الأمن والسياسة الخارجية.. تحسم الانتخابات الإسرائيلية

د.أحمد سيد احمد –

اشتدت حدة وطأة المنافسة بين المرشحين والتكتلات في الانتخابات الإسرائيلية والتي تختلف بشكل ملحوظ عن الانتخابات السابقة، حيث برزت خريطة انتخابية جديدة تمثلت في تزايد حدة الاستقطاب بين معسكرين أساسيين، وهما معسكر أحزاب اليمين واليمين المتطرف الذي يقوده حزب الليكود بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ومعه مجموعة من الأحزاب اليمينية المتطرفة والتي تحالف معها مثل البيت اليهودي وعظمة يهودية إلى جانب حزبي شاس الديني المتطرف بزعامة أرييه درعى وحزب يهوديت هتوراة برئاسة وزير الصحة الحالي يعقوب ليتسمان، وذلك في إطار احتشاد اليمين في جبهة واحدة.
أما المعسكر الثاني البارز فهو تحالف أزرق أبيض الذي يضم كل من بيني جانتس رئيس الأركان الأسبق، ورئيس حزب الحصانة لإسرائيل، ويائير لابيد رئيس حزب هناك مستقبل، وموشيه يعالون رئيس حزب تيلم ومعهم رئيس أركان الجيش الأسبق، جابى إشكنازى، حيث قررا التحالف ضد اليمين في قائمة موحدة تحت اسم أزرق أبيض، وعقدا صفقة سياسية للإطاحة بنتانياهو واقتسام السلطة فيما بينهما، إضافة إلى ذلك هناك أحزاب اليسار مثل حزب العمل، وأحزاب يمينية أخرى انشقت عن تحالف الليكود مثل حزب إسرائيل بيتنا بزعامة وزير الخارجية السابق ليبرمان.
وفي المقابل برزت مجموعة من القضايا الرئيسية التي تلعب دورا مؤثرا في حسم نتيجة الانتخابات الإسرائيلية وأبرزها:
أولا: قضايا الأمن: وهي الهاجس الأكبر لدى المواطن الإسرائيلي منذ عقود، حيث تستخدم تلك الورقة من قبل المرشحين لكسب أصوات الناخبين خاصة سكان المستوطنات الإسرائيلية، وفي هذه الانتخابات يطرح اليمين بزعامة الليكود نفسه باعتباره أنه الذي نجح في توفير الأمن للمواطن الإسرائيلي، فيما يتعلق بشن هجمات على قطاع غزة وتوجيه ضربات للقوات الإيرانية في سوريا. في المقابل فإن تحالف أزرق أبيض والذي يضم مجموعة من العسكريين البارزين مثل لابيد وجانتس ويعلون واشكنازى تحمل دلالات مهمة في إعلاء الجانب الأمني على أي اعتبارات أخرى، ومحاولة استقطاب الناخب الإسرائيلي، وقد اعتبر هؤلاء أن اليمين الحاكم بزعامة نتانياهو لم يوفر الأمن بدليل انطلاق الصواريخ من غزة داخل المدن الإسرائيلية الكبرى مثل تل أبيب إضافة إلى استهداف المستوطنات القريبة من القطاع مثل مستوطنة سيدروت وفشل القبضة الصاروخية الحديدية التي تغنى بها نتانياهو في صد هذه الصواريخ، ولذلك فإن ورقة الأمن تتعد أحد الأوراق البارزة لتحالف أزرق ابيض في مواجهة نتانياهو. ثانيا: الاقتصاد: حيث تعد ورقة الاقتصاد أيضا من العوامل الحاسمة في الانتخابات، فرغم أن نتانياهو خلال الثلاثة عشر عاما التي قضاها في السلطة حقق بعض الإنجازات الاقتصادية الداخلية، إلا أن اندلاع المظاهرات المختلفة لدى بعض قطاعات الشعب الإسرائيلي ولدى المهاجرين اليهود احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصادية، يعد عاملا سلبيا في صالح نتانياهو، في المقابل وعد تحالف أزرق أبيض بتحقيق النهضة والازدهار الاقتصادي ورفع مستوى معيشة المواطنين وتخفيف العبء عنهم عبر حزمة من السياسات الاقتصادية مثل تخفيض الضرائب والاستثمار في المجال العقاري لحل أزمة ارتفاع أسعار السكن ، لكن تظل المشكلة والارتباط بين الأمن والاقتصاد، فاندلاع حرب جديدة بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة أو أية مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحزب الله اللبناني سوف تقوض مناخ الاستقرار والاستثمار في إسرائيل وتؤثر سلبا على قطاع السياحة ولذلك يظل إشكالية وتحديا لتحالف أزرق ابيض هو الموازنة بين اعتبارات الأمن والسياسات الاقتصادية المزمع تطبيقها.
ثالثا: قضايا الفساد: وهى أحد الأوراق القوية في يد تحالف أزرق أبيض ضد اليمين بزعامة الليكود، حيث جاءت هذه الانتخابات المبكرة بعد إعلان المدعي العام الإسرائيلي اعتزامه توجيه تهم رسميا بالفساد والاحتيال وخيانة الأمانة لنتانياهو فيما عرفت بقضايا 1000 و2000 و4000، والمتهم فيها باستغلال النفوذ وخيانة الأمانة كذلك التربح من إبرام صفقة غواصات عسكرية مع ألمانيا، وهذه هي المرة الأولى التي توجه فيها تهم فساد لمسؤول إسرائيلي وهو في السلطة، ورغم أن نتانياهو دعا لانتخابات مبكرة لتفادي تأثير تلك الاتهامات، والتي تم تأجيلها رسميا لما بعد الانتخابات، إلا أن تحالف أزرق أبيض يسعى لتوظيفها خاصة مع اندلاع المظاهرات المختلفة خلال العام الماضي ضد فساد نتانياهو، لكن استطلاعات الرأي تشير على التأثير الضعيف والمحدود لتهم الفساد على فرص نتانياهو في الفوز. رابعا: قضايا القدس والجولان والسياسة الخارجية: أشارت استطلاعات الرأي إلى أن الناخب الإسرائيلي لن يعير بالا الاتهامات بالفساد لنتانياهو مع الإنجازات التي حققها فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية وقضايا القدس والجولان وهدايا ترامب الثمينة له، ففي عهد نتانياهو قدم ترامب هدايا كبرى دعمت موقفه، فيما يتعلق بقراره بالاعتراف بالقدس كعاصمة أبدية لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في عام 2017، ثم قراره في مارس 2018 بالاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، وهو ما يسعى نتانياهو إلى توظيفه جيدا في الانتخابات وإظهار أنه أكثر رؤساء الوزراء الذين حققوا إنجازات كبرى لإسرائيل سواء فيما يتعلق بالدعم الأمريكي والاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على القدس والجولان. ولا شك أن هدايا ترامب بهذه القرارات تمثل دعما قويا لنتانياهو في معركته الانتخابية، خاصة أن وزير الخارجية مايك بومبيو التقى خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل بنتانياهو ولم يلتق أحد أخر من المعارضة وهو ما يعنى انحيازا واضحا من جانب الإدارة الأمريكية لنتانياهو ولذلك جاء قرار الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السورية العربية المحتلة قبل الانتخابات مباشرة لتمثل دعما كبيرا له في مواجهة اتهامات الفساد له وبعد أن أظهرت استطلاعات الرأي تقدم تحالف أبيض أزرق، عادت استطلاعات الرأي مرة أخرى لتوضح تقدم تحالف اليمين بزعامة نتانياهو بعد قرار الجولان، إضافة إلى ذلك يوظف نتانياهو ورقة السياسة الخارجية كأحد أبرز إنجازاته سواء فيما يتعلق بالعلاقات القوية بين أمريكا وإسرائيل في عهد وقيام الإدارة الأمريكية بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، أو بعلاقاته مع رؤساء الدول خاصة الرئيس الروسي بوتين والذي التقى نتانياهو في موسكو قبل الانتخابات مباشرة ليعطى رسالة بأن انتصار نتانياهو في الانتخابات أمر محسوم. إضافة إلى ذلك هناك قضايا يهودية دولة إسرائيل، والمتمثل في قانون القومية الذي أقره الكنيست والذي يعتبر إسرائيل أرضا لليهود فقط بما يعني عدم الاعتراف بحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، حيث يسعى نتانياهو لتوظيف هذا القانون لكسب تأييد اليمين المتطرف واليمين الديني المتشدد في إسرائيل، بينما يعتبر تحالف أزرق أبيض وأحزاب اليسار أن قانون القومية يمثل انتكاسة لإسرائيل ولديمقراطيتها، وبدلا منه يطالبون بأن تكون إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية تستوعب جميع العرقيات والأديان.
ورغم أنه لا توجد فروق أو اختلافات جوهرية بين اليمين واليسار في إسرائيل خاصة فيما يتعلق بالقضايا العربية مثل القدس وشكل الدولة الفلسطينية والذي يتمثل في رؤى معظم الأحزاب الإسرائيلية في إقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة منزوعة السلاح مع استبعاد القدس، إلا أن المؤشرات تشير لتزايد فرص احتفاظ اليمين بزعامة نتانياهو بالسلطة والفوز في الانتخابات المقبلة، خاصة بعد قرارات القدس والجولان من جانب الإدارة الأمريكية، إضافة إلى أن تحالف أزرق أبيض رغم أنه يمثل تهديدا حقيقيا لنتانياهو إلا أنه تحالف جديد ولا يمتلك القاعدة الشعبية الواسعة التي تمكنه من الفوز في تلك الانتخابات بالأغلبية.
ويبقى في النهاية أن الذي سيحسم نتائج الانتخابات الإسرائيلية هو الأمن والاقتصاد والتي تشكل العامل الأساسي في تحديد اختيارات الناخب الإسرائيلي بغض النظر عن اتهامات الفساد الموجهة لنتانياهو.