هل يقود مولر ترامب للبيت الأبيض 2020 ؟

إميل أمين – كاتب مصري –

قضي الأمر وأعلن المحقق الأمريكي ومدير مكتب التحقيقات الاتحادية السابق «روبرت مولر» براءة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تهمة التعاون مع الروس خلال حملته الانتخابية لانتخابات الرئاسة الأمريكية 2016.

على صفحته عبر تويتر رحب ترامب بنتائج تقرير مولر بعبارة من كلمات قليلة جاء فيها: «لا تواطؤ، ولا عرقة للعدالة، وبراءة تامة وكاملة».
يحق للرئيس الأمريكي وعن حق أن يسر ويبتهج بالنتيجة التي توصل إليها المحقق الشهير، والتي اقتضت منه نحو 22 شهرا من العمل الدؤوب، واستدعاء مئات الشهود، وسماع عشرات الاتصالات الهاتفية التي تم استخراج اذون من المحكمة بشانها، ولا نغالي إن قلنا إنه أهم وأخطر تحقيقي يتصل بمقام الرئاسة الأمريكية، منذ فضيحة «ووترجيبت»، العام 1974، والتي أدت إلى استقالة الرئيس الأمريكي رتشارد نيكسون، ولولا الإعفاء الرئاسي الذي أصدره بحق الرئيس فورد، لربما كان نيكسون قد قضى المزيد من عمره في السجون الأمريكية.
السؤال محور المقال: «هل تجيء هذه النتيجة لكي تفتح الأبواب واسعة للرئيس ترامب للبقاء في البيت الأبيض مرة جديدة ولولاية ثانية من جهة، ولتعزيز فرص الحزب الجمهوري في العودة مرة أخرى للسيطرة على الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ بعد أن خسروا الغالبية في مجلس النواب، خلال انتخابات التجديد النصفي التي جرت في شهر نوفمبر الماضي؟».
يمكن القطع بداية انه لو كانت نتيجة التحقيقات قد جاءت لتثبت التهمة على الرئيس ترامب، لكانت الشكوك تبدو عميقة ناحية فرصته الثانية والجمهوريون من حوله، غير انه ومع تغير المشهد إلى الجهة المعاكسة، فانه يبدو من البديهي أن ترامب بات اسعد حالا وأوفر حظا من أي مرشح آخر من الحزب الجمهوري من جهة، وصاحب اليد العليا في المواجهة مع الديمقراطيين من ناحية أخرى.
قبل أن يعلن المحامي العام وزير العدل الأمريكي «وليام بار» ملخص تحقيق مولر، كان موقع «هيل هارس إكس» لاستطلاعات الرأي في واشنطن يحاول جس نبض المواطنين الأمريكيين بشأن فكرة إعادة انتخاب ترامب مرة جديدة، وقد جاءت النتيجة كالتالي: 45% من الناخبين الأمريكيين أكدوا أنهم منفتحون على استعداد لإعادة انتخاب الرئيس ترامب، فيما أكد 46% على أنهم يعارضون انتخابه.
الاستطلاع الذي جرى شمل عينة عشوائية من ألف شخص، ونشرت نتائجه الاثنين 25 مارس، وفيه أشار 95% من الناخبين الذين صوتوا لترامب في الانتخابات الرئاسية عام 2016، انهم سيفعلون الأمر نفسه في 2020، فيما قال 67% ممن صوتوا لمصلحة منافسته هيلاري كلينتون انهم لن يصوتوا له في الانتخابات المقبلة.
ومن بين الأشخاص الذين لم يصوتوا لترامب في الانتخابات الفائتة، قال 65 % انهم لن يصوتوا لترمب، بينما قال 35% انهم قد يصوتون له.
باكر جدا كان الرئيس ترامب قد أعلن نيته الترشح لانتخابات الرئاسة 2020، وقد فعل ذلك في شهر فبراير من عام 2018، بل انه اختار وقتها «براد بارسكال» ليكون مديرا لحملته الانتخابية، وكان بارسكال قد شغل منصب مدير وسائل الاعلام الرقمية في حملة ترامب عام 2016.
ولعل الحقيقة المؤكدة هي انه مع تراجع تهديد مولر، فإن ترامب سوف يكثف الاستعدادات للسباق الرئاسي، وهذا ما حدث بالفعل، فقد توجه الخميس الماضي إلى ولاية «ميتشيجن» ضمن جولاته المبكرة لانتخابات الرئاسة 2020، وقد كانت إحدى أهم الولايات التي كفلت له الفوز على هيلاري كلينتون في نوفمبر 2016.
أحد الأسئلة المهمة على الساحة السياسية الأمريكية الداخلية: «هل الديمقراطيون في مأزق بالفعل بعد إعلان نتائج مولر؟
الشاهد انه من الصعب جدا وفي ظل نظام قضائي متقدم جدا كالنظام الأمريكي أن يشكك احد في نزاهة خلاصات مولر، وان كان البعض يرى انه ربما لأسباب تتصل بالأمن القومي الأمريكي، فضل الجميع التوقف عند هذا الحد من التحقيقات، وعدم الخوض فيما يمكن أن يكشف مقام الرئاسة الأمريكية، وبغض النظر عن وضع ترامب كمذنب أو برئ.
ولعل مرد ذلك موصول بشخص المحقق مولر الذي يوصف بانه شخص متكتم جدا ومنهجي، وهو أول محقق مستقل يغوص في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، وقد أجرى تحقيقاته بمعاونة فريق يضم 12 من أمهر الخبراء القانونيين في مكاتب وسط واشنطن العاصمة، وعلى مسافة غير بعيدة من البيت الأبيض.
في كل الأحوال يمكن القول أن تقرير مولر الذي جاء بأفضل مما توقع رودي جولياني محامي ترامب بحسب قوله، منح ترامب صك البراءة، وعزز معركته القادمة وحملته الانتخابية المحتملة في انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة، ويبقى السؤال المتقدم عن الديمقراطيين محل البحث، سيما وان مولر وجه لهم – من دون عمد – ضربة قوية أصابت جلهم بإحباط كبير جدا، ولهذا لا يبدو أن الديمقراطيين سيستسلموا بسهولة ويسر للخلاصة الأول لمولر.
في هذا السياق نشير إلى ما طالب به زعيما الديمقراطيين في الكونجرس رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، وزعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر بنشر تحقيق المدعى الخاص كاملا، معتبرين أن وزير العدل «وليام بار» الذي نشر خلاصة هذا التحقيق ليس مراقبا محايدا، حيث تشير سياسة وزارة العدل إلى أنه لا يمكن توجيه تهم جنائية لأي رئيس في السلطة.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي بيان مشترك لهما قالا: «أن رسالة وزير العدل بار تطرح أسئلة بقدر ما تقدم أجوبة، ولهذا فإنه من الملح أن ينشر التقرير كاملا وكل الوثائق المتعلقة به»، مشيرين إلى أن مولر لم يبرئ الرئيس ترامب من تهمة عرقلة سير العدالة، وعلق رئيس اللجنة القضائية بمجلس النواب «جيرولد نادلر» على نتائج التحقيق، قائلا: «المحقق يشير إلى انه إذا كان التقرير لا يستنتج أن الرئيس ارتكب جريمة، فإنه أيضا لم يبرئ ساحته».
كان الرد الجمهوري بالطبع هو رفض فكرة إتاحة التقرير بكامله للعوام، وقد اتخذ مجلس الشيوخ موقفا معارضا لتطلعات الديمقراطيين، ما يعني أن الكلمة العليا لهم، فهم من يسيطرون على مجلس الشيوخ، والغرفة الأعلى في الكونجرس والتي لها الحق في اتخاذ القرارات المصيرية.
لكن الديمقراطيين يمكنهم أن يثيروا كثيرا من الغبار من حولهم، فهم يمكنهم توجيه طلبات إلى مولر بالاستجواب من جديد أمامهم، ويمكنهم أيضا رفع دعاوى قضائية أمام القضاء الأمريكي في محاولة لإجبار مولر على تجديد البحث، أو تقديم أدلة وقرائن جديدة، يمكنها أن تتسبب في فتح جراح أزمة «روسيا -غيت »، مرة أخرى، لكن هل يمكن لمثل هذه التوجهات من قبل الديمقراطيين أن تحقق لهم فوزا في الانتخابات الرئاسية القادمة، أم أن الاستمرار فيما يراه البعض مكايدات سياسية موجهة لترامب يمكن أن تأتي بتأثيرات مغايرة، وردات فعل على عكس ما يتطلعون، وفي نهاية المشهد يخسرون من جديد انتخابات الكونجرس من ناحية، والرئاسة من ناحية ثانية ؟
ليس سرا أن المجتمع الأمريكي يبدو مصابا في أوقاتنا الراهنة بحالة من حالات الشرخ المجتمعي، الأمر الذي تجاوز مسألة اختلاف التوجهات السياسية والحزبية، فقد ارتفع صوت العنصريين، وأخذت الحركات اليمينية تتعالى أصواتها إلى أبعد حد ومد، عطفا على ذلك فإن ثقة رجل الشارع في المؤسسات الحزبية الأمريكية التقليدية، قد اهتزت بقوة غير مسبوقة، ولم يعد الأمريكيون يفاضلون بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل يعتبرونهم وجهان لعملة واحدة، ومن هنا يمكن للمرء تصور الضرر الذي سيحل على المؤسستين الحزبيتين، وربما يدعو هذا إلى نشوء وارتقاء أحزاب وجماعات سياسية أخرى، ستجد ولا شك من يدعمها أو يزخمها في الداخل الأمريكي، ومثال ذلك المد الكبير لتيار الديمقراطية الاشتراكية الذي يقوده السيناتور الديمقراطي «بيرني ساندرز»، والذي يمكن له أن يكون منافسا شرسا وقويا، والبعض يرى انه قادر على سحب البساط من تحت ارجل ترامب، حال استطاع أن ينفذ إلى قلب الأمريكيين، ومن دون الحاجة إلى الدخول في معترك حملة جديدة ضد ترامب من شأن «روسيا – غيت»، قد يراها الناخب الأمريكي مدفوعة بمشاعر الكراهية الشخصية.
لن تتوقف انعكاسات تقرير مولر على الوضع المتصل بانتخابات الرئاسة الأمريكية في 2020 فقط، بل ستمتد إلى الفترة المتبقية لترامب في ولايته الأولى، بمعنى أن ترامب سوف يعزز من قبضته الفولاذية على الدولة، وسيمضي قدما في خطوطه وحظوظه السياسية حول العالم، والرجل لديه العديد من الملفات السياسية الدولية المفتوحة، ومنها العلاقات الأمريكية الروسية، وقد كان رد فعل روسيا على نتائج تحقيق ترامب عقلانيا إلى أبعد حد ومد، فقد اعتبروا الخلاصات فرصة جيدة لبدء علاقات أمريكية – روسية جديدة، وعلى أسس من الثقة المتبادلة ومن دون الحاجة إلى التشكيك.
يبدو الرئيس الأمريكي الآن أكثر نفوذا وحضورا في أعين ناخبيه الأمر الذي لفت إليه «ميت رومني» عضو مجلس الشيوخ الأمريكي والمرشح الساعي للترشح عن الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأمريكية السابقة، والذي أشار مؤخرا أمام مجموعة من مانحي الحزب الجمهوري إلى انه يعتقد أن ترامب استطاع بسهولة الحصول على ترشيح الحزب الجمهوري له في انتخابات 2020، وأن الحزب سيجد الآن وبعد نتائج تحقيق مولر في الرئيس الجواد الرابح في مواجهة الديمقراطيين الذين يعانون من عدم وجود شخصية كاريزماتية قادر على منازلة ترامب.
نجح ترامب في تحسين الأداء الاقتصادي للبلاد خلال عامين، وهو رجل أعمال في كل الأحوال، ولهذا تأثير كبير في عملية المفاضلة بين المرشحين، وعطفا على ذلك فقد قال نحو 20% من الذين شملهم استطلاع رأي «هيل هارس اكس»، أن دافعهم هو سياسة الرئيس المتشددة ضد المهاجرين غير الشرعيين.
وحال إضافة ملامح ومعالم براءة ترامب من قبل مولر الأخيرة، فإننا وبلا شك أمام باب مفتوح على مصراعيه لفوز بات شبه مؤكد لترامب بالولاية الثانية لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.