ازدواجية المعايير.. والتوظيف السياسي!

أحمد صلاح الدين –
ازدواجية المعايير ذاتها والتوظيف السياسي للإرهاب تجلى في أوضح صوره كذلك في ردود الفعل الغربية تجاه أعمال إرهابية مشينة تجاه دول بعينها ويظهر الفارق عند مقارنتها بما يحدث في الدول الغربية

بعيدا عن ضربات «الذئاب المنفردة» المفاجئة والمباغتة لا تزال حياة المدنيين الأبرياء عرضة لمخاطر جسيمة جراء ما يمكن تسميته بالإرهاب «المؤسسي» الذي تمارسه مجموعات إرهابية منظمة تحظى بدعم مالي ضخم ومساعدات لوجستية هائلة تطيل من أمد تلك الظاهرة الخطيرة على الصعيد العالمي.
في البيان الختامي لأعمال اللجنة المشتركة التي استضافتها السلطنة قبل أيام قليلة، جدد الجانبان العماني والمصري رفضهما للتطرف والإرهاب بكافة صورة وأشكاله وأيًا كانت مبرراته ودوافعه ووسائله وعلى أهمية تضافر الجهود الإقليمية والدولية لمواجهة ظاهرة الإرهاب. وبرغم أن البيان تضمن نقاطا عديدة عن التعاون المشترك بين الدولتين الشقيقتين إلا أن تلك المسألة على وجه التحديد تحمل أهمية خاصة استشعارا لحجم المخاطر المترتبة على الإرهاب وتداعياته السلبية الكثيرة إقليميا ودوليا، وبرغم انحسار الجماعات والتنظيمات الإرهابية في الفترة الأخيرة نتيجة الهزائم المتتالية التي مني بها تنظيم داعش وبعض الجماعات المرتبطة به وكذلك نتيجة للنجاحات المتلاحقة للقوات المسلحة المصرية في توجيه ضربات قاصمة للإرهابيين في شبه جزيرة سيناء وتحجيمهم في نطاقات ضيقة للغاية، إلا أن القضاء على الإرهاب واقتلاعه من جذوره لا يزال في الغالب حلما بعيد المنال، وذلك لأسباب تتعلق بسياسات داخلية لبعض الدول وكذلك لخلل جسيم في التعامل الدولي مع تلك الظاهرة الخطيرة التي تحتاج بالفعل إلى تضافر الجهود الدولية وبذل جهودا ضخمة ومنسقة، لا يزال الكثير منها مفقودا حتى الآن.
وعودة إلى البيان العماني المصري والجزء الخاص منه برفض الإرهاب وضرورة مكافحته بشتى السبل لنجد أن الجمل القليلة التي تضمنها البيان قد حملت مدلولات عميقة عندما أكدت رفض الإرهاب بكافة صوره وأشكاله وأيا كانت دوافعه ومبرراته ووسائله وأهمية ذلك تكمن في أن العمليات الإرهابية باتت متلونة ومتنوعة ومتغيرة ولا تقف عند حد معين مع تعدد أشكالها وصورها ووسائلها، ومع التسليم بأن الإرهاب لا وطن ولا دين له فمن الطبيعي أن يكون التأكيد مجددا على رفض مبرراته وأسبابه لأن قتل الأبرياء تحت أي مسمى أمر لا يمكن قبوله أو تبريره.
ومن العناصر المهمة أيضا التي تضمنها البيان ربطه بين التطرف والإرهاب والتأكيد على رفضهما، وتلك نقطة في منتهى الذكاء والأهمية معا لأن التطرف المقرون بعمليات قتل أو ترويع باتت في حد ذاتها ممارسة واضحة للإرهاب الفردي والجماعي بقدر ما تمثل باعثا ومحفزا لارتكاب المزيد من الجرائم الإرهابية نتيجة إذكاء مشاعر الكراهية والشوفينية القومية في دول ليست بالقليلة. وتلك واحدة من الصعاب التي تعترض سبل مكافحة الإرهاب عالميا ضد تحديات أخرى بالقطع.
كان لافتا على سبيل المثال ردود فعل بعض الدول الغربية وفي القارة الأسترالية عقب حادث «كرايست تشيرش» المروع في نيوزيلندا الذي يتنافى وكل الأعراف الإنسانية والقيم والتعاليم الدينية من مشارق الأرض إلى مغاربها، وكان واضحا أن هذا الحادث من حوادث الكراهية التي تغذيها سياسات وتصرفات قومية ويمينية متطرفة حتى على الصعد الرسمية مثل الشعبوية والنازية الجديدة وغيرها من المناهج المتطرفة. فبدلا من إدانة مثل هذه الأحداث بشتى السبل وبذل كل ما هو ممكن للحد منها واقتلاع جذور الكراهية وتفكيك الجماعات اليمينية المتشددة، يفاجأ العالم بردود فعل على غرار خفض أعداد المهاجرين من دول بعينها بنسب كبيرة والعمل على طرد أعداد أخرى من المهاجرين المقيمين بالفعل أو تحجيم أعمالهم وأنشطتهم وفرض رقابة صارمة عليهم، وتلك سياسات أو ردود فعل غاية في الخطورة كونها ترسل رسائل لا تتفق والنهج المطلوب لاقتلاع الإرهاب ومحاصرة التطرف، وكأنها تقدم مظلة ثقافية وفكرية وكذلك سياسية لتبرير تلك التصرفات والأعمال الإرهابية..
تماما كبعض المسؤولين الذين يحملون مسؤولية هذه الأعمال للمهاجرين أنفسهم بزعم عدم قدرتهم على الإندماج في المجتمعات الجديدة أو ثقافتهم المختلفة التي يعتبرونها تهديدا لكيانهم القومي، في تعميم مرفوض ويصعب قبوله.
مثل تلك السياسات الحمائية التي تتبناها الولايات المتحدة والقوى الغربية هي بدون أدنى شك سبب من أسباب تمدد التطرف والإرهاب معا، فالسياسات الشعبوية التي يفرضها الرئيس الأمريكي ترامب على سبيل المثال وقادته في نهاية المطاف إلى الدخول في معركة حامية الوطيس لبناء جدار على حدود بلاده مع المكسيك للحد من تدفق المهاجرين واللاجئين من قبل السياسات الحمائية التي تبنتها دول الاتحاد الأوروبي لوقف تدفق المهاجرين واللاجئين من دول إفريقيا والشرق الأوسط عبر البحر المتوسط وتقديمها الخيارات الأمنية على أي برامج أو حلول أخرى، هي بشكل أو بآخر من شأنها أن تفرض نتائج سلبية في اتجاهين واضحين؛ الأول إذكاء الروح العنصرية وزرع الأفكار والتوجهات القومية المتطرفة وتصعيد خطاب الكراهية ضد المهاجرين والمغتربين المقيمين على أراضيها، والثاني إثارة استياء المهاجرين والمقيمين في الوقت ذاته جراء هذه المعاملات العنصرية، مما يصعد من احتمالات الصدام والتطرف والإرهاب من الجانبين.
وبالتأكيد ليس هناك من ينكر على أي دولة أو حكومة حقها في الدفاع عن أمنها القومي وتبني السياسات التي تكفل الحفاظ على وحدة وتماسك وتوازن المجتمعات، ولكن المؤسف أن مثل تلك السياسات والتصرفات تصدر عن دول تتشدق ليلا ونهارا بحقوق الإنسان في الحرية والديمقراطية والأمن والتنقل والعيش الكريم وفقا للقيم الكونية التي تشهرها باستمرار في وجه دول الجنوب، ولكنها تتمنع عن تطبيق ما تطالب به الآخرين، وتلك ازدواجية مرفوضة بكل تأكيد ومن شأنها أن تسفر عن العديد من النتائج والتداعيات السلبية، على رأس تلك التداعيات بروز المعايير المزدوجة في التعامل مع كثير من قضايا العالم ومن بينها بكل تأكيد قضية الإرهاب، بل وكذلك توظيف تلك الظاهرة الخطيرة سياسيا لخدمة مصالح خاصة وتحقيق مآرب ذاتية حتى ولو كان ذلك على حساب إزهاق أرواح الملايين من البشر وتفكيك وتدمير دول بأكملها كما هو الحال في أزمات سوريا والعراق وليبيا والأراضي الفلسطينية، فمن أبرز الصور الفجة لقضية المعايير المزدوجة في التعامل مع تلك الظاهرة على سبيل المثال لا الحصر اعتبار القوى الغربية النضال الفلسطيني للمطالبة بالحقوق المشروعة شكلا من أشكال الإرهاب بينما تصر على اعتبار الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة التي تعتبر بالفعل نهجا للإرهاب المؤسسي عملا مشروعا للدفاع عن النفس!!
ازدواجية المعايير ذاتها والتوظيف السياسي للإرهاب تجلى في أوضح صوره كذلك في ردود الفعل الغربية تجاه أعمال إرهابية مشينة تجاه دول بعينها ويظهر الفارق عند مقارنتها بما يحدث في الدول الغربية، وعلى سبيل المثال عندما وقعت أعمال إرهابية في السنوات القليلة الماضية في دول غربية مثل فرنسا وبلجيكا وبريطانيا توحد العالم بأكمله في إدانة مثل هذه الأعمال الإرهابية ووقفوا خلف الدول المنكوبة بهذه الأعمال باعتبارها ضحية للإرهاب، بينما في دولة بحجم مصر عندما وقعت عمليات إرهابية لا تخطئها العين على غرار حادث مسجد الروضة الذي تم خلاله قتل مئات المصلين الأبرياء، عوقبت مصر بقسوة بدلا من الوقوف إلى جوارها ومساندتها في مواجهة الإرهاب واتهمت الدولة المصرية بالتقصير وعدم حماية المدنيين، وبدلا من إدانة الجاني كانت الإدانة للضحية، في مشهد غريب ولكنه يعكس بشكل واضح ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع ظاهرة الإرهاب وحوادثها فضلا عن توظيفها لأغراض سياسية حسب مقتضى الحال.
تلك التوجهات تعد بالفعل من أخطر التحديات التي تعترض جهود محاربة الإرهاب، فأي حديث عن تصحيح الخطاب الديني والحد من حديث الكراهية ولجم التطرف لن تكون مؤثرة وفاعلة ما لم تقترن بسياسات عادلة على أرض الواقع تمنع المعايير المزدوجة وتحول دون توظيف الإرهاب سياسيا.