التحديات جدية والمعالجات غير واقعية

سعيد شلش –
وهناك شك كبير في تغيير الغرب لاستراتيجيته الداعمة لبعض هذه التنظيمات بعد أن رأينا على الشاشات قوافل داعش وهي تتحرك من منطقة إلى أخرى في العراق وسوريا في الوقت الذي تغطي فيه الأقمار الصناعية الغربية كل شبر على الأرض

عقب كل جريمة إرهابية تقع هنا أو هناك، تتعالى الأصوات منددة ومتوعدة بسحق الإرهابيين وتصفيتهم جسديا، وما هي إلا أسابيع قليلة وتقع جريمة إرهابية جديدة والضحايا بالعشرات وأحيانا بالمئات، وتتكرر من جديد صيحات التهديد والوعيد، لا الإرهاب توقف ولا المواجهات المسلحة نجحت في القضاء على التنظيمات الإرهابية، وهو ما بدا واضحا بصورة أكبر خلال الفترة من 2011 حتى وقوع مجزرة المسجدين في نيوزيلندا منتصف مارس الماضي، والتي راح ضحيتها 50 شخصا، وأصيب 50 أثناء تأديتهم صلاة الجمعة.
التحديات التي تواجه جهود مكافحة الإرهاب كبيرة ومتنوعة، وعلى رأسها مراجعة شاملة للتراث وتحديث الخطاب الديني.
لعل التحدي الأكبر هو التطور في تكتيكات القتال التي أصبحت تتتبعها التنظيمات الإرهابية، والتي تجمع بين تكتيكات حرب العصابات، وامتلاك قدرات تسليحية تقليدية كالدبابات والصواريخ والسيارات المجنزرة، وغيرها من الأسلحة التي كانت قاصرة فقط على الجيوش النظامية، بل إنها نجحت في استخدام الطائرات المسيرة بدون طيار وهو ما حدث أكثر من مرة في مناطق مختلفة في سوريا، واستهدفت قاعدة «حميميم» العسكرية الروسية في منتصف العام الماضي.
كما باتت الجماعات الإرهابية مطلعة على أحدث التطورات التكنولوجية ونجحت في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية في معركتها الإعلامية، وهو ما عبر عنه أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة بقوله: «نحن في معركة إعلامية من أجل السيطرة على عقول وقلوب أمتنا».
ومن هذا المنطلق تبذل هذه الجماعات جهدا كبيرا في تجنيد الشباب، وفتحت حسابات لها على مواقع التواصل الاجتماعي، وأصدرت مجلات إلكترونية مثل مجلة «دابق» الداعشية، واستخدمت موقع «اليوتيوب» في نشر الفيديوهات التي ترى في ترويجها خدمة لمخططاتها سواء من خلال إبراز عمليات الذبح والحرق التي تتم بوحشية بهدف بث الذعر في قلوب الناس في المناطق التي يسيطرون عليها، أو من خلال عمليات تجنيد الشباب وهو ما أدى إلى نجاحها في تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين.
نجاح هذه التنظيمات في تجنيد الشباب من خلال الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، دفع حكومات بعض دول المنطقة والعالم للطلب من «تويتر» حذف حسابات المجموعات الإرهابية، وقد استجابت إدارة «تويتر» بالفعل وحذفت حوالي 1.2 مليون حساب، في الفترة من 2015 حتى2017. ولا شك أن احتضان بعض الدول لهذه التنظيمات، جعل بعض القنوات التلفزيونية والصحف تلعب دورا داعما لهذه الجماعات من خلال الترويج لأنشطتها وإجراء حوارات مع قادتها.
البروفيسور «برنارشوفينيه» الأستاذ في معهد علم النفس في جامعة ليون الفرنسية، يثير في كتابه «المتعصبون جنون الإيمان»، تحديا لا يقل خطورة عن التحديات السابقة، ويتمثل في: «نوع من أنواع التعصب أسماه «التعصب الخاص»، أو«الذئاب المنفردة»، وهو نوع من التعصب المغاير للتعصب العام، أو التعصب الجمعي.
ويؤكد شوفينيه أن هذا النوع من التعصب يقوم الفرد بحل مشكلاته النفسية من خلال بث الرعب في محيطه.
هذا المتعصب الخاص الجديد رأيناه في شوارع فرنسا وألمانيا وبروكسل، وهو يتمركز كلياً حول ذاته، ويسقط عنفه الداخلي الذي يعجز عن معالجته وضبطه بنفسه على القريبين منه، وحجته في هذا تتلخص على النحو الآتي: «بما أن الآخرين لا يفهمونني، وبما أنهم يضطهدونني ويدفعونني إلى أقصى الحدود، فسأحقق رغبتهم بشطب نفسي من هذا الكوكب، لكن عليهم أيضاً أن يدفعوا ثمن ذلك دماً ودموعاً المتعصب الخاص، هو شخص لا ينتمي لأي مجموعة إلا إلى نفسه، فهو مجموعة بمفرده، والقضية التي يدافع عنها هي قضية شهرته المستقبلية بوصفه فرداً، لكن إذا تعمقنا في الآليات النفسية الكامنة خلف البواعث الواعية، نجد هذه التصرفات تعبيراً عن ضيق حقيقي، ونتيجة إهمال إنساني متعمد، وحصاد رفض اجتماعي، وقع ضحيته هذا النمط من المنحرفين المتعصبين.
يقدم شوفينيه صيغتين للعمل على مجابهة الإرهاب: «الوقاية والقمع»، ويؤكد على أن القمع من دون الوقاية يعزز التعصب لأنه ينشئ في المقابل تعصباً دولياً أسوأ بكثير، كما بين لنا التاريخ من حيث شراسته واتساعه من العنف الذي كان ينبغي علينا القضاء عليه في البداية التعصب كذلك «مرض يصيب النفس» التي يجب دراستها منذ نشوئها، وقد تكون التربية وإقامة المؤسسات المرنة والتشاركية أفضل اللقاحات لاتقاء الفيروس التعصبي.
وأمام هذا الحجم من التحديات، لا فائدة من اعتماد الحل الأمني وحده كأداة فعالة لمواجهة التنظيمات الإرهابية، لأننا بهذا نعالج «العرض» وليس «المرض»، المطلوب تنقية كتب التراث ووقف التحريض الطائفي والمذهبي، ومنع بث سموم الفتنة التي تدعو إلى الكراهية ورفض الآخر، وعدم الخلط بين الدين والسياسة، وتنقية المناهج التعليمية من «المحتوى» الذي يكفر بعض أصحاب المذاهب والديانات الأخرى، ومنع ظهور رجال الدين الذين يحرضون على القتل على شاشات الفضائيات، ووقف القنوات التي تحرض على العنف.
الإرهابي الذي يفجر نفسه، هو الحلقة الأضعف- مجرد أداة- يستخدمها زعماء هذه التنظيمات، فالموت لا يردع الإرهابي فهو يريد أن يموت لأنه سمع من يفتي بأن تفجير جسده بحزام ناسف أو سيارة مفخخة في أجساد الأبرياء، سيجعله شهيدا وسيضمن له الجنة الموعودة، وستكون الحوريات في انتظاره!
ولن يتحقق هذا كله، إلا إذا توافرت نية صادقة لدى حكومات الدول التي تعاني من الإرهاب، بضرورة وضع إستراتيجية فعالة لمواجهة الإرهاب، وأن تدرك القوى الكبرى التي تؤوي وتدعم هذه الجماعات أن النار ستلحقها وهو ما يحدث بالفعل من خلال التفجيرات التي تقع في الكثير من الدول الأوروبية، ولن تكون مجزرة المسجدين التي ارتكبها متطرف يميني استرالي في نيوزيلندا منتصف مارس الجاري هي الأخيرة.
وهناك شك كبير في تغيير الغرب لاستراتيجيته الداعمة لبعض هذه التنظيمات بعد أن رأينا على الشاشات قوافل داعش وهي تتحرك من منطقة إلى أخرى في العراق وسوريا في الوقت الذي تغطي فيه الأقمار الصناعية الغربية كل شبر على الأرض، بل إنها تتحرك أمام أعين القوات الأمريكية الموجودة في منطقة شرق الفرات. النقطة الأخرى، على أي أساس تصنف أمريكا ودول الغرب هذه الجماعة أو تلك بأنها إرهابية أو غير إرهابية، بل إن أمريكا نفسها التي دمرت أفغانستان بحجة القضاء على القاعدة وطالبان، تجتمع في جولات مفاوضات متواصلة مع وفد طالبان التي باتت تسيطر على حوالي60% من أرض أفغانستان، بهدف التنسيق لكيفية انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان خلال الفترة المقبلة.