«أجندة» القضايا المطروحة لا تختلف بين الكتلتين الأشد تنافسا

طارق الحريرى –

من الواضح أنه في محاولة لإبعاد الأنظار عن نتانياهو، تمت تسريبات عن اختراق إيران لهاتف رئيس الأركان الأسبق والمنافس الأقوى لنتانياهو بينى جانتس، الذي صرح بأن اختراق هاتفه المحمول من قبل قراصنة إيرانيين هو مجرد ثرثرة سياسية رخيصة.
تنعقد اليوم، التاسع من أبريل 2019 الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، وهي انتخابات مبكرة قبل سبعة أشهر من موعدها الاصلي، وطبقا للنظام السياسي في إسرائيل تحدد هذه الانتخابات الحزب أو الائتلاف الذي سوف يشكل الوزارة المقبلة، ومن ثم شخصية رئيس الوزراء، ويتنافس في هذه الانتخابات 48 قائمة وحزبا سياسيا، يحدد الأعضاء الفائزون منها تركيبة الكنيست الجديد، وواقعيا يتنافس في مقدمة السباق كتلتان، اولاهما: حزب الليكود الذى يرأسه «بنيامين نتانياهو» معتمدا دائما على التحالف مع بعض أحزاب اليمين التي يستطيع من خلالها الحصول على أغلبية، وهو سوف يصبح في حال فوزه الأطول مدة بين من تولوا رئاسة الوزارة في تاريخ الدولة، في المقابل يبدو تحالف أبيض أزرق (في إشارة رمزية لألوان العلم الإسرائيلي) الذي تشكل في 21 فبراير 2019 صاحب حظ وافر فى سباق الانتخابات المقبلة، تحت هذا التحالف ينضوي كل من حزب «يش عتيد» برئاسة يائير لابيد، وحركة « تيلم» برئاسة وزير الأمن الأسبق موشيه يعالون وحزب «مناعة لإسرائيل» برئاسة رئيس أركان الجيش الأسبق بيني جانتس، وانضم إلى التحالف أخيرا رئيس أركان الجيش الأسبق «جابي أشكنازي» ونائبان سابقان لرئيسي جهاز الأمن العام والموساد، وتمنح أغلب استطلاعات الرأي هذا التحالف الفرصة لتشكيل الحكومة المقبلة.
تمثل القضية الفلسطينية بصفة دائمة حجر زاوية في معترك السياسة الداخلية بين القوى السياسية الإسرائيلية، وغالبا ما يستخدمها قادة الأحزاب أداة يغازلون بها الناخب الإسرائيلي، الذي أصبح يميل بدرجة متزايدة لفكرة عدم إعطاء أي حقوق للفلسطنيين، وتهيمن على الشارع الإسرائيلى الآن شيفونية وعنصرية ضد الفلسطنيين، تغذيها قوى اليمين التي يتسع نفوذها وتأثيرها على المزاج العام، لهذا تلعب الأحزاب اليمينية وعلى رأسها حزب الليكود على هذا الوتر لاستمالة رجل الشارع، كما أن الأحزاب من اليمين والوسط وأحيانا بعض أجنحة اليسار لدواع انتخابية تتبارى في التشدد، وتعلن رفضها لمنح أي حقوق للفلسطنيين باعتبار أن الإقدام على ذلك يمثل تنازلا يضر بمصلحة وأمن إسرائيل، ويقدم نتانياهو نفسه في كل انتخابات يخوضها باعتباره الرجل القوى الذي لا يمنح الفلسطنيين أي تنازلات، وهو واقعيا يفعل ذلك متصديا لكل مساعي الشرعية الدولية والقوى الإقليمية، التي تحاول إيجاد مخرج لهذه القضية المركزية في الشرق ألأوسط، وقد استغل رئيس الوزراء الاسرائيلي نتانياهو رصيده في التعنت ضد الفلسطنيين ليحذر الناخبين من التصويت للتحالف المنافس له، «اي تحالف أبيض أزرق» على أساس أنه سيقدم تنازلات للفلسطينيين، وفي الخطاب الموجه للناخبين يتمسك اليمين بكل أطيافه وخلفه نتانياهو بإخراج القدس من اي مفاوضات، وإسقاط حق العودة للاجئين، والإصرار على بقاء المستوطنات.هناك قضية أخرى تشغل رجل الشارع في الدولة العبرية والنخب السياسية الإسرائيلية، وليس العربية فقط، وهي صفقة القرن، التي صرحت الولايات المتحدة أنها ستعلن عنها بعد إجراء الانتخابات، وأن كان المقصود بطبيعة الحال بعد تشكيل الوزارة الجديدة، وأدى موضوع طرحها المنتظر إلى جعلها أحد محاور الخطاب السياسي في الساحة الانتخابية، وموضوعا للتنافس بين الأحزاب، وربما كان هذا ما دفع «بيني جانتس» رئيس الأركان الإسرائيلى السابق، ورئيس حزب «مناعة لإسرائيل» إلى تصريح لم يكرره أو يلح عليه لاحقا فى حديث لصحيفة «يديعوت أحرونوت» عند إجابته على سؤال عن احتمال التسوية مع الفلسطينيين بعد تعثر المفاوضات مع نتانياهو منذ عام 2014 إذ قال: «نحتاج إلى إيجاد طريقة كي لا نسيطر على الآخرين». وعمل على التذكير بانسحاب إسرائيل من غزة، في عام 2005 مستطردا: «نحن بحاجة إلى أخذ العبر وتطبيقها في مكان آخر». ونوه إلى أنه منفتح على فكرة إزالة بعض المستوطنات من الضفة الغربية، وفي حقيقة الأمر فإن جانتس أراد بهذا السياق أن يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، فهو يوجه رسالة مبطنة للإدارة الأمريكية بأنه مستعد للتفاوض الجدي حول صفقة القرن، وأنه ليس نتانياهو فقط الذي تسانده الولايات المتحدة هو الذي يمكن أن يقبل بها، باعتباره رجلهم في إسرائيل، كما أنه يغازل الناخب العربي فى الداخل الإسرائيلي، وأيضا قوى اليسار، والأصوات المستعدة لإيجاد حل للقضية الفلسطينية، لكن في المقابل وفي إطار مناورة لايشارك فيها نتانياهو، غرد «نفتالي بينيت»، وهو شريك في الائتلاف اليميني الحاكم، على تويتر معلنا رفضه لصفقة القرن، قائلا: «وفقا لخطة ترامب حول إقامة دولة فلسطينية، وهي تنتظرنا مباشرة بعد الانتخابات، فهناك خطر جلي وشامل على المستوطنات». هكذا يبدو الخلاف محتدما داخل اسرائيل حول صفقة القرن بين المرشحين في الانتخابات البرلمانية المقبلة، إلا أن هذه الصفقة تبرز أيضا عمق الانقسامات بين الدول العربية في الوقت الراهن تجاه العلاقة مع اسرائيل، وهذا في حد ذاته يشكل عامل مساعد يستثمره المرشحون في بناء خطابهم.
أما القضية التي اتخذت وسيلة للتلاسن والضرب تحت الحزام بين الليكود وأبيض أزرق فهي الموقف من حماس، والوضع الأمني مع غزة، حيث تبنت أبيض وأزرق اتهامات ضد نتانياهو بأنه اتخذ مواقف متخاذلة ضد خروقات من القطاع، تسببت في مشاكل للسكان وهددت الاستقرار، وقال الليكود معلقا على تصريحات جانتس حول ضرورة اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه حماس: «جانتس سبق أن أيد الاتفاق النووي مع إيران، وشارك في مراسم تأبين عضوين من حركة حماس، قتلوا خلال الحرب على قطاع غزة عام 2014 « وردا على هذا الاتهام الموجه لجانتس قال تحالف أزرق أبيض إن نتانياهو سجل رقما قياسيا بالكذب ثلاث مرات، في ادعاء يحتوي على ست وثلاثين كلمة.. جانتس لم يشارك في مثل هذه المراسم كما أنه لم يطلق سراح أكثر من ألف (إرهابي) كما فعل نتانياهو في صفقة الجندى شاليط.
بالنسبة لقضية المستوطنات يلاحظ أن فرسي الرهان فى الانتخابات الإسرائيلية يجعلان منها وسيلة لاستقطاب الناخبين، ففي بداية إطلاق حملته في رامات جان بالقرب من العاصمة الإسرائيلية تل أبيب تعهد نتانياهو في برنامجه بعدم إخلاء أية مستوطنة يهودية، وقال: «نحن نعارض تماما أي تفكيك لبلدات يهودية في الضفة الغربية المحتلة». وفى الناحية الأخرى أعلنت قائمة «أزرق أبيض» في برنامجها الانتخابي، أنه لن يكون هناك انسحاب إسرائيلي أحادي الجانب مرة أخرى من أراض فلسطينية، على غرار ما حدث في غزة عام 2005، وأكدت القائمة أنها ستعمل على تعزيز الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية.
عن قضية هضبة الجولان التى أشعلتها الولايات المتحدة، باعترافها أنها أرض إسرائيلية ضاربة بذلك عرض الحائط بالقوانين والأعراف الدولية، فقد كانت احدى الوسائل التي داعب بها الطرفان الأساسيان في التنافس على تشكيل الوزارة الجديدة الناخب الإسرائيلي، ولذلك قام قادة تحالف أبيض أزرق بزيارة مرتفعات الجولان، حيث أكدوا: «لن نتنازل عن مرتفعات الجولان»لكن حزب الليكود رفع سقف المزايدة، حينما تم الإعلان أن الحزب سيعقد اجتماعا خاصا في الجولان المحتل للاحتفال بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في إشارة لافتة إلى التأييد الذي يحظى به الحزب من الرئيس الأمريكي.
وفي اتفاق للمواقف أعلنت الكتلتان أن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل، وهذا مانص عليه برنامج الكتلتين بوضوح تام وبلا أي مواربة، ولم يبد أي من الطرفين أي نوع التساهل أو التلميح من قريب أو بعيد في شأن القدس الموحدة، أي أنه لم يعد هناك مجال للحديث عن أرض عربية هي القدس الشرقية احتلت عام 1967، دون أي اعتبار لتطلعات وأماني وحق الفلسطنيين في عاصمة لدولتهم المنشودة في القدس الشرقية.
فيما يخص الموقف من إيران تعتبرها كتلة الليكود تهديدا مباشرا، وجاء في برنامج الحزب: «لا يمكن لنا القبول بوضع تتسلح فيه إيران بسلاح نووي» وقال نتانياهو ليس لدي ما أضيفه إلى هذا الموقف، سوى أنه من الجدير في هذا الصدد تبني مقولة الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت الذي قال: «امسك بفأس كبيرة وتحدث بصمت». في الضفة الأخرى تعهد جانتس الذي ينافس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في الانتخابات المقبلة، بأن الحكومة برئاسته إذا ما فاز تحالف أبيض أزرق ستضع حدا للوجود الإيراني على ثلاث جبهات في سوريا ولبنان وقطاع غزة، وصرح القياديون في التحالف بأن امتلاك إيران لسلاح نووي خط أحمر.
داخليا في إسرائيل لاتشكل الاتهامات بالفساد الموجهة لبنيامين نتانياهو عائقا مؤثرا على حملته الانتخابية، حتى بعد إعلان النائب العام الإسرائيلي «أفيحاي ماندلبليت» عن نيته توجيه لوائح اتهام ضد بنيامين نتانياهو، في ثلاث قضايا منفصلة، من ضمنها تهمة الرشوة في قضية شركة الاتصالات «بيزك»، ورد نتانياهو فى حملته الانتخابية قائلا: «هذه حملة مطاردة ساحرات ذات دوافع سياسية»، متهما القوى اليسارية بأنها شنتها ضده واستطرد: «إنهم يعرفون أنهم عاجزون عن الفوز عليه خلال الانتخابات. ومن الواضح أنه في محاولة لإبعاد الأنظار عن نتانياهو، تمت تسريبات عن اختراق إيران لهاتف رئيس الأركان الأسبق والمنافس الأقوى لنتانياهو بيني جانتس، الذي صرح بأن اختراق هاتفه المحمول من قبل قراصنة إيرانيين هو مجرد ثرثرة سياسية رخيصة.