عطر: تاء التأنيث في وزارة الداخلية اللبنانية

رندة صادق –

هو ليس الحدث بحد ذاته، وليس بغريب أن توزر المرأة في حكومات العالم، بل أنه أمربديهي، خاصة أن بلادا كثيرة تتبع الكوتا النسائية، في تمثيل المرأة على رأس مراكز القرار عامة، وفي ادارة الدولة خاصة، وقد استطاعت المرأة أن تثبت جدارتها وقدرتها على التميز في أي موقع وصلت إليه، وفي جولة بسيطة سنجد أن الروسية “ألكساندرا دومونتوفتش” كانت أول امرأة في العالم تشغل منصب وزيرا، عندما عُينت على رأس وزارة الشئون الاجتماعية في أول حكومة بلشفية برئاسة لينين”.
أما في العالم العربي كانت “نزيهة جودت الدليمي” (1923-2007م)، ناشطة عراقية في حقوق المرأة، وإحدى رائدات الحركة النسوية وأول وزيرة عراقية، كما أنها أول امرأة تستلم منصب الوزارة في العالم العربي. وفي لبنان كانت معالي الوزيرة “ليلى الصلح حمادة “أول وزيرة لبنانية في تاريخ لبنان، حيث عُينت وزيرة للصناعة في عام 2004 أثناء تولي دولة الرئيس “عمر كرامي” رئاسة الحكومة اللبنانية .
ولعل الحدث الذي عرفه لبنان عند تشكيل الحكومة اللبنانية الأخيرة،أي تعيين أربع وزيرات هو السابقة التي لم يشهد مثلها لبنان، ولكن الحدث الملفت الذي ما زال صداه يتردد هو تعين أول امرأة في تاريخه وفي تاريخ العالم العربي “وزيرة للداخلية” حيث تم تعيين معالي الوزيرة “ريا الحسن” في هذا المنصب، مما ترك لغطا كثيرا حوله وأخذ ضجة إعلامية كبيرة، قسمت الناس مع أوضد “تاء التأنيث “في وزارة بهذا الحجم وبهذه الأهمية، واتخذوا وضعية الترقب واطلقوا التوقعات والرهانات على فشلها.
من جهة أخرى كثيرة هي الوظائف التي يبدو ان الذهنية العامة لا تتقبل أن تتولاها المرأة في عالمنا العربي، لأننا لم نتمكن بعد من تقدير قوة المرأة الحقيقية، ورجاحة عقلها في ادارة أي مهمة تتولاها، واختيارها في منصب رئاسة وزارة الداخلية، جعل البعض يراهن عليها اما سلبا أو إيجابا، في حقيقة الأمر ما زال مجتمعنا العربي غير قادر على تخيل “تاء التأنيث” في موقع القرار العسكري وعلى رأس الهرم في قرارت كمحاربة الإرهاب مثلا، واطلاق القرارات الحاسمة في امور قد تواجه الوضع الأمني في البلاد، لأن البعض يرى ان رقتها وأنوثتها تتعارض مع المواقف الحاسمة، حيث يجب أن تقيم الأوضاع وتتخذ المواقف الصائبة في أمر يحتاج دورا مباشرا لقوى الأمن.
ولكن هذا الأمرالذي أثار اعجاب البعض واعتراض البعض الآخر ليس بغريب عالميا، هناك لائحة طويلة من وزيرات عٌينَ وزيرات للدفاع وهذه الوزارة أكثر حساسية، بدأت مع توزير “سيريمافو باندرانايكا” وزيرة دفاع سريلانكا لفترتين في الستينات والسبعينات، حيث كانت أول امرأة في التاريخ الحديث تتبوأ منصب وزيرة الخارجية والدفاع. ومن بعدها كرت السبحة حتى انه في اجتماع “حلف الناتوو” عام 2017 حدثت سابقة هي الأولى من نوعها، حيث شاركت سبع وزيرات في اجتماع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ببروكسل، مثلنّ ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا وسلوفينيا وألبانيا.
التجربة العالمية أثبتت نجاحها، لذا لم يعد مقبولا اليوم أن نصنف الوظائف بتلك التي تناسب الرجل وتلك التي تناسب المرأة، ففي أميركا مثلا المرأة تقود شاحنات النقل البري، وتعمل في المختبرات النووية، وفي أماكن أكثر أهمية من وزارة الداخلية التي هي عمل استشاري في جوهرها، انها عالمة ومخترعة وجراحة، وآلاف المهام الصغيرة والكبيرة التي تواظب على اتقانها، ليس منافسة للرجل، بل اثباتا لنفسها بأنها كالرجل كائن كامل و قادر وواثق ومواظب على أهدافه ،وكل ما علينا فعله ان نشاركها ايمانها بنفسها ونمنحها فرصة مماثلة لفرصة الرجل في اثبات نجاحها وتفوقها.