وتر : غُربــــــة

شريفة بنت علي التوبية –

من الصعب أن تعيش غريباً ولكن من الأصعب أن تموت غريباً أيضاً، ولكن يبدو كما أن الحياة جارحة، كذلك الموت جارح، وكما هي مؤلمة كذلك الموت مؤلم، ذلك ما شعرت به وأنا أرى جنازة الأديب الراحل ناصر الظفيري الذي توفي في كندا ودفن في أرضها الباردة، بعد صراع طويل مع المرض والغربة، لم ألتق الرجل ولكني أعرفه، لم يجمعني به لقاء ولكني التقيت به، عرفته والتقيت به في كتبه، قرأته وقرأت الإنسان في همّه وقضيته وغربته، فقبل أن أعرف الرجل الأديب، حدثتني الصديقات عنه كإنسان، حمل على عاتقه همّ الإنسان وجعل من الإنسان حكايته السردية.
لكن ما لم أكن أدركه أن موت هذا الرجل سيجرحني كل ذلك الجرح، وسيؤلمني كل ذلك الألم، وهو محمولاً على أكتاف أحبته الغرباء مثله والمغتربين، وأنا من كنت أظنني تجاوزت ألمي، لما بيني وبين الموت من حكاية وجرح، لم تحتضنه الأرض التي أحبها، لم تضم جسده كما كان يحلم، بل مات غريباً ليصبح موته شهادة جديدة لغربة المبدع العربي في روايتها الأصلية، الرواية التي ختمها ناصر بمشهد موته، بعد تفاصيل حياة بيضاء كبياض الثلج، ودافئة رغم صقيع الغربة.
فما أقسى على المرء أن يعيش غريباً ويموت غريباً ويُنسى( وكأنه لم يكن)، حالماً بأرض يحبها تحتضن جسده المشتاق لضمة الوطن وعناقه، إنها الصورة التي ما فارقتني حتى هذه اللحظة، صورة تجسد معنى الغربة في حقيقتها الجارحة، إنها صورة العربي الذي سيبقى غريباً، مهمّشاً ومستبعداً ومتعباً، الإنسان الذي لا يبحث عن تكريم أو تقدير قدر ما يبحث عن حياة لحلمه ولو بعد موته في أن يعود إلى أرضه مكرّماً وعزيزاً، محمولاً على أكتاف أهله وعائلته، أنه الحلم الذي أبت الحياة أن يتحقق، ولعل أبسط ما يحلم به العربي الذي شردته الدروب، أن يكون له قبر وشاهد في أرضه التي يحبها مهما أنكرته، وقد مات الأديب، مات الإنسان، ونحو البياض تسير روحه الطاهرة، وبقلوب بيضاء يودّعه أحبته في جنازة تحكي حكاية الغربة في الحياة والموت، الحكاية ذاتها التي كتبها الأديب والراوي في المسطر وأبيض يتوحش والصهد وسماء مقلوبة وكاليسكا، وفي كل أعماله الأدبية الأخرى التي ستجعل من كاتبها حياً لا يموت، أنه ناصر الظفيري الأديب والرجل الذي أوجعته حياته وأوجعنا موته، ولكن ألا تفخر الأوطان بأبنائها المبدعين كما يفخر المبدعون بأوطانهم وهم يقدمون أنفسهم في محافل الغربة بأسماء أوطانهم قبل أسمائهم؟