نبض المجتمع: هل انتهى عصر الكتاب؟

خصيب القريني –

والمقصود بالسؤال هنا الكتاب الورقي وليس الإلكتروني الذي يعد في فترة ازدهاره وتطوره، وربما يطرح هذا السؤال مرارا وتكرارا ولكنه يكون أكثر إلحاحا في مناسبات معينة أكثر من غيرها، ولعل مناسبة معارض الكتاب أينما كانت هي الحدث الأبرز لطرح ومناقشة هذا الموضوع.
أذكر أنني قبل فترة قصيرة قرأت في أحد أعداد مجلة العربي الذي يعود إلى بداية ثمانينات القرن الماضي موضوع يتعلق بالعدو الجديد للكتاب من وجهة نظر الكاتب، الذي كان يتمثل في تقنية الفيديو وكيف أن الكاتب كان يراهن على هذه التقنية- الحديثة في وقتها طبعا- هي من سيزيل الكتاب الورقي عن عرشه، وان نهايته باتت وشيكة، ولابد من شحذ الهمم لمواجهة ما يمكن أن تؤثر به هذه التقنية سلبا على الكتاب وانتشاره، وما بين تلك الفترة التي كتب فيها المقال واليوم حدثت تغيرات وتطورات مختلفة خاصة تلك المتعلقة بالتطور التكنولوجي، حيث وصلنا إلى الثورة الصناعية الرابعة وما يرافقها من تطور في مجال الذكاء الاصطناعي، في حين ان التطورات التي حدثت للكتاب الورقي لم تكن بموازاة التطورات التكنولوجية الأخرى، رغم ان الكتاب الورقي هو في الأساس من استفاد أيضا من هذه التقنيات، حيث وجدت آلات طباعة متطورة للكتاب الورقي سواء تعلق الأمر بالجودة أو السرعة أو حتى السعر، ورغم هذه التحذيرات والتكهنات بمستقبل الكتاب الورقي، إلا ان هذا الكتاب ما زال صامدا وبقوة وان بدأ ينحسر، إلا أنه من وجهة نظري كطائر العنقاء يستطيع أن ينهض من جديد بل ويستفيد من منافسيه ويواصل مشواره جنبا الى جنب مع بقية الأدوات الأخرى.
ان وسائط الإعلام والثقافة المختلفة على مر التاريخ هي وسائط مكملة لبعضها البعض ونادرا ما يتم القضاء على إحداها بسبب الآخر، فالإذاعة والتلفزيون والصحافة لم ينقرض إحداها على حساب الآخر ولكن الذي قد ينقرض هو تلك الأدوات التي تعتمد عليها، فالإذاعة انتقلت من أجهزة الراديو الى أجهزة الهواتف الذكية وكذلك عمل التلفاز وأيضا الصحافة، ولكن ظلت على وضعها تساير كل جديد وتتفاعل معه وتستفيد منه.
ان الصحافة الورقية مثلا لا تقارن بالكتاب الورقي، ذلك ان الصحيفة في الغالب ذات طابع يرتبط في أذهان الناس بمواضيع الأخبار والتحليلات والتي يمكن الاستغناء عنها ورقيا في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي الحالية، حيث تبحث الأخبار والتحليلات عن القارئ بدل ان يكون هو الباحث سابقا عنها من خلال الصحافة الورقية، والأمر هنا يختلف عن الكتاب الورقي، والاختلاف الآخر أن الكتاب يحتاج لأجواء وطقوس معينة لقراءته، فلا يمكن ان يتم ذلك وفق شاشة الهاتف الذكي الذي ربما لا يمكنك ممارستها ليس بسبب ما يسمى بمذاق الورق ولكن لان حريتك منتهكة في الهاتف، فالإشعارات والرسائل والاتصالات لا تتوقف وستقطع عليك متعة من مُتَع قراءة الكتاب الورقي، وهنالك العديد من الأشخاص الذين ينظروا للموضوع من زاوية صحية خاصة فيما يتعلق بجانب النظر، وغيرها من الأسباب التي تجعل الكتاب الورقي لا يزال يحتفظ بأهميته رغم التطورات التكنولوجية المتسارعة والتي تحاول صنع منافس شرس له وهو الكتاب الإلكتروني.
ولكن هل باستطاعة الكتاب الورقي الصمود من عدمه، خاصة في ظل الثورة الصناعية الرابعة واعتمادها الكلي على الذكاء الاصطناعي؟ سؤال يتوقف على عوامل كثيرة ليس اقلها رغبتنا نحن في استمراريته ومواصلته لمشواره القديم.