إضاءة :الدين القويم

سالم الحسيني –
تهب على أمتنا العربية والإسلامية هذه الأيام نسائم ذكرى مسرى سيد الخلق الذي ببعثته انبلج الصبح وسطح الحق، تفيأنا ظلالها زمانا ومكانا.. تحت راية هذا الدين القويم الذي أراده الحق سبحانه أن يكون نبراسا ومنهاجا للبشرية جمعاء كي تسعد به وترقى إلى أعلى مراتب الكمال الإنساني.. ذلك الدين الذي قام واستقام بجهود أنفس نذرت نفسها لنصرته وبذلت من أجله الغالي والنفيس حتى اشتد عوده، وكانت ثمرة ذلك تجمع بعد شتات وقوة بعد ضعف، فنجت بفضله أنفس كانت تائهة في ظلمات الجهل والجور والطغيان لا تقيم للقيم السامية وزنا يأكل قويها الضعيف ويستعبد غنيها الفقير.. كل همها الغواني والقيان وعبادة الأحجار والتناحر والشجار حتى انتشلها من ذلك المستنقع المرعب إلى عالم يمتلك أسمى مقومات الحضارة الإنسانية صلته الروحية بالله وحده يستمد منه العون والسداد ويستنير به سبل الرشاد ليكتمل المشهد باكتمال تلك الصِّلة القوية بين الخالق والمخلوق حينها أتت كل الكائنات على وجه البسيطة مستجيبة لداعيها منضوية تحت لواء الإسلام لينشر الحق والعدل والفضيلة في أسمى معانيها فدانت له شعوب الأرض وارتقت به سلّم المجد وهفت إليه القلوب واشتاقت لعدله الشعوب وانتكس الشيطان يجر ثوب الْخِزْي والخذلان حيث لم يعد له مكان في دولة الحق والعدل والأمان.

وما إن بدأ التراجع عن ذلكم النهج القويم والتباعد عن الصراط المستقيم حتى أعاد إبليس اللعين الكرّة مرّة بعد مرّة عساه أن يصادف قلوبا تمكن حب الدنيا من حشاشتها، فأصبح يجوب بخيله ورجله ليجد مرتعا يقوده طواعية إلى حيث أراد فطرق أبواب كل شاردة وواردة حتى تحقق له ما أراد، فطاب له المقام، فغرس العداوة والبغضاء بين الأخ وأخيه وبين الجار وجاره وبين الابن ووالده فتوسعت الثغرات ليعيث في الأرض الفساد وينفث سمومهم في كل سهل وواد، فلننظر إلى حالنا اليوم، هل هو شبيه بحال الأمس قبل أن يصافح قلوبنا هذا الدين ويبعث إلينا نبينا الكريم، عندما كنا قبائل متعادية متناحرة يأكل قوينا الضعيف حتى غدونا قادة للأمم بعدما كنا رعاة للغنم، وصدق القائل: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله»، فهل نفرط في هذا الدين القويم الذي أفنى من أجله المخلصون أعمارهم، متناسين النداء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ).. حتى تكالبت علينا السباع الضارية من كل حدب وصوب ليصدق عليها قول الحبيب المصطفى: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كلّ أفق كما تتداعى الأكلة على قصعتها ، قلنا : من قلّة بنا يومئذ ؟ قال : لا ، أنتم يومئذ كثير ، ولكنّكم غثاء كغثاء السّيل ، ينزع اللّه المهابة من قلوب عدوّكم ويجعل في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن؟ قال: حبّ الحياة وكراهية الموت).. وهذا الغثاء اصبح يطغى بعضه على بعض توجهه تيارات متلاطمة إلى حيث تشتهي وتشاء.. رغم نداءات الاستغاثة للوقوف في وجه ذلك المارد على أمل ان يستيقظ المسلم من غفوته ويعود إلى رشده ليستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ليعود العز والمجد والسؤدد إلى هذا الدين القويم وأهله ليعم الخير والسلام شعوب الأرض ويعيش الجميع في أمن وأمان وراحة واطمئنان.