إسرائيل.. انتخابات برسم الاختلافات السياسية

إميل أمين –
كاتب مصري –

الشاهد أنه عقب كل إعلان عن انتخابات جديدة للكنيست تبدأ معركة الاستطلاعات الانتخابية، وتستخدم الأحزاب والجهات والمؤسسات اليهودية ووسائل الإعلام الإسرائيلية الاستطلاعات كأداة لتلويث الوعي السياسي وحرية التصويت لدى المواطنين العرب، وتحديدا للتأثير على نسبة التصويت وتكريس حالة المشاركة المنخفضة لهم.
مع ظهور هذه الكلمات للنور يكون الناخب الإسرائيلي في طريقه للانتخاب، وهي حقا انتخابات مثيرة لأسباب عديدة، منها ما يتصل بالداخل الإسرائيلي من ناحية، ومنها أيضا ما هو موصول بالسياقات الخارجية والدولية، وربما تكون هي الانتخابات التي تسبق مسألة الحل النهائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كما تقول التسريبات الخاصة بقضية صفقة القرن، أي المشروع الأمريكي لبلورة سلام في المنطقة، كما يراه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعراب المشروع صهره «جاريد كوشنر».
ربما يلزم الإشارة إلى بعض المعلومات الأولية في شأن الانتخابات الإسرائيلية، فهناك 47 حزبا يتنافسون في صناديق الاقتراع، يصوت الإسرائيليون للأحزاب، وليس المرشحين الفرديين، وإن كان يتم اختيار المرشحين من قبل الأحزاب، بعضها من خلال انتخابات تمهيدية داخلية، وكلما زاد عدد الأصوات التي حصل عليها الحزب، زاد عدد مقاعد الحزب في الكنيست الإسرائيلي المكون من 120 مقعدا، ويتم تشكيل الحكومة من قبل الحزب، عادة بواسطة ائتلاف مكون من الأحزاب المتشابهة في التفكير، والذي يستحوذ على أكثر من 60 مقعدا، وهناك أكثر من اثني عشر حزبا قد تدخل الكنيست القادمة.
ولعل السؤال محور هذه القراءة ما هي أهم القضايا التي تؤثر على نتيجة الانتخابات الإسرائيلية التي تجري لدى مطالعة القارئ هذه السطور؟
الشاهد أن هذه الانتخابات بها نسبة من الإثارة فائقة الحد مقارنة ببقية الانتخابات السابقة لا سيما في ظل رغبة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتانياهو في البقاء في مقعد رئيس الوزراء وهناك من من حوله شقاق كبير، ذلك أنه أول رئيس وزراء حاكم يتم توجيه اتهامات جنائية له، وإن كان هذا لا يعني إمكانية إعادة انتخابه، ففي 28 فبراير الماضي، اتخذ المدعى العام الإسرائيلي افيشاي ماندلبليت، قرار اتهام في ثلاث قضايا فساد منفصلة، لكن بموجب القانون الإسرائيلي، يجب أن تسبق جلسة استماع التقديم الرسمي للتهم، لكن لن تعقد هذه الجلسة قبل الانتخابات، والتي ستكون في يوليو غالبا.
لعل أول وأهم القضايا التي تهم المواطن الإسرائيلي والتي ستؤثر حكما على خياراته، الوضع الأمني في غزة، لا سيما بعد الاشتباكات والقصف الصاروخي والجوي المتبادل، ما بين حماس، والقوات الإسرائيلية.
في تقرير مطول لها تقول صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية إن الجانب الغاضب من نتانياهو بدا مؤخرا أكثر وضوحا، فبينما كان يسير على مدرج المطار باتجاه طائرته في قاعدة اندروس الجوية، خلال رحلته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كان محاصرا بالصحفيين الذين يسألونه عما يعتزم القيام به بشأن الوضع في غزة، وهو السبب الرئيسي لقطع زيارته لواشنطن والعودة إلى بلاده.
غضب نتنايناهو يرجع إلى أن الإعلاميين لم يسألوه عن لقائه بالرئيس الأمريكي ترامب، ولم يسألوه عن اعتراف الإدارة الأمريكية بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، وكانت الأسئلة مركزة على ما أشارت إليه وسائل الإعلام الإسرائيلية والعالمية من قضايا الفساد التي تلاحقه، لا سيما قضية الغواصات.
أضحت غزة في واقع الأمر حجر عثرة في الداخل الإسرائيلي سواء بالنسبة إلى اليمين أو اليسار الإسرائيليين على حد سواء، وكلاهما بات يعتبر سياسة نتانياهو تجاه غزة التي اطلق منها نشطاء فلسطينيون صواريخ وصلت إلى العمق الإسرائيلي، ما أدى إلى إصابة سبعة إسرائيليين في بلدة مشميريت على بعد 120 كيلومترا إلى الشمال من غزة، سياسة معيبة.
وهنا فإنه إذا كان منافسه الأقوى رئيس الأركان السابق « بيني غانتس « قد شارك في عمليتين في غزة عامي 2012 و2014، وتم انتقاده وقتها لعدم تجهيزه الجيش للقتال في المناطق الحضرية وتحت الأرض، فإن نتانياهو الآن بدوره قد يخسر الكثير، أما مرد ذلك فلأنه مسؤول الآن، وهو وزير الدفاع أيضا، وأي حرب تندلع في غزة عشية الانتخابات قد تقوض الصورة التي يرسمها لنفسه باعتباره الشخص الوحيد القادر على نشر الأمن والأمان.
ضمن العوامل المؤثرة على مسار الانتخابات الإسرائيلية، تأتي القضايا الخارجية وتجاذباتها، وهو أمر قد لا يصب في مصلحة مرشح بعينه أو يصب، على حسب تقدير المواطن الإسرائيلي، وهنا فإن الدور الأمريكي بنوع خاص في هذه الانتخابات يبقى مؤثرا وفاعلا، ولا يمكن بحال من الأحوال إنكاره…. ماذا عن هذا الدور؟
لا ينكر احد أن ما قام به الرئيس ترامب من إعلان السيادة الإسرائيلية على الجولان، إنما يصب بشكل مباشر في صالح دعم نتانياهو في هذه الانتخابات، والذين قدر لهم متابعة المؤتمر الصحفي الذي اعلن فيه ترامب القرار، قد استمعوا إلى ردات فعل رئيس الوزراء الإسرائيلي وفرحته التي لم يداريها أو يواريها، لأنه يعلم علم اليقين أن خطوة مثل هذه سوف تدعم حظوظه في أعين الناخب الإسرائيلي، والذي يرى انه لا يجب أن تتخلى إسرائيل بالمرة عن هضبة الجولان، انطلاقا من وجود قوات معادية لإسرائيل يمكنها أن تحدث خسائر جسيمة إذا أطلقت نيرانها من تلك المرتفعات على الداخل الإسرائيلي، ما يعني أن هناك أصواتا بعينها سوف تذهب تحديدا إلى نتانياهو ولن تخلفه في سعيه لإعادة انتخابه مرة جديدة، ليضحى بذلك واحدا من أطول رؤساء وزراء إسرائيل عمرا.
كيف ستمضي العلاقة مع الفلسطينيين بعد الانتخابات الإسرائيلية؟
هذا بدوره احد مرتكزات الصراع والقضايا المشكلة لذهنية الناخب الإسرائيلي، على سبيل المثال فقد تعهد حزب «الأزرق والأبيض» الإسرائيلي بتبني سياسة «الانفصال»، عن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وذلك من دون الإشارة إلى دعم هدف الفلسطينيين بإقامة دولتهم المستقلة.
وفي برنامجه الانتخابي، قال الحزب الأزرق والأبيض انه بمجرد أن يصل إلى السلطة سيجري محادثات مع دول عربية، ويكثف عملية الانفصال عن الفلسطينيين، مع ضمان الالتزام بأمن إسرائيل القومي.
ويتكتم حزب «الأزرق والأبيض» بقيادة رئيس الأركان السابق بالجيش الإسرائيلي «بيني غانتس» على هذه القضية منذ أسابيع، بينما تزداد شعبيته في استطلاعات الرأي قبل الانتخابات، وينص برنامج الحزب على أن تحتفظ إسرائيل بسيطرتها على غور الأردن، وكتل استيطانية في الضفة الغربية، لكنه لم يوضح ما قد يتخذه بشأن البؤر الاستيطانية الأكثر انعزالا في الأراضي المحتلة في حرب العالم 1967.
ويمثل الحزب المنتمي إلى تيار الوسط اكبر تهديد لرئيس الوزراء نتانياهو في الانتخابات،، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الحزب سيحصل على 35 مقعدا من مقاعد البرلمان، وعددها 120 مقابل 30 مقعدا لحزب الليكود الذي يقوده نتانياهو.
هل مسألة الدولة الفلسطينية المستقلة هي إحدى قضايا الانتخابات الملتهبة؟
ربما يكون ذلك كذلك بالفعل، ذلك أن نتانياهو واتباعه من أنصار اليمين، سواء كانوا أقصى اليمين، أو يمين الوسط، يصدرون للعوام في الداخل الإسرائيلي صورة مفادها أنهم وحدهم ومن دون غيرهم، حائل دون أي مبادرة لتسليم أراض للفلسطينيين، وقد ذكر في خطاب له الشهر الماضي ما نصه: «أي دولة فلسطينية ستعرض وجودنا للخطر».
في هذا السياق يتكتم غانتس عن التصريح المباشر، لكنه غالبا ما سيمضي في نفس الإطار، فلا تزال فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة بعيدة المنال لأسباب عدة داخلية وخارجية.
والمعروف أن نتانياهو في خطاب له عام 2009، وبضغط من إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك اوباما، اعلن انه سيقبل دولة فلسطينية بشروط، لكن في ظل تعثر محادثات السلام التي ترعاها واشنطن منذ 2014، غير نتانياهو نبرته، وتعهد بعدم إزالة المستوطنات التي بنيت في الضفة الغربية المحتلة.
ماذا عن اليمين الإسرائيلي في هذه الانتخابات سيما جدلية علاقته مع نتانياهو، وهل سيكون كتلة تصويتية مؤثرة في اتجاهات الرياح أم لا؟
معروف انه في شهر فبراير الماضي، ساعد نتانياهو في التوسط في اتفاق بين حزب يميني متطرف «القوة اليهودية «، أو باسمه الآخر «عوتسما يهوديت»، وحزب «البيت اليهودي» الأكثر اعتدالا، ومن خلال الجمع بين القوات سيكون لدى الحزبين احتمال افضل للفوز بمقاعد في الكنيست بدلا من الترشح بمفردهما.
هذا التوسط في واقع الحال يعد إشكالية كبيرة لنتانياهو لأنه بذلك يضفي شرعية فعلية على ايديولوجية تراها كثير من الأحزاب والمؤسسات الإسرائيلية متطرفة، سيما وان مؤسسها الحاخام الأمريكي اليهودي المتطرف»مائير كاهانا «، والمعروف بدعمه للعنف ونشر الكراهية في كل من إسرائيل وأمريكا.
وعلى الرغم من أن كاهانا اغتيل في عام 1990 في نيويورك، إلا أن ارث كاهانا العنصري مازال يعيش في إسرائيل من خلال مجموعات «القوة اليهودية»، واتباعهم المعروفين باسم «الكهانيين».
هل وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي العصرانية سيكون لها تأثير واضح في هذه الانتخابات، تأثير سلبي من جهة ويصيب البعض في مقتل لخدمة أطراف أخرى في العملية الانتخابية؟
يبدو أن ذلك كذلك، فقد اتهم «غانتس» منافسه نتانياهو بأنه يحاول سرقة الانتخابات بعد أن كشف تقرير عن وجود شبكة أخبار زائفة تقوم بالترويج له وتشوه سمعة منافسيه.
وكانت منظمة لمراقبة الانتخابات بحسب صحيفة «تايمز اوف إسرائيل»، قد كشفت على موقعها الإلكتروني، أن مئات من الحسابات الزائفة على وسائل التواصل الاجتماعي تعمل بالتنسيق مع نتانياهو، وان حزب الأزرق والأبيض التابع له غانتس، قد طالب من الشرطة الإسرائيلية اجراء تحقيق في تمويل حسابات زائفة تروج لنتانياهو، وتشوه سمعة منافسيه، الأمر الذي ينكره حزب رئيس الوزراء «الليكود»، جملة وتفصيلا.
ماذا عن الناخب العربي في الداخل الإسرائيلي؟
الشاهد انه عقب كل إعلان عن انتخابات جديدة للكنيست تبدأ معركة الاستطلاعات الانتخابية، وتستخدم الأحزاب والجهات والمؤسسات اليهودية ووسائل الإعلام الإسرائيلية الاستطلاعات كأداة لتلويث الوعي السياسي وحرية التصويت لدى المواطنين العرب، وتحديدا للتأثير على نسبة التصويت وتكريس حالة المشاركة المنخفضة لهم.
عطفا على ذلك فإن إشكالية تسريب أخبار في الساعة الحادية عشرة كما يقال، تجعل من نتيجة هذه الانتخابات مفتوحة على كل السيناريوهات.