خطبة الجمعة: الإسراف في اسـتعمال الماء والإهـمال في حمايته ضرب من الفساد

الدعوة للمحافظة عليه والعناية بمصادره وسلوك مسالك الرشاد فيه –
يشرع للناس إذا أجدبت الأرض وغارت المياه أن يتوجهوا بالدعاء إلى الله راغبين ويلتجئوا إليه بالصلاة خاضعين –

تدعو خطبة الجمعة لهذا اليوم إلى المحافظة على المياه والعناية بمصادرها المختلفة، وسلوك مسالك الرشاد فيها، دون إسراف أو تبذير، ولا إهـمال في صونها ولا تقصير، حيث إن الإسراف في اسـتعمال الماء والعبث به، والإهـمال في حمايته، ضرب من الفساد، حاثة على استعمال وسائل الري الحديثة في البيوت والمؤسسات للحفاظ عليه من الهدر والضياع، مبينة: أنه يشرع للناس إذا أجدبت الأرض وغارت المياه أن يتوجهوا بالدعاء إلى الله راغبين، ويلتجئوا إليه بالصلاة خاضعين، يرجون رحمته، يلتمسون عفوه ومغفرته، والله سبحانه قد وجههم إلى ذلك وأرشدهم إليه.. وهنا نص الخطبة كاملا والتي جاءت تحت عنوان: «نعمة الماء.. سنن وواجبات»…

الحمد لله الذي (يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ)، (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالحكمة في اسـتعمال الماء، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، شرع لأمـته عند انقطاع الغيث الدعاء، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الشرفاء، ومن سار على نهجهم إلى يوم الجزاء.
أما بعد، فيا عباد الله:
اتقوا الله؛ فإن التقوى تجـلب الخيرات، وتفتح أبواب البركة من الأرض والسماوات (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، فاتقوا الله (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)، واعـلموا – وفقكم الله تعالى لمغفرته -، أن الماء سر الوجود، وأساس الحياة كما أخبر ربنا المعبود (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ)، فبوجود الماء تسعد الحياة وتنتشر البركات، وبانعدامه تنطفئ السعادة وتهـلك الكائنات، ووفرة الماء وقحطه أمر بيد الله تعالى، لا بيد غيره جل وعلا، فالله تعالى يقول: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ)، فنزول الماء بالبشرى صورة من صور رحمة الله بعباده، وقد يمسك رحـمته لحكمة لا يعـلمها سواه سبحانه، (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
أيها المؤمنون:
لا ريب أن تقلب الأحوال في البشر سنة إلهية، ومنهج رباني، يهدف إلى محاسبة الإنسان نفسه، والنظر في قدرة الله تعالى عليه، يقول الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ، فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فتقلب الأيام والزمان، والنعم في كل مكان، أمر يدعو إلى التفكر والنظر: (فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ)، ونعمة الماء مما نشاهد تقلبها مع مرور الأعوام، ونلتمس التغير في وفرتها وقلتها مع انصرام الأيام، وربنا جل وعلا يذكرنا بذلك فيقول: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ)، ونعم الله تعالى لا تتغير إلا بتغير أمر المنعم عليه، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ).
أيها المسلمون:
يشرع للناس إذا أجدبت الأرض وغارت المياه، أن يتوجهوا بالدعاء إلى الله راغبين، ويلتجئوا إليه بالصلاة خاضعين، يرجون رحمته، يلتمسون عفوه ومغفرته، والله سبحانه قد وجههم إلى ذلك وأرشدهم إليه، (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، وقد سن لنا النبي صلى الله عليه وسلم الخروج للاسـتسـقاء طلبا للغيث عند انقطاعه، فعن عبد الله بن زيد المازني – رضي الله عنه – قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى يسـتسـقي، واسـتقبل القبـلة، فصلى ركعتين، وقلب رداءه). وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: (أتى رجل أعرابي من أهـل البدو، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله، هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون. قال: فما خرجـنا من المسجد حتى مطرنا)، وفي هذين الأثرين دليل على أهمـية الاشتغال بالدعاء طلبا للغيث، واجـتهادا في نزوله، وعلى المرء ألا يحـتقر دعاءه، فالله تعالى قريب مجيب، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
عباد الله:
يقول ربنا جل وعلا: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)، فإذا أكرم الله تعالى الناس بنعمة الماء، بعد إلحاحهم وتضرعهم بالدعاء، وجب أن يجـتهدوا في المحافظة عليه، والعناية بمصادره المختلفة من مياه آبار وأفلاج وأودية وغيرها، وأن يسـلكوا مسالك الرشاد فيه، فلا إسراف ولا تبذير، ولا إهـمال في صونه ولا تقصير، فإن الإسراف في اسـتعمال الماء والعبث به، والإهـمال في حمايته، ضرب من الفساد، يقول سبحانه: (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)، وإن مما يصون نعمة الماء، شكر الله تعالى المسـتمر عليها؛ فدوام الشكر إيذان للنعم بدوامها، (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)، أما كفر النعم كاستعمالها في المحرمات، أو اسـتقبال مجيئها بالمنكرات، أو الاسـتهـتار في هدرها دون النظر إلى العواقب الوخيمات، ينبئ عن ذهابها وعدم ظهور أثر خيرها، (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)، والله جل وعلا يصون الناس من العذاب إن وافقوا مبدأ الشكر له تعالى، (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا).
فاتقوا الله – عباد الله -، وحافظوا على نعمة الماء، فإن فقدها إرهاق وعناء، وغورها إزهاق للحياة وشقاء، وأديموا الشكر على جميع النعم لرب الأرض والسماء.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.
*** *** ***
الحمد لله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا رسول الله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحـبه ومن والاه.
أما بعد، فيا عباد الله:
اعـلموا أن المحافظة على نعمة الماء أمر لا يقف عند حد، ولا يبـقى حبيس فكر واحد، بل التعاون فيه أمر إلهي، والمساهمة به مطـلب شرعي، يقول الله العلي: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، ولذا فإنه مع تطور الحياة في الأرض ورقيها، واسـتمرار التـقدم في جميع أرجائها، يبدع المبدعون في اسـتخراج وسائل تعين على حفظ النعم فيها، وينبغي أن يلتفت الناس اليوم إلى جديد هذه الوسائل، وأن يثابروا في ابـتكار ما يدفع عجلة الحماية لهذه النعمة العظيمة، ومما يشار إليه من هذه الطرق، وسائل الري الحديثة مثلا، فقد أضحى اسـتعمالها صورة حية سهـلت على الناس حفظ المياه من الهدر والضياع، كما أن استعمال وسائل تقنية الترشيد في البيوت والمؤسسات يعد أمرا مهما ينبغي الاهـتمام به، والاجـتهاد في توفيره، وتجدر الإشارة كذلك إلى أهمـية أن تسـتغل المياه المسـتخدمة في بعض الأعمال كالوضوء ونحوه في سقي المزروعات والمسطحات، فذلك خير من إهـدارها، والحكمة ضالة المؤمن؛ أنى وجدها فهو أحق بها، (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ).
فاتقوا الله – عباد الله -، احرصوا كل الحرص على حفظ نعمة الماء في حياتكم، واجـتهدوا في شكرها يلطف الله بكم، وتدم لكم النعمة من الله ربـكم .
هذا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين، وقائد الغر المحجلين، فقد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في محكم كتابه حيث قال عز قائلا عليما: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ووحد اللهم صفوفهم، وأجمع كلمتهم على الحق، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين.
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين.
اللهم ربنا احفظ أوطاننا وأعز سلطاننا وأيده بالحق وأيد به الحق يا رب العالمين، اللهم أسبغ عليه نعمتك، وأيده بنور حكمتك، وسدده بتوفيقك، واحفظه بعين رعايتك.
اللهم أنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من خيرات الأرض، وبارك لنا في ثمارنا وزروعنا وكل أرزاقنا يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.
عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).