العرب في مفترق طرق

عوض بن سعيد باقوير –

العرب بحاجه إلى دراسة أوضاعهم بشكل جاد وموضوعي بعيدا عن العواطف وخلافاتهم، وسياساتهم المتناقضة سوف تؤدي إلى مزيد من الضعف العربي ويغري الكيان الإسرائيلي بالمزيد من قضم الأراضي وتوسيع المستوطنات.

بعد انتهاء الحرب العالمية وظهور الدول الوطنية ما بعد الاستقلال وانسحاب القوى الاستعمارية انشغلت الدول العربية بقضايا التنمية والتحديث خاصة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث كان لمتغير النفط الدور الأساسي نحو تطور تلك الدول وبناء قاعدة من البنية الأساسية وتحول تلك الدول إلى دول اقتصادية فاعلة في المشهدين الإقليمي والدولي.
ولعل انشغال العرب بقضيتهم المركزية وهي القضية الفلسطينية كان له الدور الأكبر في وجود التحام شعبي في المقام الأول لتحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي ومن خلالها خاض العرب عدة حروب منذ عام 1948 وحتى الحرب الأخيرة عام 1973م.
ومن خلال الجهود السياسية التي بذلت لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي كان للعرب نوايا صادقة لإقامة السلام الشامل والعادل بين العرب والإسرائيليين على قاعدة قرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية والتي أقرتها قمة بيروت عام 2002 ورغم الجهود المخلصة للعرب في تسوية الصراع إلا أن الساسة الإسرائيليين يرفضون عودة الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني ومن هنا استمر نضال الشعب الفلسطيني حتى ينتهي الاحتلال وسوف تتوالى الأجيال الفلسطينية المناضلة.

إلى أين الاتجاه؟

في ظل المتغيرات السياسية التي تسود المنطقة والخلافات العربية والأزمات المتواصلة في أكثر من بلد عربي وخاصة الصراعات والحروب الأهلية في سوريا وليبيا واليمن وتفشي ظاهرة الإرهاب فإن العالم العربي يعيش وضعا صعبا ويحتاج إلى مراجعة شاملة لأوضاعه المعقدة والصعبة في ظل إدارة أمريكية منحازة بشكل كبير لإسرائيل ومشروعها الصهيوني الذي تم إقراره في مؤتمر بازل عام 1897 ومن هنا فإن العرب هم الآن في مفترق طرق حيث تتوالى المشكلات والمصاعب الاقتصادية في الداخل والمتغيرات السياسية الخارجية السلبية. ورغم ان القضية الفلسطينية هي قضية عادلة ولكن الوضع العربي يجعلها تضعف أمام التشرذم العربي وعدم وجود استراتيجية موحدة لاستخدام الأوراق العربية بالشكل الصحيح ولعل من أهم تلك الأوراق المصالح العربية الكبيرة مع الولايات المتحدة والدول الغربية وفي ظل عالم المصالح فإن تلك الأوراق تبدو مهمة وموضوعية للضغط على إسرائيل ومن يدعمها في الولايات المتحدة. ولإعطاء نموذج على أهمية التكتلات الضاغطة فإن اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة ومن خلال المنظمة اليهودية المعروفة اختصارا باسم الايباك استطاعت الدفاع عن مصالح إسرائيل في الساحة الأمريكية، وخلال نصف قرن استطاع هذا اللوبي أن يشكل أداة ضغط كبرى على الإدارات الأمريكية المتعاقبة والمشرعين الأمريكيين ومن هنا فإن العرب ومن خلال إمكاناتهم الاقتصادية يستطيعون ومن خلال إرادة سياسية جماعية أن يشكلوا ضغطا كبيرا وربط ذلك بالمصالح المشتركة بعيدا عن الشعارات.

جهود عربية

خلال السنوات الأخيرة كانت هناك جهود لعرب أمريكا لعمل تكتل سياسي داعم للقضايا العربية وقد لعب جيمس زغبي وهو ناشط سياسي في الحزب الديمقراطي الأمريكي دورا كبيرا في إيجاد تجمع أمريكي يكون له كلمته المسموعة في الأوساط الأمريكية ولكن تلك الجهود لم تحقق الأهداف المرجوة بسبب المقاربات السياسية المختلفة للدول العربية.
القضية الفلسطينية وهي قضية العرب المركزية سوف تظل هي المحور الأساسي ولعل قرارات القمة العربية الأخيرة في تونس كانت ملبية للطموحات الشعبية إلى حد كبير فيما يخص التمسك بالقضية الفلسطينية وفي مقدمتها القدس وأيضا إدانة القرار الأمريكي فيما يخص الجولان السوري المحتل.
التوجه العربي ينبغي ان يكون فاعلا وتكون الرسالة الى الكيان الإسرائيلي واضحة بأن العرب جاهزون للسلام مع إسرائيل من خلال الآلية العربية وفي مقدمتها المبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمة بيروت عام 2002 وبالتالي يمكن لكل شعوب المنطقة ان تعيش بسلام حقيقي وينتهي الصراع، أما مسألة التفوق الإسرائيلي وتمسكها بالأرض الفلسطينية وبعد ذلك تتحدث عن السلام، فهذا الأمر لن يتحقق لأن الشعوب هي التي تقرر مسار الأحداث الكبرى، ولعل الشعب الفيتنامي قهر الولايات المتحدة وانتصر عليها رقم قسوة الحرب وما ارتكبه الجيش الأمريكي من جرائم ضد المدنيين في فيتنام ورغم ذلك فإن إرادة الشعوب هي التي تنتصر في نهاية المطاف والشعب الفلسطيني سوف يواصل الكفاح والنضال بصرف النظر عن التقلبات السياسية والصفقات المشبوهة.

الجامعة العربية

الجامعة العربية ومنذ قيامها عام 1945 وهي أقدم منظمة إقليمية في العالم تحتاج الى إصلاح هيكلي وآليات جديدة بعيدا عن البيروقراطية وسيطرة الدول الأعضاء على قراراتها، ومن هنا فإن ميثاقها يحتاج الى تعديل، كما ان جهدها السياسي ومكاتبها الخارجية ينبغي ان تنشط خاصة على الصعيد الإعلامي في ظل الآلة الإعلامية الإسرائيلية القوية في الولايات المتحدة والدول الغربية.
إن ضعف الجامعة العربية خلال العقدين الأخيرين سببه المشاكل والخلافات العربية – العربية والهيمنة على القرار وصعوبة إيجاد قرارات موضوعية بسبب مسألة الإجماع والتي من المستحيل أن تتحقق في ظل تلك المشكلات العربية والتي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة وكان آخرها الأزمة الخليجية والتي تراوح مكانها دون حل في الأفق.
الجامعة العربية يمكن أن تلعب دورا محوريا باعتبارها تكتلا عربيا خاصة تجاه القضية الفلسطينية وبقية القضايا العربية وربما يكون وجود مفوضية عربية داخل الجامعة على غرار المفوضية الأوروبية داخل منظومة الاتحاد الأوروبي قد يكون مدخلا لإصلاح وتطوير الجامعة، وأنا لست مع الهجوم المتواصل على الجامعة وضعفها لان الذي أوصل الجامعة الى تلك المرحلة السلبية هي الدول الأعضاء، ومن هنا فإن الآليات ينبغي ان تكون ملزمة لكل الدول بصرف النظر عن توافقها مع طموحاتها وتطلعاتها السياسية لأن الهدف الأسمى هو المصلحة العربية العليا بعيدا عن المصالح الضيقة خاصة وأن العرب يواجهون في هذه المرحلة مصيرا صعبا في أكثر من منطقة وأن الأمن القومي العربي في خطر وأن الوضع العربي الراهن يحتاج إلى معالجة شاملة ومواجهة صريحة لأن هناك أجيالا قادمة تتطلع الى مستقبل أفضل بعيدا عن الصراعات والحروب، وفي ظل عالم تتداخل فيه التكنولوجيا بالتطور العلمي والثورة الصناعية الرابعة والابتكار الصناعي، ومن هنا فإن مصير الملايين من الأجيال العربية القادمة يواجه مستقبلا مجهولا وهو سيكون في مفترق طرق إذا استمر الحال العربي على ما هو عليه.

السلام المنشود

العرب تواقون للسلام ولكن السلام الذي يقوم على العدل والإنصاف، ففلسطين التاريخية لم يبق منها سوى 22 في المائة من المساحة الكلية وبالتالي فإن إقامة دولة فلسطين يعد مطلبا منصفا وعادلا وعلى إسرائيل أن تدرك بأن الشعوب لا يمكن ان تتوقف حتى لو كان النظام الرسمي يعاني من التشرذم والاختلاف، وفي الحالة الفلسطينية فإن 100 عام من الكفاح سوف يستمر مع كل الأجيال ولن تنعم إسرائيل بأي سلام إذا استمرت سياستها العنصرية وأوهام القوه لديها، فالقوة لوحدها لا تصنع الأمن ومن مصلحة تل أبيب ان تنصاع لقرارات الشرعية الدولية وحتى بعض الانفتاح النسبي مع بعض الدول العربية لن يغير من الأمر شيئا فالحقائق على الأرض تغيرها الشعوب وليس الحكومات. إسرائيل وقعت معاهدتي سلام مع مصر والأردن ومع ذلك فإن الشعبين المصري والأردني ظلا بعيدين عن التعامل مع الكيان الإسرائيلي وظل العداء موجودا والسبب أن القضية الفلسطينية لاتزال دون حل عادل، وقد شاهدنا خلال المظاهرات الشعبية في الجزائر مدى الترابط والتعاطف مع القضية الفلسطينية والأمر ينطبق على كل الشعوب العربية، ومن هنا فإن السلام العادل والشامل يمثل مصلحه لإسرائيل إذا أرادت ان تعيش في أمن مع جيرانها العرب وبدون هذا الخيار فسوف تظل إسرائيل عدوا واضحا ينفذ مخططا استيطانيا ترفضه القوانين والنواميس الدولية.
العرب بحاجه إلى دراسة أوضاعهم بشكل جاد وموضوعي بعيدا عن العواطف وخلافاتهم، وسياساتهم المتناقضة سوف تؤدي إلى مزيد من الضعف العربي ويغري الكيان الإسرائيلي بالمزيد من قضم الأراضي وتوسيع المستوطنات كما أشار إلى ذلك نتانياهو خلال حملته الانتخابية الأخيرة، وفي ضوء هذه الصورة السلبية فإن العرب أمام مفترق طرق في ظل القفزات النوعية التي تحققها التكتلات في آسيا وأفريقيا واليوم نشاهد رواندا وهي دولة إفريقية شهدت حربا عرقية قاسية تطلق قمرا اصطناعيا إلى الفضاء ونرى النمو الاقتصادي الكبير الذي تحققه فيتنام وهي التي خرجت من حرب مدمرة ضد الولايات المتحدة الأمريكية وفي ضوء ذلك فإن العرب ومستقبل أجيالهم اصبح محل نقاش كبير وكيف يستطيع النظام الرسمي العربي أن يخرج من الحالة المعقدة والصعبة والانطلاق نحو أمة عربية يكون لها مكان تحت الشمس وتتماشى مع الركب الحضاري والإنساني.