قرارات قمة تونس.. خطوه إيجابية

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

لا يستطيع أي رئيس أمريكي أو أي قوة دولية أخرى أن تغير من الجغرافيا، كما أن النظام الدولي الذي يستند على معايير قانونية لن يسمح بذلك التهور السياسي تحت دعاوى انتخابية سواء في إسرائيل أو حتى في الولايات المتحدة.

انتهت القمة العربية في تونس الشقيقة بصدور بيان تونس والذي أكد على عدد من الثوابت التي تهم الأمن القومي العربي والتطورات الأخيرة التي تخص مسار القضية الفلسطينية وموضوع الجولان السوري المحتل.
وبصرف النظر عن سقف التوقعات الشعبية في ظل الظروف العربية الراهنة فإن بيان تونس والقرارات التي تم اتخاذها تعد إيجابية الى حد كبير خاصة على صعيد القضايا العربية المصيرية، ومن هنا يمكن البناء على ما حدث في قمة تونس العربية لحشد المواقف الإقليمية والدولية في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وأيضا تنشيط الدبلوماسية العربية على صعيد التكتلات الإقليمية كدول الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ومنظمة الآسيان لدول جنوب شرق آسيا ودول أمريكا اللاتينية، كما ينبغي على الدول العربية استعادة دور حركة عدم الانحياز باعتبارها كتلة سياسية مهمة تحتاج الى مزيد من الفاعلية والتحرك المتواصل لصالح القضايا العربية وفي مقدمتها القضية المركزية للعرب وهي القضية الفلسطينية.

قضية العرب الأولى

في ظل التطورات المتسارعة الخاصة بالقضية الفلسطينية خاصة مسألة صفقة القرن والتي تتبناها الإدارة الأمريكية وقرب الكشف عن مضمونها خلال هذا الشهر وتحديدا بعد الانتخابات الإسرائيلية فإن قمة تونس العربية قد أكدت على مركزية القضية الفلسطينية من خلال ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا يعني أن أي صفقة سياسية أو عملية سلام محتملة لابد أن تلبي تلك الأهداف والحقوق للشعب الفلسطيني وأن أي تلاعب بتلك المبادئ لن يقبله العرب.
ولا شك ان الإصرار العربي خلال القمة كان له صدى إيجابي خاصة وأن الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريس كان متواجدا في القمة، كما أن التأكيد على الثوابت العربية يوجه رسالة واضحة للإدارة الأمريكية بأن العرب يريدون السلام الشامل والعادل وانهم لن يقبلوا أي صفقات سياسية أو اقتصادية تنتقص من حقوق الشعب الفلسطيني والذي يناضل ويكافح منذ اكثر من سبعة عقود ولا شك أن القرار العربي تسنده قرارات الشرعية الدولية خاصة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 و338 وغيرها من القرارات الخاصة بعدالة القضية الفلسطينية ورغم أن الوضع العربي ليس في افضل حالاته حيث الخلافات وعدد من الحروب الأهلية في ليبيا وسوريا واليمن ووجود ظاهرة الإرهاب إلا أن الموقف العربي في قمة تونس كان مهما في هذه المرحلة وقطع الطريق على أي تكهنات حول تنازلات من هنا وهناك وموضوع تبادل الأراضي والحوافز الاقتصادية والتي تتضمنها صفقة القرن والتي من خلال تسميتها توحي بذلك.
فالقضية الفلسطينية ليست مجالا للمساومة والصفقات وإنما هي قضية عادلة وستبقى كذلك والإدارة الأمريكية الحالية لن تبقى للأبد، فثمة متغيرات قد تحدث في الساحة الأمريكية حتى خلال الانتخابات الرئاسية العام القادم ومن غير المقبول أن تختصر قضية شعب وأرض في صفقة سياسية أو اقتصادية ومن هنا فإن مركزية القضية الفلسطينية والتي جاءت في بيان تونس تعد خطوة مهمة وإيجابية وتعطي الأمل في عوده للتضامن العربي والمحافظة على مقدرات وأمن العالم العربي.

الجولان السوري المحتل

تلقى العرب صدمة سياسية مؤخرا بتوقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مرسوم تنقل بموجبه السيادة على أرض الجولان السورية المحتلة الى السيادة الإسرائيلية وسط دهشة العالم واستغرابه من هذا القرار الأمريكي العشوائي وغير القانوني ورغم الرفض الإقليمي والدولي لقرار الرئيس ترامب إلا أن الرأي العام كان يريد معرفة الموقف العربي من خلال القمة الأخيرة في تونس حيث أن قرار الجولان يختص بأرض عربية سورية محتلة منذ عام 1967 وهناك قرارات دولية تختص بذلك الاحتلال.
ولا شك أن قرار القمة العربية في تونس حول الجولان السوري المحتل جاء منسجما مع التطلعات العربية وهو اعتبار قرار الرئيس الأمريكي ترامب باطلا وكانه لم يكن ولا يستند الى أي شرعية قانونية ومن هنا فإن هذا القرار يعد أيضا من القرارات الحاسمة والتي ينادي بها الجميع لتوجيه رسالة واضحة للإدارة الأمريكية والكيان الإسرائيلي معا.
أن الاستيلاء على أراضي الغير هو سياسة مرفوضة خاصة وأنها تأتي من دولة كبرى ذات عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي وموقعه على كل القرارات الدولية ذات العلاقة باحتلال الجولان السوري وهذه مفارقة صارخة في الدبلوماسية الدولية وتعد كبيرة على نواميس القانون الدولي ويبدو لي أن قرار ترامب إهداء الأراضي المحتلة الى إسرائيل سوف يكون إحدى العلامات الفارقة في التاريخ الحديث والتي سوف تكون خطوة خطيرة وتشرعن لاحتلال أراضي الغير ومن هنا فإن الجولان المحتل سوف يظل سوريا وفلسطين سوف تظل محتلة وكذلك ما تبقى من الأراضي اللبنانية في جنوب لبنان.
ولا يستطيع أي رئيس أمريكي أو أي قوة دولية أخرى أن تغير من الجغرافيا، كما أن النظام الدولي الذي يستند على معايير قانونية لن يسمح بذلك التهور السياسي تحت دعاوى انتخابية سواء في إسرائيل أو حتى في الولايات المتحدة.
فالمسؤولية الأخلاقية والقانونية تقتضي أن يكون هناك شعور بالمسؤولية وأن الحل السياسي والحوار هو الأساس لإيجاد السلام الشامل والعادل للقضايا الكبيرة كالقضية الفلسطينية وبالتالي ما قام به الرئيس ترامب سوف يبقى سقطة سياسية كبيرة ستظل علامة من علامات التهور السياسي وعدم انضباطية القرار السياسي لدوله عظمى كالولايات المتحدة خاصة وأن هناك انتقادات لقرار ترامب من بعض النخب السياسية الأمريكية والإعلام الأمريكي.
فالقرار الأمريكي ومع نجاح نتانياهو في انتخابات الشهر الجاري سوف يبقي قرارا لا قيمة له لأن الهدف من القرار المتسرع لترامب هو مساعدة رئيس الوزراء الإسرائيلي على الفوز بتلك الانتخابات في ظل وضعه الصعب من خلال الملاحقات القضائية وشبهة الفساد التي تلاحقه، كما ان الرئيس ترامب يريد من القرار إرضاء كتلته الانتخابية خاصة منظمة الايباك وهي المنظمة اليهودية الأهم والتي تدعم حملته الانتخابية، ومن هنا فإن تلك الأهداف الوقتية كانت وراء ذلك القرار ومع ذلك فإن ذلك السلوك السياسي قد أضر بالقرارات الدولية ولو بشكل معنوي واعتبر سابقة سياسية في التاريخ الحديث.

المسار العربي

كانت هناك عدد من القرارات التي صدرت عن القمة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية ومع ذلك فإن المسار العربي في هذه المرحلة يحتاج الى تفعيل التضامن العربي وتجاوز الخلافات في ظل الاستهداف الممنهج للمقدرات العربية وقضايا العرب المصيرية وأن هناك تهديدا وجوديا للأمن القومي العربي، ومن هنا فإن إعادة اللحمة والتضامن للعلاقات العربية – العربية وإيجاد موقف عربي حاسم تجاه المصالح العربية سوف يكون خطوة أساسية في العمل العربي المشترك.
ان المتغيرات التي يشهدها العالم متسارعة وهناك من يستغل الوضع العربي الراهن وهذا يتضح من خلال عدد من الأحداث كوجود الأزمة الخليجية دون حل والحرب في اليمن وما يجري من أحداث شعبية في الجزائر والسودان كل تلك التطورات تستغل من قوى دولية وإسرائيل حيث تريد استنزاف المقدرات العربية بحيث يظل العرب في حالة ارتباك دائم وفي حالة ضعف وحروب وخلافات ومن هنا لابد من استنهاض الإرادة العربية والوصول الى قناعات بأن العرب ومستقبلهم ومستقبل أجيالهم في خطر.
وعلى ضوء عدد من القرارات المهمة في قمة تونس حول فلسطين والجولان فان ثمة أملا في استعادة العرب لتضامنهم ونفض الغبار على خلافاتهم وأن يكون هناك حوار صريح وشفاف حول مستقبل الأمة العربية في عالم متغير لأن الحوار والنقاش هو الآلية الصحيحة نحو حل أي خلاف أو وجهات نظر متباينة حتى ينهض العرب من كبوتهم لينطلقوا الى المستقبل بكل ثبات لبناء أوطانهم وأجيالهم وبناء اقتصادياتهم وتكون لهم الكلمة المسموعة والاحترام كأمة عربية فاعلة في محيطها الإقليمي والدولي.