الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي وسيلة أم غاية؟

د. عبد العاطى محمد –

من واقع التجارب التاريخية لا نجد شعبا وضع قدميه على طريق التقدم والمكانة والرفاهية إلا وقد تحقق له أولا نجاحا متواصلا أو مستديما في مجالين اثنين هما الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي. وبالمقابل لا نجد شعبا يعانى من التخلف وبؤس العيش وفقدان المكانة إلا وقد فشل أولا في تحقيق هذين المطلبين، واستنتاجا فإن هذا يعنى أنهما معا وسيلة وليس غاية.
والفائزون في منطقتنا العربية هم من أدركوا هذه الحقيقة منذ وقت مبكر وعملوا بها، مما وضعهم على طريق التقدم والرفاهية، بينما الخاسرون هم من أضاعوا الوقت والجهد دون نتيجة، بحثا عن هذا الاستقرار والازدهار باعتبارهما غاية دائما وليس وسيلة.
ليست هذه مقدمة مغرقة في الفلسفة تذكرنا بالجدل القديم الجديد، أيهما يأتي أولا البيضة أم الدجاجة؟!، وإنما هي ملاحظة من الواقع شديدة الصلة بأسباب التقدم والتخلف في منطقتنا العربية على وجه الخصوص، ولإيضاحها بصورة أدق تكفي النظرة لمسيرة الشعوب التي تجاوزت هذه الإشكالية: هل تم التعامل مع الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي من جانبهم على أنهما مجرد وسيلة تنقلهم إلى غاية عريضة هي الأمان والرفاهية والمكانة المرموقة بين الشعوب الأخرى، أم اعتبروهما غاية تم بذل الغالي والنفيس من أجلهما. وفي حالتنا العربية هل لنا أن نتساءل، لا يهم أن نغرق في الخلافات السياسية والاقتصادية والثقافية طالما أننا نبحث عن كليهما؟، وإذا ما وصلنا إلى ذلك نكون قد حققنا المراد ووضعنا أقدامنا على طريق التقدم والرفاهية.
ما يدعونا إلى الاهتمام بهذه القضية أنها سؤال مطروح دائما على العقل العربي، مع أنه لم يعد كذلك بالنسبة لغيرنا من الشعوب التي تجاوزت مرحلة التخلف منذ زمن بعيد ولا حتى بالنسبة لمن يدرجون اليوم في قائمة شعوب الدول الناشئة، والغريب أنه بالنسبة لكثيرين لا يثير أزمة برغم ما هو ملحوظ من تراجع في قدراتها على الاندماج في العصر وركوب قاطرة التقدم، كما أنه مناسبة صباح مساء للاستمرار في جدل عقيم وتعميق الانقسام الفكري ثم السياسي.
تجارب الناجحين من غيرنا كعرب سواء منذ الماضي البعيد أو الحاضر القريب تشير إلى أنهم تعاملوا مع الاستقرار والازدهار كوسيلة إلى التقدم وليس كغاية. صحيح جدا أن كليهما كان تحديا في البداية، وجرى بذل الجهد وربما أيضا الدماء من أجل تحقيقهما. ولكن هذا العمل كان ضرورة وليس غاية في حد ذاته، والدليل على ذلك أنه تم تجاوز مشكلاته على وجه السرعة بأقل الخسائر، وما شهد تضحيات كبرى أعطى درسا مهما لمن تعرضوا لها، هو ألا يعودوا للجدل حوله بالمرة وعليهم النظر سريعا للمستقبل، وفي الحالتين لا يعد الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي غاية بل وسيلة إلى غاية أكبر هى التقدم والأمان والرفاهية والمكانة.
لقد دفعت أوروبا الغربية ثمنا باهظا على مدى مئات السنين لكي تقف على ما ترتضيه كمعنى ومتطلبات للمقصود بالاستقرار والازدهار، وعندما استقرت على فهم معين لذلك قطعت تماما أي طريق للجدل حول هذا المعنى وتلك المتطلبات، وبنت على ذلك نهضتها في كل الميادين. ومرت الولايات المتحدة بتجربة مشابهة وأضافت عليها المزيد من الوضوح فيما يتعلق بالمقصود من الاستقرار والازدهار، فباتت قوة عظمى، بل وأصبحت أرض الأحلام لكل الشعوب!. والصين بعد ماضي طويل مع التخلف والصراع الداخلي استيقظت على نفس الحقيقة، وهى عدم الوقوف طويلا عند هذه القضية وحسمت أمرها – حتى ولو بالإكراه – بأن وفرت لنفسها الاستقرار والازدهار الاقتصادي السريعين فكانت بذلك القوة العظمى التي تنافس الولايات المتحدة والمقدر لها أن تكون القوة العظمى الأولى في العالم مع العام 2030!
وروسيا بوتين سارت على الطريق نففسه وبدأت تستعيد مكانة وقوة الاتحاد السوفيتي السابق. ودول أخرى ناشئة تبحث عن مشاركة للكبار مثل الهند وباكستان وتركيا وجنوب إفريقيا لم تضيع وقتا طويلا بلا نهاية في مسألة التعامل مع الاستقرار والازدهار على أنه وسيلة أم غاية وقررت أن يكون كلاهما مجرد وسيلة للغاية الأكبر وهي التقدم والرفاهية والأمان والمكانة.
الخلط الذي يربك العقل العربي في هذا الموضوع نتج عن بعض الحقائق التي لا يمكن إنكارها، وإن كان ذلك لا ينفي أننا في منطقتنا العربية مسؤولون عن خطأ التعامل معه لأسباب تخصنا سياسيا وثقافيا واقتصاديا. ومن هذه الحقائق أولا أننا لو نظرنا إلى الشعوب المتقدمة سنلحظ على الفور أنها مستقرة سياسيا ومزدهرة اقتصاديا، ولذلك نقفز سريعا إلى تأكيد مقولة إن هذا وذاك هو غاية المراد في مسيرة الشعوب في النهوض بحياتها، أي أن هذه الشعوب كل همها هو أنها تسعى إلى تحقيق كل منهما، مع أن واقع الحال يقول أنه من الطبيعي لشعوب كهذه تنعم بالرفاهية والأمان على مدى زمني طويل أن تكون مستقرة سياسيا ومزدهرة اقتصاديا. ومن هذه الحقائق ثانيا أن هذه الشعوب تجاوزت لها تجارب متنوعة خاضتها لحسم مسألة الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي منذ زمن، وهذا التنوع يجعل العقل العربي حائرا في اختيار الشكل والوسيلة التي تحقق كل منهما. هل يأخذ بتجربة هذا الشعب أم غيره؟، وينسى أن كلها تجارب خاصة كل حسب ظروف وثقافة كل شعب، وليس هناك نموذجا واحدا يتعين إتباعه بما فيه التجربة الغربية التي يتشدق بها أصحابها، لأن المهم في الأمر هو رضا الشعوب عن حالها السياسي وطريقها في استثمار مواردها لتحقيق الرفاهية.
قطعا هناك معايير توصلت إليها البشرية عبر التاريخ الطويل، وقطعا تراعيها كل الشعوب باعتبارها مشتركا عاما، ولكن لا يمكن الادعاء بأن هناك نموذجا واحدا يتعين العمل به. الفائزون في منطقتنا العربية هم من خلصوا إلى طريق واضح من البداية للتعامل مع الاستقرار والازدهار كوسيلة وليس كغاية في حد ذاته، فهما في نهاية المطاف نتيجة للجهد الذي تم بذله سعيا إلى الرفاهية والأمان.
ومن الحقائق ثالثا، أن المنطقة لديها موروث من التناقضات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية أيضا يجرها دائما إلى الوراء مما يجعلها مسكونة دوما بالبحث أولا عن توفير متطلبات الاستقرار والازدهار لشعوبها حتى أصبحت المسألة غاية وليست وسيلة. وصحيح أن الشعوب الأخرى واجهت موروثات ربما كانت أثقل مما تعانى منه المنطقة العربية، ولكنها في لحظات تاريخية امتلكت الإرادة للتخلص منها، بينما لم يحدث ذلك بالنسبة للمنطقة العربية، وعندما أتيحت الفرصة التاريخية بنشوء الدول الوطنية في مرحلة الاستقلال الوطني لم يكتمل استغلال الفرصة، وما زلنا نردد ونحن في القرن الحادي والعشرين مقولة إننا أمة الفرص الضائعة!. وليس ذلك من باب جلد الذات، ولكن لأنه جانب من المشهد الذي لا يختلف حوله اثنان بأنه يدعو إلى الأسى. المشكلة التي عرقلت الحسم في هذه القضية بالنسبة للخاسرين في منطقتنا العربية تتركز في ثلاثة محاور، الأول يتعلق بقضية السلطة هل لها مشروعية أم موضع خلاف مجتمعي، وفي حالتهم هي موضع نقاش وتشكك إن لم تكن مرفوضة. ولا شك أن كثيرا من معالم عدم الاستقرار السياسي الذي يعانون منه مرجعه هذه القضية المحورية، وغالبا ما يكون العامل الخفي وراء أزماتهم والذي لا يودون الإفصاح عنه هو صراع القوى السياسية عبر الزمن على السلطة وليس كما يشاع نتيجة خلافات في الرؤية الوطنية حول تحديات الفقر وعدم التكامل الجغرافي والاجتماعي والتعرض لمؤامرات خارجية، هذا بينما الفائزون والشعوب الناجحة الأخرى وضعت لهذه القضية المهمة قواعد وارتضت بها واحترمتها دائما مهما كانت قوة التحديات الداخلية أو الخارجية.
والمحور الثاني ذو طبيعة فكرية أو ثقافية لأنه يتعلق بدور النخبة ومدى تعاونها مع السلطات القائمة حيث غالبا ما تكون العلاقة بين الجانبين إما تبرير مطلق من النخبة لهذه السلطات أو اعتراض مطلق عليها، بينما العلاقة يجب أن تتسم بالتعاون والمشاركة، وفرق كبير بين الخيارين لأن التعاون والمشاركة يستندان إلى عامل محايد هو المصلحة الوطنية لا إلى التقرب أو الصدام المتعمد مع السلطة.
وأما المحور الثالث فذو طبيعة اجتماعية حيث لا يخفى أن الانقسامات المجتمعية لأي سبب من الأسباب تجعل الاستقرار السياسي أقرب إلى الاستحالة. المجتمعات الأخرى التي نهضت منذ زمن وكانت بينها انقسامات حادة ارتضت العيش المشترك والتراضي فيما بينها لأنها يحب الحياة ومن ثم تفكر دائما في كل ما يدفعها إلى الأمام، ولا يخفى أن الفائزين عربيا نجحوا في تجاوز هذه العقبة، بينما الخاسرون لا يزالون يعانون منها. الخاسرون في أمس الحاجة إلى أن يستوعبوا الدروس وكلها تدعو إلى النظر للاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي على أنه فقط مجرد وسيلة يجري حسم أمرها مرة واحدة ثم الانطلاق منها إلى الغاية الحقيقية وهي تحقيق الأمان والرفاهية والمكانة.