نوافذ: قـيم ثلاثـية الأبعـاد

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

لم آت هنا في هذا الطرح بالذات، لأقول أننا شعب الله المختار، فحالنا كحال كل شعوب العالم، فيه الصالح وفيه الطالح، فيه الرضي وفيه العاصي، فيه المحسن وفيه المسيء، لأنه شعب يعيش وفق سياق فطرة الله في الخلق، لا أكثر ولا أقل، ولذلك عندما يتصالح مع ذاته، فذلك جزء من هذه الفطرة، وعندما يتصادم مع ذاته؛ أيضا؛ فذلك جزء آخر من هذه الفطرة، وقس على ذلك أمثلة كثيرة تعيشها الإنسانية في كل تفاصيل حياتها اليومية، ومع ذلك فعندما تستوقفنا بعض الممارسات الذاهبة إلى نوع من الرشاد والتصالح مع الفطرة في جانبها الإيجابي، فذلك يعطينا مؤشرا أن هناك جهودا يبذلها هذا الإنسان الذي تحتويه هذه الجغرافيا للمحافظة على التوازن، لا إفراط ولا تفريط، ونظن بعد ذلك أن هذه الجهود من شأنها أن تحافظ على هذا التوازن، وتزيد من عمر أفراده في تصالحهم مع هذه الذوات المستنفرة بقوة مجموعة من المحفزات التي يستند عليها الإنسان عادة في القفز على الحواجز؛ إن يجوز التعبير، وحتى هذا القفز يظل في سياق الحياة الإنسانية الطبيعية، ولن يكون حالة شاذة تبعث نوعا من القلق على المراقب.
وثلاثية الأبعاد هنا هي الحالة التي تشهدها المخططات السكنية الحديثة، كما كانت الصورة قديما، حيث الحارات، إلا أن الصورة هنا تكتسب رمزا حداثيا، آتيا هو الآخر وفق تطور الحياة الحديثة، التي تذهب كثيرا الى التنظيم والترتيب، وشيئا من الأفكار الشابة المبدعة، التي ترى في واقعها ما لا يراه الآخر الذي بلغ من العمر عتيا، هذه الحالة هي الصورة الماثلة في المسجد، والمدرسة، والمجلس العام، وهي المرتكزات المهمة في حياة كل حي حديث اليوم، فإذا كانت الحارة القديمة تضم هذه الرموز القيمية المهمة في حياة أبناء المجتمع، فإنها لم تكن بهذا القرب والتلاحم، لأن تكوين الحارة، كما أعتقد، لم تكن بهذه الصورة المنظمة، فقد بنيت حسب تراتبية احتياجية للسكان، والسكان كانوا متفرقين بين الحارة، وعادة ما تكون منفصلة على مزارع النخيل، وبين المنازل المزروعة على ضفاف مزارع النخيل، والتي كانت تجمع طيب السكنى في الفصلين الشتاء والصيف، فوق ذلك أن مدارس القرآن الكريم في ذلك الوقت – وقد عايشت بعضها – كانت بجهود فردية يتبناها فرد في أسرة، ومن ثم بهمته وتسخير إمكانياته المتواضعة، وبتضحيته، تضم فيما بعد أبناء القرية الواحدة من الذكور والإناث، فالبساطة في ذلك الوقت كانت عنوانا عاما في جميع مفاصل الحياة المختلفة، وكانت هذه ميزة في شيوع ذلك التلاحم المخضب بالود الى حد ما.
تعقيدات الحياة اليوم، فرضت على أبناء المجتمع مواجهتها بما يتفق مع متطلباتها، وما نعيشه اليوم في شأن هذه الثلاثية، هي جزء من استحقاقاتها المهمة، والجميل في هذا الأمر أن أبناء المجتمع لم يفرطوا في هذه الاستحقاقات، ولا يزالون يبذلون الغالي والنفيس في بقاء الصورة الفاعلة لهذه الثلاثية على فاعليتها وتوهجها، وهذا أمر يحسب لهم، ويؤرخ لهذه الجغرافيا العمانية فضل السبق في البقاء على هذا التميز، وفي المحافظة على هذا التكوين النوعي والذي يساهم فيه أبناء المجتمع بفاعلية كبيرة.
إذن يبقى المسجد ومدرسة تعليم القرآن الكريم، وثالثهما المجلس العام، هذه الثلاثة المتعاضدة، التي تضمها المخططات السكنية الحديثة في كل ولايات السلطنة، هي من يؤسس القيم الإنسانية الرائدة، التي تحتاجها المجتمعات اليوم، وتحافظ عليها، أكثر من أي وقت مضى، لما تواجهه من ضغوط سلوكية، ومعرفية معقدة، حيث تظل هذه الثلاثية بأبعاد تأثيراتها المختلفة، كل في مجاله، محاضن تربوية على قدر كبير من الأهمية، ولذلك فعبارات الشكر والتقدير لن تفي حق أصحاب هذه الجهود الحريصين على أن تكون هذه المحاضن الثلاثة من يتصدر المشهد الاجتماعي في كل حي من أحياء القرى العمانية ومدنها الآمنة المستقرة.