرية ما تزال تبعث لليوم على الإغراء، وتلك الأسقف التي تتراءى في أشكال هندسية متباينة تبعث دائما على حب الاكتشاف، والقلب «شبه المكسور» المجسم بأعلى أحد مبانيها تنبعث منه شظايا الحجارة الشاهدة على حكايات العشق الأزلية التي مرت على المنطقة، وجعلت الأبناء يتوارثون أحلام أجدادهم، ويستميتون في التشبث بالصخر لترميم جهودهم التي كادت أن تعصف بها رياح التغيير.
يفضح الانتهاء إلى قمة «مسفاة العبريين» عن حالات التناقض الصارخ الحاصل في بانوراما تضاريسها المُبهرة، كما لو أن لسان الحال يقول إن الطبيعة أرادت أن تهبها من كل شيء، ولكن بجرعات متفاوتة، و«بمقدار» – وهي سنة الله في كونه-، فتلك البطحاء الممتدة على مد العمر والبصر تُظهر تمازجا غريبا ما بين واحات، أحجار، أشجار، صخور، أبواب الحديد الصلد، أعمدة الكهرباء الخشبية العتيقة، والأسقف الخشبية وهي تدفع بنور الشمس نحو عمق الغرف عبر انفراج فلجاتها، ومن وراء كل ذلك برزخ غامر من الجبال.
ولعل تلك الحالة من التناقض تسترسل في صور متعددة يكشفها المكان تباعا للوافدين، حتى يحافظ على توزيع معدلات الإبهار بالانتقال من ركن لآخر، وما بين صعود ونزول للجزء العتيق من «مسفاة العبريين» يتجلى نظام «الأفلاج» كواحد من الروافد التي أبقت على شريان الحياة نابضا لليوم رغم أنه ينبعث من الصخر، وأبقى على حالة الاخضرار الأزلي مزمنة بالمكان، «أفلاج» حفرت ممراتها من خلال البيوت، سمحت بإيجاد مجتمع النخل والنحل، وظل دبس العسل يحلي حياة السكان، وبقيت مع كل ذلك بيوتهم عامرة مشرعة بكل خير، ومشروع القطب السياحي القائم بالمنطقة يسجل على الدوام حالات تعاف وانتعاش وهو يثب من رقم إلى آخر، ويتزايد تبعا لعدد العجلات التي تتخذ من «مسفاة العبريين» معراجا لها ما زال لليوم يوصل بين الأرض الدنيا والسماء السابعة.