أسباب الإخفاق وطرق المواجهة

إميل أمين – كاتب مصري –
لا يمكن إيجاد مقاربة فعالة لمواجهة الإرهاب بدون نوايا أممية صادقة لذلك، وليس اللعب على أوتار المتناقضات لتحقيق مصالح سياسية ضيقة تصب في خدمة الإيديولوجيات المتناحرة، وتبعد عن دوائر الابستمولوجيات المعرفية الرحبة.

كان من الطبيعي أن يطفو على السطح الأيام الماضية وبعد مذبحة مسجدي نيوزيلندا علامة استفهام حول ظاهرة الإرهاب، وطرق معالجتها، والإخفاقات التي تعترض هذا الطريق، فقد كانت المأساة الأخيرة من الهول بمكان أن زلزلت كل القناعات السابقة، تلك التي حاولت الترويج لفكرة نجاح الرؤى والآليات التي اتخذت في مسار القضاء على الإشكالية.
هل الإرهاب أو العنف ظاهرة جديدة في تاريخ البشرية؟
بالقطع لا، فالتاريخ يمتلئ بالحوادث ذات الملمح والملمس المغرق في الدماء، لكن غالبا ما كانت الحوادث فردية، غير متسلسلة أو مترابطة بفكر أو توجه، بدوجمائية أو ايديولوجية، وهذا هو الخطر الكبير في أبعاد الظاهرة الإرهابية الآنية.
على انه بداية يجد الباحث في شان الإشكالية حيرة كبرى في شأن تعريف الإرهاب، ذلك انه وحتى الساعة لا تزال الأمم المتحدة غير قادرة على تحديد مفهوم واضح وجلي يتفق عليه العالم برمته، فما يعتبر شكلا من اشكال المقاومة المسلحة للدفاع عن الأرض ضد اي احتلال عسكري، في أي بقعة أو رقعة حول الكرة الأرضية، هذا الشكل الذي يراه أصحابه نوعا من المقاومة المشروعة، نجد تيارا آخر يذهب الى انه ضرب من ضروب الإرهاب المقنع أو المختبئ خلف تيار سياسي أو توجه ديني أو إيماني بعينه، وعليه تبقى حالة الاضطراب قائمة، الأمر الذي يسمح في المستقبل بتسرب الكثير من الإرهابيين، كل يتدثر بثوب يراه مناسبا لما يسعى في طريقه.
هل نحن بداية أمام أزمة مفاهيمية حقيقية؟
المؤكد أن غياب الإجماع على تعريف جامع مانع لـ «الإرهاب»، هو جزء من أشكالية التعامل معه على المستوى الأمني، والإعلامي، والمجتمعي، وسبب رئيسي في خلق الأزمات داخل الدول المستهدفة واستغلال حدودها، والمناخات السياسية المحيطة بها، وفي الوقت نفسه ذلك الغياب الذي طال أمده بات يعد أحد عوامل بث الفرقة في لحمة المجتمع الواحد داخل المواطنة التي باتت بفعل الهجرة وتلاقح الثقافات والأعراق والنزوح كيانات متنوعة على المستوى الديني والاثني والثقافي.
الحديث عن الإخفاق في مواجهة الإرهاب قضية تحتاج الى كتب معمقة بذاتها وليس بعض السطور أو مقال بعينه، ولهذا ربما ينبغي ان نقسم المشهد مناطقيا، بمعنى المواجهة في أوروبا، ثم أمريكا، وأخيرا العالم العربي.
هل فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في القضاء على الإرهاب منذ الحادي عشر من سبتمبر وحتى الساعة؟
مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة كانت ولا تزال في مقدمة الدول الرافضة لتوصيف الإرهاب توصيفا دوليا متفق عليه، إذ أنها في الوقت الذي ترى فيه حركات تحرر الشعوب من ربقة الاستعمار حركات إرهابية، تزعم أن مغامراتها العسكرية ومؤامراتها الاستخبارية إنما تحمل معاني الحرية، وتدفع في سبيل الطهرانية الإيديولوجية، وتسعى لنشر الديمقراطية.
والمؤكد انه لا ينبغي لأحد أن يحاول هش الذباب بمطرقة فولاذية، ولكن هذا هو ما فعلته الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، والمطرقة شيء ثقيل جدا يستخدم عادة في تكسير الأشياء الصلبة التي يصعب تحريكها من مكانها وتعوق الطريق نحو التقدم، لكنها لا تفلح في التعامل مع القضايا غير المرئية.
هل أدرك بعض عقلاء أمريكا لهذا التناقض الجوهري في المواجهة؟
الشاهد أن هناك أكثر من تقرير تم رفعه الى الكونجرس الأمريكي يشير الى الحاجة لمواجهة هيكلية حقيقية للعنف المستشري، لا الى قرارات فوقية عاطفية، تحفز على الجانب المغاير ردات فعل تدخل أمريكا في دائرة مفرغة من العنف والثارات التي لا معنى لها ولا طائل من ورائها.
والمؤكد أن الإرهاب في الداخل الأمريكي ليس نوعا واحدا، بل هو درجات متفاوتة، وان كان التركيز كله قد تمحور حول الإرهاب الذي اطلق عليه الإسلامي، وبات ومن أسف كل مسلم إرهابي أو مشروع إرهابي في أفضل الأحوال، ومن هنا كان الخطأ الأكبر الذي سعت الولايات المتحدة في طريقه. الذين عندهم علم من كتاب يدركون انه وقبل حادث برج التجارة العالمي الأول الذي جرى في العام 1993 كانت جل الأموال الأمريكية المخصصة لمكافحة الإرهاب موجهة لمقابلة التيار اليميني العنصري الذي يستشري خطره بدرجة باتت تهدد وحدة الاتحاد الفيدرالي الأمريكي دفعة واحدة من جراء دعوات التفكيك والانفصال تارة، وإحياء مشاعر العنصرية ضد الأمريكيين المغايرين في اللون أو العرق، بل في التوجه السياسي، وقد رأينا قيام بعض الأمريكيين من أصول الواسب «اي البيض الانجلوساكسون البروتستانت»، بإحراق كنائس للأمريكيين من أصول افريقية في بعض ولايات الجنوب الأمريكي.
أغمضت الإدارات الأمريكية المتعاقبة أعينها عن هذا النوع من الأخطار الإرهابية العنصرية في الداخل الأمريكي، وانقادت في واقع الأمر وراء الصيحات الزاعقة التي رأت ولا تزال في المسلمين الخطر الأكبر، وعوضا عن تحديد أبعاد الإشكالية بصورة عقلانية، اندفعت عاطفيا ومنذ زمن بوش الابن الى طريق الحروب والغزوات التي أججت ومن جديد الصراعات التاريخية والمذهبية حول العالم، ولأن واشنطن اليوم هي روما العصر مالئة الدنيا وشاغلة الناس، لذا فإنها كانت المثال الذي مضى على هديه الكثيرون ولهذا لم يكن من الغريب أو المثير أن يضحى نموذج اليمين الأمريكي المتطرف، هو القدوة والمثال للنظير الأوروبي، ولم يكن من المستغرب بالمرة أن يمضي ستيف بانون رجل ترامب والمستشار المحبوب والمرغوب للجماعات الشعبوية الأمريكية الى الداخل الأوروبي، بهدف تشكيل تيار جديد داخل أوروبا العلمانية، وأن اخفق لاحقا في مهمته، ربما لأن الأوروبيين حتى الساعة مستمسكين بمبادئ وأبجديات التنوير الحقيقي الذي نشأ وارتقى على أراضيهم.
والثابت انه إذا انتقلنا الى الجانب الأوروبي سوف نشهد إرهابا مزدوجا بدت أوروبا حائرة في التعاطي معه حتى الساعة، ومن الصعب بمكان تحديد من سبق الآخر، ففي مواجهة الجماعات الداعشية والقاعدية، بدا هناك نمط من المجموعات اليمينية الأصولية التي تتصاعد اليوم دعواتها السياسية الخاصة بطرد الأجانب من البلاد وتحميلهم كل الشرور والإخفاقات التي تجري داخل أوروبا.
لم يتوقف احد بعقلانية أمام التبادلية المثيرة للجدل، فالتيار اليميني الأوروبي يرى انه صاحب حق في الدفاع عن بلاده وثقافته، والتيار الراديكالي لديه ملفاته وذرائعه التاريخية تجاه أوروبا المحتل في الزمن القريب، وربما البعيد أيضا.
ليس سرا أن الأوروبيين في السنوات الأخيرة أمام تضاد مخيف بين جماعات مختلفة، واحدة تطالب بعودة الأندلس، وأخرى تستدعي شارل مارتل من بطون التاريخ، وإعادة إحياء ذكريات مؤلمة لا تؤجج إلا الاضطرابات ولا تسمح بحياة إنسانية واحدة، أو تعايش مشترك إنساني يقفز على حواجز المثالب التاريخية التي كانت، والجميع يدرك من الجانبين ان العزف على الأوتار المؤلمة لن يولد إلا المزيد من الألم المترجم في صورة إرهاب متفاقم ومن دون ضوء في نهاية النفق بحال من الأحوال.
هل ننتقل الى الشرق الأوسط والعالم العربي؟
قصة الإرهاب هنا معقدة للغاية، تاريخيا وآنيا، وفي حاجة الى فك خيوط الاشتباك بشكل عقلاني كذلك، سيما وان ما جرى على الأراضي العربية والإسلامية يمكن إرجاعه الى حالة من حالات الانسداد التاريخي، حيث توقفت الأمة عن الاجتهاد، ومن هنا بدأت الدعوات الرجعية تحتل مربعات القوة وتستأثر بنقاط النفوذ، وتصل الى العقول غير الناضجة لتجعل منها أسلحتها الفتاكة في مواجهة الآخر. لكن توصيف أزمة الإرهاب في منطقتنا العربية والشرق أوسطية على هذا المنوال وكفى، لهو أمر معيب، ذلك أن هناك بعد آخر لابد من الإشارة إليه والوقوف أمامه طويلا، سيما وان الإرهاب تصاعدت وتيرته منذ خمسينات القرن الماضي.
بدا المشهد في خمسينات القرن الماضي عندما دعم الأمريكيون بعض التيارات بتلاعب واضح وفاضح، من اجل مواجهة الشيوعية، وقطع الطريق علي وصولها للمياه الدافئة في المتوسط، عطفا على آبار النفط في الخليج العربي.
لاحقا كان هناك من يدعم المجاهدين من الشباب العربي المسلم في أفغانستان بحجة مواجهة الزحف الشيوعي، ولم يكن يدر بخلد الذين استقبلوا جماعات طالبان في البيت الأبيض بوصفهم «المقاتلون الأحرار»، في زمن رونالد ريجان، انه سيأتي يوم يقوم فيه هؤلاء واتباعهم بإحداث أكبر عمل إرهابي في تاريخ البلاد.
مهما يكن من أمر فإن السؤال الحقيقي بأن يتوقف العالم أمامه ليقدم جوابا شافيا وافيا: ما هي انفع وارفع الطرق لمجابهة الإرهاب ومواجهته؟
لا نملك القول بحيازة الجواب عن السؤال المتقدم، وفلسفيا طرح الأسئلة اهم من الإجابات، فالأخيرة تأخذنا ربما في سياق ونطاق إيديولوجي محدود بعينه، في حين أن علامات استفهام تدعو العالم للتفكر والتدبر الحصيفين في الحال والاستقبال.
غير انه يمكننا الإشارة وفي اختصار غير مخل الى ركيزتين جوهريتين يمكنهما ان يساعدا بشكل فاعل ومؤثر في تغيير دفة الأحداث الإرهابية: التعليم والإعلام.
أما التعليم فهو اللبنة الأولى التي تجعل من الآخر شريكا على الأرض في كافة مناحي الحياة، وبديهي القول كذلك أن التعليم المجابه للإرهاب يحتاج الى تنقية كتب ومراجع التلقين التي تملا الرؤوس بأفكار خطيرة مثل تلك التي آمن بها «تارانت» سفاح مدينة «كريست تشيرش» في نيوزيلندا، ورؤيته للمهاجرين بأنهم غزاة لبلاده، وخاطفون لثروات الغرب.فيما الإعلام قادر اليوم أن يعمق المودات أو ينشر الكراهيات والعصبيات، ولم تعد وسائل الإعلام التقليدية القديمة شيئا بجانب وسائط التواصل الاجتماعي العصرانية تلك التي حولت العالم الى ما هو اصغر من قرية، وباتت هناك حاجة الى تشريعات دولية وإقليمية ومحلية لمواجهة ترويج العنف عبرها، وإنتاج أجيال بشرية منسوخة ومشوهة، يعتقد أصحابها ان الحرب والعنف قدر مقدور في زمن منظور.
لا يمكن إيجاد مقاربة فعالة لمواجهة الإرهاب بدون نوايا أممية صادقة لذلك، وليس اللعب على أوتار المتناقضات لتحقيق مصالح سياسية ضيقة تصب في خدمة الإيديولوجيات المتناحرة، وتبعد عن دوائر الابستمولوجيات المعرفية الرحبة.
لا يحسبن احد فردا أو دولة، جماعة أو مؤسسة انه بعيد عن دائرة الخطر.. الحوار والجوار هما الحل.