عطر : المشاهد عايز كده

رندة صادق –

سوق وتسويق وتجارة، بيع وشراء، مال يُضخ، يُسلب بذكاء، وأحلام الثراء تطارد الجميع، استعدادات شبه فطرية لبيع كل شيء، وتحديد سعر لكل شيء، إنها هستيريا المنافسة.
لا قيمة لعلاقة لا ترفع أرصدة الجشع في حساباتهم، وكذلك لا جدوى من مشاعر صادقة تسيطر على مسارات الروح، ما هو رصيدك؟ وماذا تملك؟ أهم الأسئلة التي أجوبتها تحدد قيمتك في المجتمع، في مقابل ذلك نسمع عن محاربة الفساد وإعادة العدالة بين الناس، القضاء على الفقر والتخلص من كل ما يُشير الى الظلم الاجتماعي، مهمة يتبناها كثير من العاملين في مجال الإعلام، كل ذلك يحدث أمامنا ويعرض على شاشاتنا في عمليتين متناقضتين ترويج للمال وسيطرته عبر إعلانات تسوق له، وبرامج اجتماعية تلقي الضوء على حالات اجتماعية مزرية، هذا ما اتجه إليه معظم الإعلاميون العرب على الشاشات الفضائية الخاصة.
“المشاهد عايز كده“ جملة يرددها معظم الإعلاميين ومعظم الفنانين، وكل من يعمل في التسويق والإعلانات والفن والإنتاج. الربح حق مشروع، لكن تدمير الذوق العام وتغيير المفاهيم الإنسانية والعبث بفكر الشباب وتحريك الرأي العام مسؤولية أخلاقية كبيرة، لها أبعاد ونتائج تؤثر على المجتمع بشكل مباشر، ولكن هذا كله غير مهم “المشاهد عايز كده“ حجة من لا حجة له وغاية من لا غاية له.
المسلسلات التي ستدخل بيوتنا في رمضان المقبل، والتي كانت تحمل رسالة إنسانية في قالب درامي مسلٍّ ومؤثر سابقا، تحولت الى بهرجة إنتاجية لا تركز على قيمة النص أو المضمون الفكري الذي يعمل الفريق على زرعه بوجدان المشاهد، بل عملية إبهار بصري غايتها السيطرة على المشاهد من خلال صورة البطلة الحسناء، لذلك ظهرت في الفترة الأخيرة في لبنان ظاهرة النجمات القادمات من عالم الجمال، والهدف هو استعراض ملابسها المثيرة ومياعتها المبالغ بها التي تثير الجدل، طبعا لا يمكن تجاهل أن معظم هذه المسلسلات لا تملك حبكة درامية مهمة، بل مشاهد مركبة مشغولة لرفع ”تراند” المشاهدة، بلا مضمون يذكر، إضافة الى إطالة الحلقات لمنافسة المسلسلات التركية التي هي حكاية أخرى، كونها من وجهة نظري غزو درامي وفكري يترك في ذهن المشاهد العربي المسلم صورة عن الإسلام العلماني السائد في تركيا، خاصة أننا نغفل ان الدراما هي صورة السياسة في خط الإعلام والإعلان والإنتاج.
أما في مصر طبعا (المشاهد عايز كده) تلقى رواجا هائلا، لأن سوق المنافسات في الدراما شهد بالفترة الأخيرة منافسات قوية هددت حضور الدراما المصرية، وأقصد بها الدراما التركية والخليجية والسورية واللبنانية، حيث لم يعد السوق المصري يتحكم في ذوق المشاهد العربي، بعد ظهور كميات كبيرة من المسلسلات التي سلبت نسب المشاهدة، وبالطبع شاهدنا في السنوات العشر الأخيرة القتال المستميت الذي كنا نتابعه في شهر رمضان الكريم، وبما أننا على مسافة قصيرة من هذا الشهر الفضيل، نجد ان الجميع يتحدث عن هدوء جبهة المنافسة وتقليص نسبة المسلسلات التي تم إنتاجها لتعرض في هذا الشهر الكريم، لكن هذا لا يبدو حقيقيا لأن عشرات المسلسلات ستعرض في الموسم الرمضاني القادم، رغم خروج أسماء كبيرة من سوق المنافسة، مثل الزعيم “عادل إمام” و”يحيى الفخراني” وأسماء أخرى مهمة، ويبدو أن الاتجاه الى سيطرة المسلسلات الكوميدية على خط الإنتاج لهذا العام.
المشاهد العربي على موعد سنوي ليدخل دائرة السيطرة الرمضانية على حواسه وذائقته واستهلاك وقته، حيث الغاية الأهم الإعلانات الترويجية التي ستنهال علينا وتقطع متعة المشاهدة بعرضها، لقد سقطت معادلة الفن النوعي والاستثمار المربح وتم تكريس فكرة (المشاهد عايز كده).

randanw@hotmail.com