لماذا يكسد الكتاب في العالم العربي؟!

لا حملات تسويقية وكل شيء رهن للصدفة –
تحقيق : عاصم الشيدي –

لماذا لا يلقى الكتاب رواجًا في العالم العربي كما يلقى خارجه في أوروبا على سبيل المثال وفي أمريكا وفي اليابان والصين، حيث يباع من الكتاب مئات الآلاف من النسخ؟ تصدر كتب غاية في الأهمية تمس الشأن العربي في أمنه، وفي مستقبله، وفي تاريخه لكنها تبقى على الرفوف لا يعلم عنها أحد إلا بالصدفة.. يتكدس فوقها الغبار قبل أن يلتفت لها زائر بالصدفة وحدها؟!
كنت في باريس الصيف الماضي عندما لفت نظري كثرة الإعلانات لمذكرات زوجة الرئيس الأمريكي السابق ميشيل أوباما التي حملت عنوان «وأصبحتُ» أينما ألتفت أجد إعلانا على واجهات المكتبات، وعلى حافلات النقل، وفي الصحف اليومية، وفي القنوات الفضائية، ولأنني لا أقرأ باللغة الإنجليزية استغربت سبب ذلك، وتمنيت أن يتم ترجمة الكتاب سريعًا حتى أعرف ما فيه خاصة أنني وجدت خبرًا يقول: إنه تم بيع مليون ونصف نسخة من الكتاب في أول أسبوع لطرحه في المكتبات بحسب ما قالت دار النشر «كراون ببليشينغ». لم أكن أعلم حينها أن الكتاب كان على وشك أن يصدر باللغة العربية متزامنًا مع ترجمات لـ30 لغة. ولأشهر بعد ذلك لم أعرف أن النسخة العربية من الكتاب صدرت فعلًا، أقول ذلك وأنا أعمل في صحيفة وأتابع ما تكتبه الصحف وما تنشره وكالات الأنباء بشكل يومي.
كان السؤال الذي يدور في الذهن حينها: أين تكمن المشكلة؟ هل في القارئ العربي الذي يحلو للبعض أن يقول مشيرا له بـأنه «لا يقرأ» أم المشكلة في آلية تسويق الكتاب في العالم العربي وتقديمه للقارئ؟

هل تنفق دور النشر في العالم العربي على تسويق إصداراتها أم تعتمد فقط على زوار معارض الكتاب أو مرتادي المكتبات؟
حملت هذه الأسئلة ودخلت معرض مسقط الدولي للكتاب ودرت بين أجنحته وكانت الإجابات متباينة بعض الشيء ولكنها تتفق على أن قيم التسويق في العالم العربي لا تتفق مع القيم الغربية هذا إن وجدت قيم في الأساس، وأما البعض الآخر فلا يعرف ماذا أعني بالتسويق؛ ولذلك اعتذر عن الحديث، وبعض آخر قال: أطبع الكتاب وتريدني فوق ذلك نشر إعلانات عنه!
في البداية تحدثنا مع الناشر نديم نبيل مروة من دار الانتشار العربي الذي كان رده صريحا ومباشرا: لا ننشر أي إعلانات في الصحف، نروج عن كتبنا فقط على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى تويتر بشكل أساسي. لكن نديم قال: إنه يؤمن أن هذا لا يكفي أبدا ولذلك يقول: إن عالم النشر في العالم العربي قائم على أخطاء صريحة وواضحة، وأغلب أصحاب دور النشر في العالم العربي لا يفقهون في فنون التسويق؛ ولذلك يلاقي الكتاب العربي ركودا ولا ينتشر كما ينتشر في بقية أنحاء العالم، حتى تلك الكتب التي تروج في العالم كله لا تلقى رواجًا حقيقيًا في العالم العربي.
لكن نديم يتحدث عن مشكلة أخرى لدى الكتب التي تلقى رواجًا في العالم العربي وتقف أمام أن تقدم أي دار نشر عربية على ضخ أموال في الجانب التسويقي، وهي أن أي كتاب يلقى رواجًا في العالم العربي سرعان ما يتم قرصنته، فتجده يباع مقرصنا على الأرصفة، وحتى في معارض الكتب. ويضيف نديم: وغير التزوير يتم أيضًا تحويله إلى كتاب رقمي وينشر على الكثير من المنصات التي تعرض الكتب الرقمية المقرصنة. يصمت نديم قليلًا قبل أن يعود للقول من يستطيع المجازفة لدفع أموال طائلة على التسويق في مثل هذه الظروف؟
ومن دار الانتشار إلى دار هاشيت انطوان/‏‏نوفل وهي الدار التي اشترت حقوق ترجمة مذكرات ميشيل أوباما. يقول إيلي صفير: إن الدار لديها فريق تسويق، وتعتمد ميزانية جيدة للتسويق سواء على الصحف أو على مواقع التواصل الاجتماعي، كما أن الدار، وبحسب إيلي صفير، باقية على ثقافة توزيع نسخ على المحررين الثقافيين للكتابة عن الإصدارات الحديثة، تلك العادة التي كانت سائدة في سنوات ماضية ولكنها اختفت تماما اليوم.
إيلي صفير يقول: إن مذكرات ميشيل أوباما التي بيع منها أكثر من مليون نسخة في أسبوع واحد تباع بشكل جيد في ترجمتها العربية. وعندما طلبت منه تحديد عدد النسخ التي باعها من هذه المذكرات في معرض مسقط الدولي للكتاب قال بعت 15 نسخة حتى اليوم الرابع من المعرض! ورغم احتفائه بالرقم، ولكنه يبدو أقل من أن يقال عنه متواضعًا مقابل ما لاقته هذه المذكرات في العالم.
لكن إيلي يطرح فكرة أخرى فيما يتعلق بالتسويق. فهو يتحدث عن أكثر من 64 ألف متابع لصفحة الدار على موقع فيسبوك، و16 ألفًا على تويتر، وهذا يساهم في التعريف بإصدارات الدار بشكل سهل ومجاني أيضا ويصل إلى فئة الشباب. ثم يقول إيلي: إن الكتّاب أنفسهم يساهمون ويشاركون في فكرة الترويج.
ودار هاشيت انطوان لديها حقوق نشر إصدارات الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي ويرى صاحب الدار أن أحلام حالة خاصة في موضوع تسويق كتبها لأن لها متابعين بأرقام كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ ولذلك فإن كتبها تباع بأرقام كبيرة.
وفي دار الوراق وهي دار عمانية عمرها أربع سنوات فقد تحدثت لنا زينب الغريبية، وقالت: إن التسويق في العالم العربي صعب جدا؛ لأن العرب ينطبق عليهم القول: «أمة اقرأ لا تقرأ» رغم ذلك فإن الدار تبذل جهدًا جيدًا في التسويق، وتؤمن أنه مؤثر جدًا، وحول الآليات التي تعتمدها الدار في التسويق تقول الغريبية: نحاول أن نخاطب الشباب عبر منصاتهم، نذهب إلى مواقع التواصل الاجتماعي ونروج هناك عن إصداراتنا. نعرف، والحديث للغريبية، أن هناك مجموعات قرائية على الواتساب؛ ولذلك نذهب لها ونعرض إصداراتنا، ونحضر على هذه المنصة بشكل كبير، إضافة إلى تويتر والفيسبوك.
وحول المعيار الذي تعتقد الغريبية أن الكتاب يكون قد حقق معا مبيعات جيدة تقول: لو بعنا من الكتاب الواحد 400 نسخة فهذا يعني أننا حققنا مبيعات ممتازة! وتضيف: إن الكاتب نفسه يساهم اليوم في الترويج، سواء من خلال صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر حفلات التوقيع التي تلفت النظر وتستقطب بعض القراء لاقتناء الكتاب.
وفي سياق آخر تقول الغريبية: إن المكتبات المحلية لا تشتري الكتب، ونضطر للتعامل معها عبر عرض إصداراتنا لكن تواجهنا مشكلة أن المكتبات لا تدفع لنا حقوقنا بعد بيع الكتب ونبقى معهم في حيرة هل نستمر أم نتوقف.
أما رنا سهيل إدريس المديرة العامة لدار الآداب البيروتية الشهيرة فتقول: إن تسويق الكتب في العالم العربي لا يشابه أبدا ما يحدث لدى الغرب. نحن، في العالم العربي، نطبع أعدادا بسيطة؛ لأن الإقبال محدود جدا. الغرب يطبع بالملايين؛ لأنه يروج بشكل جدي، وتقوم دار النشر بعمل رحلات تسويقية لكتبها في مدن عالمية عدة، كما أنها تنظم حفلات قراءة في الكتاب بمصاحبة حفلات موسيقية أو حفلات عشاء، ولذلك الغرب يصرف كثيرًا على التسويق من أجل أن يصل للأرقام الكبيرة التي نقرأ عنها.
ومعروف أن الكاتب في الغرب يمكن أن يعيش بما يكتب أو من وراء أرباح كتاب واحد فقط لكن هذا لا يعرفه العالم العربي أبدا.
ثم تتساءل رنا إدريس: ما الحملة التي تقترح عملها مع كتاب لا يبيع إلا أعدادًا بسيطةً جدًا، وإذا باع الكتاب أعدادًا معقولةً وفق المنظور والطموح العربي فإن الكتاب سرعان ما يتم تزويره، فنضطر لتخفيض سعره من أجل أن يقبل القارئ على النسخة الأصلية، ولكن يكون الأمر قد خرج من أيدينا ولا أحد يحاسب المزورين والمقرصنين.
تواصل ابنة الكاتب الكبير سهيل إدريس حديثها بالقول: نحتاج في العالم العربي إلى ثقافة مدنية، أن يحترم القارئ الكتاب وحقوق الكتاب وحقوق الناشر. في الغرب الكتاب المزور لا يشتريه أحد؛ لأن المجتمع يؤمن بفكرة الملكية الفكرية.
لكن رنا تؤكد أن دار الآداب رغم عراقتها وتقاليدها التي تحاول العمل وفق سياقات الغرب لا تنشر إعلانات مدفوعة في الصحف أبدا، ولكنها تعلن عبر إعلانات مدفوعة في مواقع التواصل الاجتماعي ولديها قرابة مليون متابع في فيسبوك وحده، وهذا يساهم في ترويج إصداراتها والتعريف بها.
لكن رنا تحدثت أيضا عن انتهاء الحركة النقدية الصحفية التي كانت تلفت نظر القراء للإصدارات الجيدة، ولم يبق إلا نقد وسائل التواصل الاجتماعي الذي يتركز في عبارات إعجاب أو نقد مقتضبة فقط. ورنا ترى أن الأمر تقلص حتى في الغرب؛ ولذلك يلجأ القراء اليوم لمواقع تقييم الكتب، والتقييم الذي تعنيه رنا يشبه ذلك الذي نراه في تقييم الفنادق عندما نريد أن نحجز فندقا عبر مواقع الحجوزات الإلكترونية. ثم تحدثت رنا عن فكرة النشر في حد ذاته فتقول: إن الناشر في الغرب ناشر والموزع موزع، هناك شركات توزيع متخصصة أما الناشر فينشغل بفكرة النشر وانتقاء الكتب.
وحول محاربة التزوير تقول رنا إدريس إن في لبنان تجمع من 13 دار نشر تحت مسمى «ناشرون من أجل المهنة»، وهدف هذا التجمع محاربة التزوير، ونحن ندفع مبالغ شهرية لجهة متخصصة لتقوم بدور محاربة التزوير بالنيابة عنّا، حيث تتبع الجهة مواقع القرصنة وتقوم بملاحقتها والتبليغ عنها.
وفي سياق الحديث عن ترويج الكتب وتسويقها لا يمكن تجاهل تجارب جديدة باتت ظاهرة في معارض الكتب في منطقة الخليج، وهي ما تقوم به دور النشر الكويتية. وهي دور تجد حولها زحمة كبيرة في معارض الكتب.
ولمعرفة تفاصيلها تحدثنا مع عبدالعزيز القطان من دار بلاتينيوم الكويتية. والمفاجأة أن هذه الدار لا تقوم بنشر أي إعلانات على وسائل الإعلام الورقية، فقط يتجهون إلى مواقع التواصل الاجتماعي كمستوى أول من مستويات ترويج الكتب. لكن هناك مستويات أخرى تتمثل في وجود العديد من المؤلفين في جناح المؤسسة في معارض الكتاب ويقوم المؤلف بالحديث عن كتابه، وإذا لم يحضر يقوم فتيان وفتيات بهذه المهمة. ويقول القطان: إن دور بائع الكتب ليس محاسبة المشتري نقديًا عبر استلام قيمة الكتاب؛ فهذا دور المحاسب. أما دور بائع الكتب فهو الحديث عن الكتاب، ونحن نعتمد استراتيجية عرض محتوى الكتاب في 30 ثانية حتى نستطيع الحديث مع أكبر قدر ممكن من زوار الدار. كما تقوم الدار ببث تسجيلات مباشرة للمؤلفين المتواجدين في معارض الكتب عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وعندما قلت للقطان: إن أغلب زوار داركم ودور كويتية أخرى هم من فئة المراهقين لأن كتبكم تخاطب في الغالب هذه الفئة قال: كان هذا في البداية ولكن الآن نحن ننشر لكتّاب كبار أمثال إسماعيل فهد إسماعيل وطالب الرفاعي وسعدية مفرح وكذلك بعض رجال الدين؛ ولذلك تنوع زوار أجنحتنا، وعندما سألته عن الذي دفع أمثال هؤلاء للنشر في دور جديدة اشتهر عنها توجهها للمراهقين قال: التسويق. هؤلاء رأوا أن إصداراتنا تبيع أعدادًا كبيرةً؛ ولذلك اختاروا النشر معنا رغبة في التسويق الجيد.
وحول من يتحمل كلفة تنقل المؤلفين لمعارض الكتب قال: الدار تتحمل كل تكاليفهم سواء من تذاكر أو إقامة أو معيشة.. فقط عليهم التواجد، مشكورين، في جناح الدار والحديث مع الزوار عن إصداراتهم.
ومن تجربة دور النشر الكويتية إلى تجربة مكتبة جرير السعودية التي تلقى إصداراتها رواجًا أيضًا في معارض الكتب أو عبر فروع المكتبة في المملكة السعودية.
يقول وائل موسى: لا يمكن الحديث عن تسويق أي سلعة دون ترويج وإعلانات؛ ولذلك نخصص الملايين سنويًا لترويج كتبنا وبقية ما نبيعه في مكتبتنا وأنت تعرف أن الكتاب ليس سلعتنا الوحيدة بل لدينا أجهزة إلكترونية وبرامج وأشياء كثيرة. وحول ما إذا كانت المكتبة تنشر إعلانات في الصحف اليومية قال وائل: نعم نفعل ذلك، ولدينا على سبيل المثال فرعان للمكتبة في الإمارات، وطوال شهر رمضان تجد إعلانات لنا في قناة القرآن الكريم، هذا مثال واحد فقط، والمثال خارج المملكة فما بالك بالمملكة التي تنتشر إعلاناتنا في كل مكان؛ ولذلك تلقى كتبنا إقبالًا جيدًا جدًا.
***
رغم تباين الآراء ورغم الحديث عن تسويق عبر التواصل الاجتماعي كخيار عصري جديد لكن الذي يتضح من مجمل ما سمعنا أن فكرة التسويق لدى دور النشر العربية مشوشة كثيرا ولا تتبع خطة واضحة ولا يخصص لها جزء من هامش الربح والتعاقدات؛ ولذلك تبقى الأمور لخيارات الصدفة وحدها ولشخصية المؤلف إذا كان له حضوره الإعلامي أو حتى المنبري الديني فإن كتبه يمكن أن تروج كثيرا وإلا فإنها تبقى على أرفف الغبار وحبيسة الكراتين لسنوات طويلة. وحتى حلم رواج الكتاب في العالم العربي لا يتعدى الأرقام المتواضعة فكل طبعة من الكتاب الواحد لا تتجاوز ألف نسخة فقط.