نوافذ : الاحـتـلال .. آيـل للـزوال

سالم بن حمد الجهوري –

لم ينجح أي احتلال في التاريخ بالاستيلاء على أراضي الغير مهما كانت قوة المحتلين منذ نزول سيدنا آدم إلى وجه البسيطة وعبر مراحله في القديم والحديث، وهذا من أكبر الدروس المجانية التي قدمتها البشرية لنفسها، ولعل توسعات البيزنطيين والتتار والمغول والرومان ونابليون ثم الحديثة المتمثلة في البرتغاليين والهولنديين والبريطانيين والفرنسيين وغيرهم حتى الأخير وهو الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، كل ذلك سيؤول إلى مرادم التاريخ وسيكون جزءا منه وعبرة للذين أرادوا أن يفرضوا سطوتهم على الآخرين، والتنكيل بالشعوب الآمنة وأصحاب الأرض.
بعد الفصل العنصري الذي أنهك سكان جنوب افريقيا لمئات السنين انتهت تلك الأسطورة بإرادة أبناء هذا البلد، وبعد أن تطهر العالم من نير الاستعمار لم يتبق في التاريخ الحديث إلا ذلك الاحتلال الجاثم على الأرض العربية التي في فلسطين والجولان السوري والجنوب اللبناني وقبلها سيناء المصرية وغزة الفلسطينية.
لم تلتقط إسرائيل الفرصة التي طرحت لها من قبل العرب مرارا لإنهاء النزاع الذي يقرب من عامه الـ 80 منذ قيام الكيان الإسرائيلي المحتل في عام 1948، ولعل أبرزها زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى تل ابيب وخطابه في الكنيست عام 1977 ثم توقيع أول اتفاقية للسلام بين مصر وإسرائيل في واشنطن عام 1979م والتي تم بموجبها استعادة سيناء، بعدها مؤتمر السلام الذي عقد في العاصمة الإسبانية مدريد بين العرب والإسرائيليين في عام 1991، ثم اتفاقية أوسلو الأولى 1993 بالنرويج بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وكذا عندما وقع الأردن أيضا اتفاقية وادي عربة بينه وبين إسرائيل عام 1994، ثم اتفاقية أوسلو الثانية عام 1995، وعندما طرحت المبادرة العربية في القمة العربية التي عقدت بلبنان 2002، والتي قدمها الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، ولم تقبلها إسرائيل حتى يومنا هذا، وهي الأرض مقابل السلام، ثم المفاوضات العبثية والعقيمة التي أوصلتها إسرائيل مع الفلسطينيين إلى نقطة الصفر، بعدها الانقطاع وتوقف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية منذ أبريل عام 2014 بعد توقيع الاتفاق بين فتح وحماس.
كل تلك الفرص التي أتيحت للاحتلال لم يكن لها أثر في المسار السياسي ولم يقتنع انه بالسلام يمكن تحقيق المكاسب للطرفين، ورغم الدعم المتنوع الذي يحظى به من عسكري واقتصادي وسياسي إلا انه لم تعرف النخب السياسية الإسرائيلية طريقا لإنجاح الجهود الدولية لإحلال السلام في المنطقة ، وقيام الدولة الفلسطينية المشروطة بأي مفاوضات بين الطرفيين. لم يعرف الساسة الإسرائيليون أن العالم يتغير ويتطور من حولهم وأن صواريخ المقاومة تستطيع الوصول اليهم، كما شاهدنا في الحروب الماضية على القطاع المحاصر، وأن التقنية العسكرية يمكن الوصول إليها وتطويرها بالقدرات التي يتمتع بها المقاومون على ارض فلسطين ولبنان وسوريا، وان دورة التاريخ لن تدوم لهم بل ستتخطاهم وستتغير الأحوال عاجلا أم آجلا.
اليوم أمام إسرائيل فرصة أخرى لاختيار السلام طريقا، وهي تقترع للانتخابات البرلمانية التي حملت الكثير من أحلام المترشحين من ضم للمستوطنات وآخر لأراضي الضفة والتهديد بإعادة احتلال غزة وإقامة دولة فلسطينية على ارض سيناء، كما يروج ويمهد له كمقدمة لصفقة القرن، التي ستطرح من قبل الإدارة الأمريكية خلال الأيام المقبلة على العرب وإسرائيل، والتي يشوبها الكثير من اللغط والغموض إلى الاعتراف المتناقض للإدارة الأمريكية بسيادة إسرائيل على الجولان وقبلها القدس، وجنوح الناخبين الإسرائيليين إلى اليمين المتطرف الذي يزداد تعصبا يوما بعد آخر، كل ذلك إلى ماذا سيفضي؟ وحالة الشلل تصيب العالم في تحريك المفاوضات بين الجانبين والاحتلال يمعن في تجاوزاته اليومية للمبادئ والمواثيق الدولية، لن يكون إلا لمزيد من العنف والدماء والقتل والتدمير من قبل الاحتلال الذي يعيش حالة من الذعر المفرط والخوف المستمر من الغد الذي سيجد فيه نفسه قد فاته قطار السلام.