اليوم العالمي للمياه .. الإسـلام شـدد على المحـافظـــة عليها وترشيد استهلاكها

نعمة الماء –
د. سعيد بن سليمان الوائلي – كلية العلوم الشرعية – مسقط –

كلمة (نعمة) تدفعنا لأن نذكر المنعم المتفضل، فإن أيّ نعمة في الوجود ظهرت أم خفيت، كبرت أم صغرت، هي مما تفضل الله به من النعم، وهو سبحانه واسع الفضل عظيم الإنعام، يقول عز وجل: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ) «النحل: 53»، ويقول سبحانه: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) «لقمان: 20».. ونعم الله علينا كثيرة وعديدة فوق العد وأبلغ من الحصر وأوسع من الفكر، (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) «إبراهيم: 34»، (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) «النحل: 18».

والماء من هذه النعم التي أكرمنا الله بها وتفضل بها علينا كرما وإنعاما، ومن جوده وكرمه أن جعله أساس الحياة ومن مقومات الوجود، فقد قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) «الأنبياء: 30».
هذه المياه نعمة من الكريم المنان، على اختلاف صورها وأشكالها، فهي نعمة عند نزولها من السماء في صورة أمطار الغيث، وهي نعمة عند جريانها في الأرض وعلى الأرض، فالأمطار والأودية، والأنهار والآبار، والبحار والمحيطات، والينابيع والعيون، وما كان في جوف الأرض من أحواض مائية أو على سطح الأرض من برك، كل ذلك من نعمة الله تعالى، وهو القائل في محكم التنزيل: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ) «الزمر: 21».
وبجانب ذلك نجد من نصوص القرآن الكريم ما يذكرنا بنعمة الله علينا في إنزال الماء من السماء وتحقيق الرزق المتنوع به على الأرض، ليكون به قوام الحياة، من مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) «فاطر: 3»، وفي موضع آخر يقول سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا) «فاطر: 27»، وهذا التذكير بالنعمة ينبغي أن يكون له ما له من آثار في واقع الحياة، بل يجب علينا أن نستشعر عظمة النعمة وكرم المنعم بها.
ويتكرر التذكير بهذه النعمة وما يرتبط بها في حياة الناس، ويجعل الله تعالى في ذلك آيات مذكرات وواعظات، مثل قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) «الأنعام: 99»، وقوله عز وجل: (وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) «النحل: 65».
فمن النعم الربانية إنزال المطر غيثاً للعباد وإحياءً للبلاد وتفاعلا في الحياة، وإذا تفكرنا في الآيات السابقة لوجدنا أن الله عزّ وجلّ يقرن نعمة خلق الناس وإنشائهم، ونعمة إحياء الأرض بإنزال الغيث عليهم.. فانظروا إلى قول الله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً) «البقرة: 22»، هذا بعد قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
يحس الإنسان بهذه النعمة العظيمة عندما يرى الأرض الهامدة المتعطشة لبوادر الحياة، تهتز وتنتعش بنزول الماء عليها.
يشعر بعظم النعمة عندما تقل في يده المياه وهو بحاجة إليها، فيدفع لحصول الماء ما بيده من الأموال. بل يشعر بأهمية الماء عندما يتفكر في مشاهد الحياة أمام عينيه وهي مفتقرة إلى الماء لتحيى به وتستمر في الوجود.
إن التفكر في هذا الربط الوثيق في آي الذكر الحكيم بين نعمتي إنزال الغيث وإيجاد الإنسان، ليزيد المؤمن إيماناً مع إيمانه، كما يزيده ثباتاً وقوة في يقينه.. حيث يدرك إدراكاً يقينياً أن الله تعالى هو الخالق الموجد لا خالق غيره ولا مبدع للكون سواه، ولا رازق للخلق من السماء والأرض غيره، قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) «الواقعة: 68-70»، ولذلك جاء في الأثر المروي: أنه كان إذا شرب الماء قال: «الحمد لله الذي جعله عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا».
وإنما يمنع الناس من استشعار النعمة والشعور بها وعدم ذكرها وتذاكرها وعدم التوجه لشكر الله تعالى عليها: ما هم عليه من غفلة وألفة، وكثيرا ما تذهب الألفة بأهمية الشيء وقيمته، فتسيطر الغفلة على القلب عن التذكر والشكر، والله المستعان.
من أجل ذلك، نقول إن هذه النعمة العظيمة يجب أن تقابل بشكر الله عليها، ومعنى ذلك لا يكون، كما لا يكون بكفران النعمة والتنكر عليها، (وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) «البقرة: 211»
لم لا يكون الشكر بالذكر والخشوع والتذلل لله المنعم بالماء الذي يحيي الأرض بعد موتها، والعمل على الانتفاع برزق الله وتوظيفه في الخير وما يصلح الحياة.
كل ذلك مع إدراك أن الشكر يزيد، وأن الكفر يزيلها ويذهب بها، (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد).
وأقل شيء في الشكر أن لا تستخدم النعمة في معصية، فلا يعصى بها المنعم فإن ذلك من كفر النعمة، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) «إبراهيم: 28».
ومن مظاهر العصيان لله تعالى بنعمة الماء: الإسراف فيه وتضييعه فيما لا فائدة فيه، فالإسراف في استخدام الماء، في الغسل والتغسيل، وفي المناسبات العامة، وفي الوضوء عند القيام للصلوات، فيه ما فيه من تضييع لهذه النعمة الكريمة.
ويأتي التهاون أكثر من قبل الناس عندما يستخدمون مياه المساجد والمرافق العامة، باعتبار أنها معفو عنها وغير مدفوعة الأجر والقيمة من قبل من يستخدمها، مع أن النهي ورد صريحا عن الإسراف في حال الوضوء، ولنا أن نقف عند تلك النصوص، حيث جاء في رواية عن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف. فقال سعد: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم وإن كنت على نهر جار. ومع ما قيل في ثبوت الرواية إلا أنها تظهر لنا بعدا حضاريا في استعمال الماء في حال التقرب إلى المولى عز وجل، وكان من يستعمله على النهر الجاري الذي يأمن منه نضوبه ونفاذه.. بما يكون في ذلك دعوة إلى الترشيد والاقتصاد في استخدامه.
ومن تلك النصوص: ما جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء). ومما يروى أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم.
عندما نقف على مثل هذه النصوص نجد جانب التنفير من الإسراف في استخدام الماء ظاهرا بكل وضوح، ولا يقع الناس في سوء الاستعمال إلا بسبب غفلتهم عن معناها وما ترشد إليه، طبعا، هذا فضلا عن الآثار الناتجة عن الإسراف من إهدار النعمة وتأثرها بالنقص والزوال، والله المستعان.
وأقل ما يقال في ذلك أنها أمانة تحملناها، فهي أمانة من الله في أيدينا، وأمانة من الوطن نتعامل معها، وأمانة من المجتمع تهمنا، وأمانة من ولي الأمر في عاتقنا.. والأمانة ضمن مسؤوليتنا، ولا يغيب عن أذهاننا قول الله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) «الأحزاب: 72»
من أجل ذلك يجب أن يتعاون الجميع امتثالا لأمر الله تعالى في باب الإصلاح وعدم الفساد والإفساد، (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) «المائدة: 2»، فيتعاون المسلم مع أخيه المسلم في ما يصلح المجتمع في مقومات حياته المتعلقة بها كالماء الذي هو شريان الحياة، ولا يكون سببا للفساد في الأرض، فإن الله لا يحب الفساد ولا المفسدين، فلنكن لنعم الله من الشاكرين الذاكرين.