أقبح ما قد يحصل بين الأزواج إفشاء الأسرار

أهل العلم أباحوا استخدام المعاريض لتجنبه –
الإنسان مأمور بالتستر على عباداته التنفلية والطاعات –
متابعة : ســــيف بن سالم الفضيلي –

حذر فضيلة الشيخ الداعية خالد بن سالم الخوالدي عضو هيئة التدريس بكلية العلوم الشرعية من قيام الأزواج بإفشاء أسرارهم الزوجية في حال حصول خلاف بينهما، وقال فضيلته: إن ذلك يعد من أقبح الأفعال، ونبه إلى أن خصومة الإنسان مع أخيه لا تعني أن يبوح بأسراره بل يسعى إلى علاج ما يمكن علاجه من هذه الخصومة وحلحلة الخلاف وإبقاء الأسرار كما هي فهي أمانات وليس اعتداء الإنسان على الإنسان مبررا لخيانة الأمانة. مشيرا إلى أن أهل الإيمان أهل أمانة لا أهل خيانة وأهل حفظ ورعاية للذمم والحرمات لا أهل إهدار للذمم.
وبيّن فضيلته أن أهل العلم أباحوا استخدام المعاريض لتجنب إفشاء السر، وفي جانب العبادات التنفلية والطاعات أوضح بأن الإنسان مأمور بالتستر عليها وعدم إفشائها.. وإلى ما جاء في الجزء الثالث من محاضرة (السر)…

تحدث فضيلته عن موضوع (إفشاء السر) وأشار إلى أن أولها ما يقع من بعض الناس من المسارعة إلى ذكر السر عند حدوث الخصومة، فتجد بأن من الناس من إذا مكّن من سر لأحد من الأشخاص فإنه يحفظ ذلك السر إذا كان بينه وبينه انسجام واصطلاح وتوافق،فإذا حصل من ذلك الشخص ما يكدر الصفو أو يفسد ذات البين بينهما، بادر إلى البوح بأسراره وهذا بلا شك غير سائغ وهو ليس من صفات المؤمنين بل هي من صفات أهل النفاق والعياذ بالله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان) ويقول: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعه إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر) فذكر أن من صفات أهل النفاق -عياذا بالله- الفجور في الخصومة، والفجور في الخصومة هو تعد فيها فلا يرقب الإنسان في خصومة مع شخص من الأشخاص إلًّا ولا ذمّة يستبيح حرمته ويلحق به الضرر بأي وجه كان من الوجوه، فإذا استطاع أن يلحق به الضرر في إفشاء السر الحق به الضرر، وإذا استطاع أن يلحق به الضرر في إتلاف مال الحق به الضرر، وإذا استطاع أن يلحق به الضرر في تشويه سمعة الحق به الضرر، وهكذا يستبيح حرمة أخيه تماما بسبب خلاف وقع بينهما في مسألة، والأصل في الإنسان أن يكون قيّما على العدل لا يجاوز الحد حتى ولو كان منه عدم توافق مع شخص.
الله تعالى أمرنا أن نكون قوامين بالقسط وأمرنا أن لا يدفعنا كره الناس إلى الظلم والحيدة عن العدل (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى).
وأمرنا أن نلزم العدل وهو الحق والقسط ونهانا عن البعد عن الحق والسير في طريق الشطط، حينما يقع الخلاف بين الاثنين، وهذا أمر قبيح جدا واقبح ما قد يحصل بين الأزواج فإنك تجد أن من أقبح الصفات التي قد يتصف بها بعض الأزواج ما يتعلق بالفجور عند الخصومة بينهما وهذا شيء فضيع جدا لأن الرجل هو أخبر بأسرار زوجه والزوجة هي أخبر بأسرار زوجها، فإذا ما وقع بينهما شقاق أو خصومة وبلا شك أن حصول الخلاف بين الزوجين هذا أمر محتمل جدا لطول العشرة ولكثرة الخلطة بينهما فهما يختلطان فيما بينهما أكثر من أي أشخاص آخرين ولذا قد يحصل توافق أو يحصل خلاف أو تباين في وجهات النظر بينهما.
فإذا ما حصل ذلك بادر الواحد منهم إلى ذكر عيوب الآخر وذكر مثالب الآخر والبوح بأسرار الآخر التي أسر إليه بها، بلا شك أن هذا منتهى الفجور، وهكذا ما قد يكون أيضا بين الأصحاب، فهذه أيضا صورة من صور الفجور القبيحة أن يصطفي الإنسان شخصا من الأشخاص ويكون معايشا له مطلعا على أحواله خبيرا بأموره، ثم يحصل بينهما شيء من التنافر بأي سبب من الأسباب وهذا أمر قد يرد ويحصل حتى بين الإخوة يمكن أن يحصل شيء من التباين بين وجهات النظر والأصل أن يسع الإنسان إلى تقريب وجهات النظر لا إلى التباعد فيما بينها. فكيف تكون تلك الصحبة وكيف يتصور تلك الخلة إذا ما اختلف الشخص مع أخيه أو صديقه أو زميله بادر إلى نشح كل أسراره التي عنده كأنه تبرأ من كل شيء كأنه لا يريد أن تستقيم علاقة بعد ذلك بينهما، هذا بلا شك ليس من صفات أهلا الإيمان.
أهل الإيمان أهل أمانة وليس أهل خيانة وأهل حفظ ورعاية للذمم والحرمات وليس أهل إهدار للذمم واجتراء على الحرمات هذه مسائل يجب أن ينتبه الناس لها.
خصومتك مع أخيك لا تعني أن تبوح بأسراره بل السعي إلى علاج ما يمكن علاجه من هذه الخصومة وحلحلة هذا الخلاف وإبقاء الأسرار كما هي فهي أمانات وليس اعتداء الإنسان على الإنسان مبررا لخيانة الأمانة.

الغيبة والنميمة

من الأمور التي ينبغي أن ينتبه إليها أيضا ما ذكره أهل العلم من دخول الغيبة والنميمة في إفشاء الأسرار، فالغيبة والنميمة بلا شك أنهما محرمتان وهما من كبائر الذنوب، والغيبة كما تعلمون أنها (ذكر أخيك بما يكره في غيبته، والنميمة السعي بالوقيعة بين الشخصين) وهما محرمتان لكن قد تدخل الغيبة والنميمة في إفشاء السر فتشبه إفشاء السر، فبالتالي يزداد الإنسان إثما فوق إثم بالوقوع في الغيبة في انتهاك حرمة الآخر وفي إفشاء أسراره، لأن الغيبة في الأصل ذكر الشخص بما يكره بما تعلمه من حاله وهو يكره أن يذكر فكأن ذلك الأمر الذي يكره أن يذكر به هو من الأشياء التي يسرها في الأصل ولا يرغب في إبدائها للناس، وهكذا ما يتعلق أيضا بالنميمة، فالنميمة تحصل لماذا؟ لأن هذا الشخص يعرف أسرار زميله مما قد لا يحب هذا الشخص أن يطلع عليها الطرف الآخر فيطلعه عليها لأجل أن يوغر صدره عليه. فكذلك أيضا هي مما يدخل في إفشاء السر وبكل حال هي محرمة.
مما نص عليه أهل العلم من مسائل إباحة استخدام المعاريض لأجل تجنب إفشاء السر، فكما نعلم بأن الإنسان يباح له عند الضرورات استخدام المعاريض أي التورية في الكلام وفي المعاريض مندوحة عن الكذب، في حال خوف الأضرار البالغة أو في حال عدم تحقق المصالح إلا بالتورية أو في حال الاضطرار إلى ذلك بأي صورة من الصور المشروعة السائغة في الشرع فإن الإنسان يباح له أن يستخدم المعاريض.
كمثل ما يكون من استخدام الشخص مثلا المعاريض في حال خوف الضرر من العدو أو استخدام المعاريض لأجل الألفة فيما بينه وبين زوجه أو استخدامها في حال السعي بالإصلاح فيما بين الناس إلى غير ذلك.
والمعاريض هي التورية وان يذكر الإنسان شيئا من الأشياء أو كلاما في ظاهره يقصد شيئا وهو في الحقيقة يقصد شيئا آخر غير الشيء المتبادر للذهن، بمعنى أن هذا الشيء له معنيان هنالك معنى ظاهر وهو الذي يفهمه السامع وهنالك معنى باطن وهو الذي يريده المتحدث، فالسامع يفهم المعنى الظاهر ويرضا بذلك والمتحدث يريد معنى آخر غير المعنى الظاهر فيخرج بذلك عن دائرة الكذب فهو لم يكذب لأنه صادق فيما قال إذ قصد احد المعنيين والسامع فهم معنى وهو قصد معنى آخر، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في رحلة الهجرة حينما كانا خائفين في حال تتبع قريش لهما فمر بهما رجل وكان يعرف أبا بكر فسأل أبا بكر من هذا الرجل الذي معك؟ فأبو بكر لا يستطيع أن يخبر بأنه رسول الله لأن هنالك من يتتبعهم ويسعى للإيقاع بهم والحصافة تقتضي أن يكتم هذا الأمر ولكنه ورّى استخدم المعاريض فقال: «هذا رجل يهديني السبيل» الرجل ظن النبي صلى الله عليه وسلم دليل يدله على الطريق العرب تسمي الطريق سبيلا وأبو بكر يقصد بأنه يهديه إلى سبيل الله وسبيل الخير فهو أراد شيئا وذلك الرجل فهم شيئا آخر.

كتمان سر العبادة

المسألة الرابعة: كتمان السر في العبادة وهو مما يؤمر به الإنسان أن يستتر في عباداته والستر في العبادة إنما يكون في العبادة التنفلية والطاعات وأما الفرائض فلا ستر فيها إذ لا غمة في فرائض الله، فالعبادات التي يؤديها الإنسان إما أن تكون فرائض واجبة عليه أو تكون نوافل يتقرب بها إلى الله، فإن كانت عبادات مفروضة فليس فيها ستر بل الأصل أن يؤديها الإنسان علانية لأنها شعار الإسلام ولأنها يميز بها بين الطائع والعاصي ولأن الإنسان إذا ما أظهر العبادة المفروضة حفظ نفسه من ورود التهم عليه فلا يتهم في دينه فيؤدي الصلاة في جماعة مع المسلمين صلاة الفريضة لأن هذا هو المأمور به في الشرع فلا يقول إن الإخلاص أن أؤدي في البيت وهو أنقى لنفسي من الرياء أن أؤديها في البيت أو لأجل أن لا يقول الناس عني أني مراءٍ إلى غير ذلك من الأعذار الباردة التي لا قيمة لها فهذه لا اعتبار لها لأن الشارع يأمرك بأن تؤدى هذه العبادة علانية فلتؤدها علانية إن داخلك شيء في نفسك من مراءات الناس فعليك أن تدفع، وان أعجبتك نفسك في شيء عليك أن تردها ولكن لا يدفع ذلك على أن تكتم هذه العبادات أو تخفيها. وهكذا ما يتعلق بالزكاة فهي عبادة مفترضة ليس فيها غمّة فيؤديها الإنسان بشكل علني لأن ذلك احفظ له من القالة وأمنع من أن تتطرق تهمة الإخلال إليه. وكذلك أمر صيام الفرض.
ومما يدخل في الإسرار أيضا عدم الشكاية في المرض فإن الإنسان مأمور أيضا بألا يشتكي في مرضه، بعض الناس تجد بأنه كثير الشكوى إذا ما أصيب بشيء من الأمراض يعلن عن ذلك ولا يبقي أحدا إلا يخبره.