نتانياهو في مواجهة تحدي التحالف المدني – العسكري

د. صلاح أبو نار –

اليوم تنطلق انتخابات الكنيست الحادي والعشرين، ويحاول فيها نتانياهو الحصول على فترة رئاسة خامسة، فهل سوف سينجح؟ أم انه سيواجه تحديات حقيقية؟
منذ 1973 حتى الآن تعاقب على رئاسة حزب الليكود اربعة رؤساء، بيجن وشامير وشارون ونتانياهو، تولوا جميعهم رئاسة الحكومة الاسرائيلية عبر مسيرة متقطعة بدأت 1977، انطلقت مسيرة نتانياهو في رئاسة الوزراء عام 1996، ثم استعاد المنصب 2006 ليشغله ثلاث فترات متتالية، أي انه قد شغل المنصب اربعة عشر عاما، اقل من فترات بن جوريون مؤسس اسرائيل بعام فقط.
واليوم تنطلق انتخابات الكنيست الحادي والعشرين، وفيها يحاول فيها نتانياهو الحصول على فترة رئاسة خامسة، فهل سوف سينجح؟ أم انه سيواجه تحديات حقيقية؟
كان من المفترض إجراء الانتخابات في نوفمبر القادم، لكن نتانياهو قرر في 24 ديسمبر حل الكنيست واجراء انتخابات مبكرة تبدأ في 9 ابريل. ويمكننا أن نقرأ في مقدمات القرار وسياقاته عدة عوامل دفعت اليه، تشير الى ازمة يعيشها التحالف الحاكم ونتانياهو نفسه. من جهة اولى كان نتانياهو يحكم عبر ائتلاف يميني من الليكود، متحالفا مع احزاب شاس وكولان والبيت اليهودي القومي ويهودوت التوراة واسرائيل بيتنا، بأغلبية كنيست تبلغ 67 صوتا. ولكن في نوفمبر 2018 قرر ليبرمان زعيم اسرائيل بيتنا الانسحاب من الائتلاف ومعه اعضاء الحزب الستة، وهكذا انخفضت الاغلبية الى 61 أي بفارق صوت واحد على فقدانه لوضع الاغلبية. وفور خلو منصب وزير الدفاع بانسحاب ليبرمان، نشبت أزمة حادة عندما هدد نفتالي بينيت زعيم «البيت اليهودي» ووزير التعليم بالانسحاب ان لم يتم توليته وزاره الدفاع، ومعه اعضاء الحزب الثمانية في الكنيست. إلا أن نتانياهو تمكن من تخطي الازمة مقنعا بينيت بسحب تهديده. ولكن ظل الدرس واضحا ويقول ان الائتلاف في مهب الريح ومن اقرب القوى اليه وبات صمودة حتى نوفمبر مستبعدا. ومن جهة ثانية واجه نتانياهو ازمة قانون إعفاء اليهود المتدينين »الحريديم» المتفرغين لدراسة التوراة من التجنيد. من الطبيعي ان تعارضه المعارضة، ولكن التحالف اليميني كان منقسما من حوله. وحاول القانون اتخاذ موقف وسط، الا ان هذا الموقف فشل في ارضاء الطرفين. وكانت النتيجة مطالبة الكنيست من المحكمة الاسرائيلية العليا في اواخر نوفمبر، تمديد اجل الموافقة على القانون الى اربعة أشهر اضافية، بعد ان كانت تلزمه بتمرير القانون في موعد اقصاه 2 ديسمبر، وحصل بالفعل على الموافقة. ولكن لأن موقف الفريقين يستعصي على التوفيق، لم يكن لاستراتيجية التأجيل اي معنى سوى تأجيل انفجار قادم حتما، داخل تحالف هش باتت تعتمد اغلبيته على صوت واحد فقط. ومن جهة ثالثة بعد عامين من التحقيقات ومع اقتراب العام من نهايته، تأكد ان هناك قرار اتهام سيصدر في حق نتانياهو يقدم بموجبه للمحاكمة، وبالفعل صدر القرار في 28 فبراير بثلاث تهم: الرشوة والاحتيال والحنث بالعهد. وهنا ظهرت مشكلة لدى نتانياهو، وهي انسب توقيت له لإعلان هذا القرار والبدء في التحقيق، وكان من الواضح ان التوقيت الأمثل بعد الانتخابات. فهذا التوقيت يعني امرين: عدم تأثير الاتهامات على العملية الانتخابية، ومواجه الاتهامات من موقع قوة الرئيس المجددة شرعيته، وليس الرئيس الحاكم بأغلبية صوت واحد. وبالتالي توصل لضرورة الاسراع في الانتخابات استباقا لفتح التحقيقات علنا.ومن جهة رابعة واخيرة هناك تأثير ازمة غزة. تعيش غزة وضعا قابلا للانفجار في اي لحظة ليتحول الى حرب شاملة. وفي وجهها المعلن تبدو ازمة التحالف الحاكم امتدادا لأزمة غزة، فلقد انسحب ليبرمان اعتراضا على رفض نتانياهو اجتياح غزة عسكريا، وتفجرت ازمة بينيت من رحم ازمة ليبرمان. ولكن نتانياهو يدرك انه حال انفجار الازمة، لن يكون في وسعه مواصله الهروب من قرار الاجتياح. وانه وان ضمن النصر النهائي، ستكون حرب باهظة التكلفة سياسيا وبشريا، ولن يتمكن من التحكم في مداها الزمني او في تداعياتها. وبالتالي من المرجح توصله الى نتيجة مضمونها أنه من الافضل له استباق الاحداث، واجراء الانتخابات قبل اي انفجار محتمل للصراع في غزة، قد تكون له تأثيراته السلبية على مسيرة الانتخابات.
إلا أن هذة الازمة التي يعيشها التحالف اليميني وزعيمه، لن نتمكن من فهمها الا عبر وضعها في سياقاتها الكلية المفسرة، المتصلة بتحولات جارية داخل النظام السياسي الاسرائيلي، والتي يمكننا رصدها على ثلاثة مستويات.سنجد المستوى الاول فيما ندعوه ازمة التيارات الاساسية. سيطر حزب العمل على الحياة السياسية طويلا، وخلال العقود الثلاث الاخيرة من القرن الماضي شكل الحكومة ست مرات، فيما بين 1969 و2001 ولمدة تزيد عن عقدين من العقود الثلاثة. لكنه منذ 2001 فشل في العودة الى الحكم، وتفيد المؤشرات وجود ازمة على مستوى القيادة بعد انتخابات 2017 الداخلية، وتصاعد التراجع في قواعده الشعبية وليس من المتوقع حصوله على اكثر من عشرة مقاعد في الانتخابات الجديدة. واذا انتقلنا لليمين الديني الحاكم، سنجده رغم سيطرته يعاني نفس الازمة ولكنها لم تصل الى ذروتها. وقد اظهرت الاستطلاعات بعد اعلان تكوين قائمة ازرق وابيض الانتخابية هشاشة قاعدة تأييد الليكود الانتخابية. وربما لايزال قادرا على الفوز بنسبة عالية لكنه لايمكنه الحكم إلا عبر شبكة تحالفات واسعة مع احزاب صغيرة وموغلة في يمينيتها. وموقف الاحزاب اليمينية الصغيرة اكثر فداحة. فهناك انقسامات آخذة في التصاعد تبدت في انقسام حزب البيت اليهودي، وتشير قياسات الرأي العام الى احتمال فشل بعضها في اجتياز نسبة الحد الادنى 3.25%، ومنها حزبي شاس واسرائيل بيتنا.ويبدو المستوى الثاني في تصاعد النزعة الشعبوية الاسرائيلية. رصدت تمارا كوفمان وايتس من مؤسسة بروكينجز ظواهر صعود الشعبوية الاسرائيلية بالتوازي مع صعود الشعبوية العالمي. وفي معرض رصدها لتلك الظواهر ركزت على استشراء سياسات الهوية الدينية والعرقية، كمحددات للخطابات الحزبية والسلوك التصويتي والانتماءات الحزبية. وبالتوازي مع ذلك تصاعد السياسات الاقصائية، ونزعة العداء للآخر، والقومية المتطرفة ذات المرتكزات الدينية.ويبدو المستوى الثالث والاخير في بدايات صحوة لدور العسكريين في الحياة المدنية. كان للعسكريين دوما دورهم البارز في الحياة السياسية الاسرائيلية، ولكن التطور الذي حدث مع دخول الجنرال بيني جانتس الى المجال السياسي بعد يوم واحد من اعلان الكنيست حل نفسه والتحالفات التي تلت ذلك يرسم ملامح جديدة لهذا الدور. فنحن هنا امام حرص على ابراز الطابع العسكري الجماعي داخل قيادة تحالف سياسي، وامام نوع من الاستدعاء المدني للعسكريين لكي يطيحوا مدنيا باليمين الحاكم وفساد الليكود، وامام بوادر حماسة شعبية لهذا الدور لا تبررها اي انجازات او تاريخ او برامج لهؤلاء العسكريين. وباختصار هنا ظاهرة جديدة سبق وان رأتها دول كثيرة في العالم الثالث، حيث تقدم فريق من العسكريين بوصفهم الحكماء القادمون لانقاذها من عجز المدنيين وفسادهم، ليطلقوا مسارات تنام للتسلطية والشعبوية.حتى اعلان موافقة الكنيست على حل نفسه في 26 ديسمبر لم يكن في الافق اي احتمالات ظاهرة لوجود قوة قادرة على تحدي الليكود وتحالفه. وفي اليوم التالي حدثت مفاجأة اذ تقدم بيني جانتس رئيس الاركان السابق للجيش الاسرائيل واعلن تأسيس حزب: «المنعة لاسرائيل». ولكن النقله النوعية في موازين القوى الحزبية حدثت عبر سياسات التحالف التي اطلقها جانتس. فلقد دخل في مفاوضات مع موشيه يعلون رئيس حزب تيلم وكان بدورة رئيس هيئة اركان حرب سابق، وتمكن في 29 يناير من الاتفاق معه على خوض الانتخابات بقائمة موحدة. وفي اليوم الاخير لتقديم القوائم الانتخابية اتفق الجانبان مع يائير ليبيد وهو ايضا رئيس اركان حرب متقاعد ويرأس حزب يدعي « يش عتيد»، على دخول احزابهم الثلاثة في الانتخابات بقائمة مشتركة ضمت ايضا جابي اشكنازي وهو ايضا رئيس اركان حرب سابق، اختاروا لها اسم «ازرق وابيض» ألوان العلم الاسرائيلي.
وماهي ابعاد التحدي الذي يشكله هذا التحالف المدني العسكري – الجديد؟
الاجابة هنا ليست بسيطة بل مركبة. وفقا لاستطلاعات الراي العام على مدى فترة طويلة يبدو التحالف قادرا علي هزيمة الليكود او على الاقل موازنته في القوة. في 22 فبراير توقع المراقبون ان يحصل التحالف على 34 مقعدا مقابل 29 لليكود، ثم اخذت النسبتان في التغير الطفيف صعودا وهبوطا حتى انتهيا في 31 مارس الى 32 مقعدا للتحالف و28 لليكود، وباختصار حالة توازن قوى. ولكن ماذا لو نظرنا للامر عبر منظوري اليمين واليسار مع حساب التحالف على اليسار؟
توقع استطلاع بتاريخ 14 فبراير حصول احزاب اليمين على 62 مقعدا، مقابل 46 لليسار ولكن دون اضافة القائمة العربية اليه. والاستطلاعات التالية توضح لنا التوقعات شاملة مقاعد القائمة العربية المشتركة بعد انقسامها الى قائمتين. في 22 فبراير سيحقق اليسار 62 مقعدا مقابل 58 لليمين. واستمرت النسبتان في التغير الطفيف صعودا وهبوطا، حتى اذا وصلنا الى 31 مارس نجدها اصبحت 62 لليسار مقابل 56 لليمين.
كيف يمكن تفسير تلك المؤشرات؟
لن نجد في خطاب جانتس ورفاقه ما يمنحنا الكثير. واقصى ما نجده هو الاشارة الى تمثيل جانتس لقيم اسرائيل القديمة: التواضع والعسكرية والوطنية، وجاذبيته الانسانية وقدرته على مخاطبة الشباب، واصوله من اسرة نجت من الهولوكوست ونشأته في مزرعة تعاونية «موشاف»، وتركيز خطابه على قيم الوحدة. ولكن هذه العناصر ذاتها تحيلنا الى ما دعوناه المستويات العامة الثلاثة المفسرة للازمة، اي أزمة التيارات الاساسية والنمو الشعبوي وبروز دور العسكريين، والتي تفسر ايضا هذه الشعبية البازغة.