حراك في قراءة التاريخ والراهن السياسي

خلال الأيام الماضية عقدت أكثر من ندوة متعلقة بالبحث وتحريك النقاش في معطيات الواقع السياسي العماني، في منظوره الآني وارتباطه العميق بالتاريخ، وهي ندوة «دور عُمان في دعم السلام الدولي» التي عقدت مساء أمس بالنادي الثقافي، وقبلها في اليوم نفسه صباحا ندوة «العلاقات التاريخية العمانية الصينية.. حرير ولبان» التي نظمتها جامعة السلطان قابوس بالتعاون مع جمعية الصداقة العمانية الصينية، وقبلها ندوة «عمان في المدونات التاريخية» التي نظمتها الجمعية العمانية للكتاب والأدباء ممثلة في لجنة التاريخ مؤخرا.
في الندوات الثلاث، يتضح ثمة خط محوري، وهو التأكيد على أن نسيج الحياة العمانية في الحاضر من خلال الأداء السياسي والقيم الاجتماعية والمنظورات الثقافية بشكل عام، هو انعكاس وتجلٍ لمرآة الماضي والحضارة العُمانية العريقة، في تقاطعها مع راهن اليوم، وحيث استطاعت السلطنة في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – إعادة توظيف معطيات التاريخ ورفدها بمشروع التحديث في الدولة، بما يعمل على بناء وتأسيس فجر جديد للتعايش مع العالم المعاصر.
ولا بد أن أي دولة من الدول أو أي أمة من الأمم تسعى إلى النهضة والصعود إلى المستقبل أن تعمل على قراءة الماضي بيقظة واستعداد كبير للنقد والمراجعة بهدف الانطلاق إلى محطات جديدة على مستوى الراهن والغد، ولا يمكن إنجاز ذلك بمجرد الرغبات، بل يجب أن يتم ذلك وفق أداء يقوم على شغف البحث ومن قبل الروح المتحلية بالاستعداد الكبير لتقبل الأفكار وتمحيصها بهدف تحقيق الوفاق المطلوب بين الأصالة والمعاصرة، وربما كان ذلك صلب مشروع النهضة في عُمان.
فمن خلال قراءة تاريخ السلطنة ومن ثم تقاطعات ذلك الواقع القديم مع الراهن، سوف نجد أن هناك حبلا متصلا يمتد من الأمس إلى اليوم، وأن هذه النهضة الحديثة عمادها ذلك التوافق المدروس والممنهج دون حرق المراحل أو رؤية الذات بصورة غير صحيحة، فأسُ التطوير والتحديث هو أن معرفة المقومات الذاتية بوعي سليم، ومن خلالها يمكن الاستعداد والانطلاق نحو البناء والمشاركة في الحضارة العالمية، ابتداء من تعزيز الداخل وتقويته، بحيث تكون قوة الذات في الخارج هي انعكاس لتلك القوة الداخلية.
يبقى التأكيد على أن دور عمان في الساحة الإقليمية والدولية، الذي يقوم على ما يعرف بدبلوماسية السلام، هو توليفة لتك المعطيات المذكورة، بحيث لا يمكن أن نفهم ما يدور في الخارج جيدا إلا بفهم عميق للسياسة الداخلية في السلطنة التي قامت على الوحدة الوطنية والسلام والتآلف والعدالة والمساواة واحترام كينونة الإنسان وحقوقه وتوفير الفرص المتساوية للجميع في الحياة الكريمة، وليس ذلك إلا جزءا من المشروع الحضاري والإنساني الذي تضطلع به السلطنة في العهد الزاهر لجلالة السلطان المعظم، لتصبح عبر هذا النهج السديد واحة للتعايش السلمي والتعاون الدولي ورصيدا إنسانيا لإشاعة السلام بين الدول والشعوب.