التباينات السياسية .. هل تتجاوز مصالح النخب؟

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تصنف الحروب اليوم على أنها حروب اقتصادية بالجملة، ولأنها اقتصادية فهي تحركها النخب الاقتصادية بالضرورة، وهي التي تمتلك رؤوس الأموال التي تستفيد منها الدول، وليس الأفراد فقط، وهنا المسألة تأخذ بعدا أكثر خطورة، فبدلا من أن تتبنى الدول التي ترتبط بمواثيق ومعاهدات مع بعضها البعض،

نمارس التباين والاختلاف في مختلف مشاريعنا الحياتية بصورة يومية، ونعد ذلك أحد حقوقنا المشروعة في التحاور مع الآخر، كما يظن الآخر ذلك أيضا، والإنسان بطبيعته يسعى دائما لأن يكون مختلفا عن الآخر، في سلوكه، وفي مواقفه، وفي آرائه، وفي مظاهره، ويرى في كل هذا تميزه، ويقيم الآخرون هذا التميز فيه، ويحسبون له حساب النتائج، فليس يسيرا على أي إنسان أن يتلون حسب كل موقف وكل ظرف، إلا القليل جدا، أما الأغلبية فهم يحرصون غالبا على بقاء مواقفهم، وعلى الارتكاز على قناعاتهم، وكما الفرد هو واحد في المجتمع، فكذلك الدول هي واحدة في المجتمع الدولي، وما يقاس على الفرد في هذه الجوانب كلها، يقاس كذلك على الدولة في ذات الجوانب، ولذلك ينظر المجتمع الدولي إلى الدول ذات المواقف الثابتة، بنظرة فيها كثير من الاحترام والتقدير، وقد يراهن عليها في إنجاز الشيء الكثير من القضايا ذات الاهتمام الدولي، وقد تجلب – في المقابل – هذه المواقف على الدولة الواحدة الكثير من الإشكاليات نتيجة للتباين في المواقف من بعض الأطراف الدولية تجاهها، وقد يسعى البعض إلى التأثير فيها . وفي حياتنا التي نعيشها الآن نشاهد كل هذا أمام ناظرينا، وكأنه شريط سينمائي بلا رتوش من مخرج العرض، خاصة اليوم في ظل الثورة الاتصالية الرهيبة، التي لم تعيشها الأجيال السابقة.

عندما نتحدث عن التباين، فإننا نتحدث عن المصالح، وعندما نستحضر المصالح، فإننا بذلك ندخل في التباين، معادلة توازناتها خاضعة لظروف كل حدث على حدة، ولكن في جميع الأحوال جل التباينات السياسية تفضي في الغالب الى نزاعات وخصومات وتتصاعد الى مواجهات، وهذه كلها صور تعزز التباين، نعم في بعض الأحيان تتحقق هناك ظروف تتوافر فيها انفراجات لزحزحة المواقف تجاه مختلف التباينات، وقد تفضي الى اتفاقيات ومعاهدات؛ تعد تاريخية؛ ولكن حتى هذه الاتفاقيات والمعاهدات تحتاج الى أطراف متكافئة لكي تحقق أهدافها، وإلا ظلت كما هي في كثير من المعاهدات الموقعة بين الشعوب اليوم يظهر فيها «اختلال المواقف بدرجة او اخرى » ولذلك فهذه التباينات السياسية؛ وما أكثرها في عالمنا اليوم؛ تنعكس على مواقف الأطراف، سواء هذه الأطراف متفقة على مصالح ما، أو مختلفة فيما بينها على مصالحها الخاصة، ولن تكون نهاياتها سوى مشكلات تئن الشعوب منها ردحا من الزمن، وقد يكون من افتعلها وحرص على اشتعالها وتهييجها في مأمن لأنه؛ قد يكون؛ خارج دائرة صنع القرار بعد فترة ما، فقد يذهب مع التاريخ، وما أكثر من ضمتهم أجندة التاريخ بمآسيهم، فأصبحوا (لا يرى منهم أحد).

اعتادت المفاهيم السياسية أن تتكئ على مجموعة من القضايا محل التباينات السياسية بين الدول، او بين المجموعات، ومن هذه القضايا ما تكون قضايا تقليدية «تاريخية» ومنها ما يكون وليدة ظروف حاضرة، تفرزها تفاعلات البشر فيما بينهم، فليس شرطا أن تكون القضية مثار هذا التباين تمثل استراتيجية ما، فقد يكون بطلها فرد له أهمية ما في الدولة المختلفة معها، اما القضايا التقليدية؛ وهي محل تباين دائما بين الدول؛ فلها عناوين كثيرة، فيأتي في مقدمتها الأمن الجغرافي، والأمن الاقتصادي، والأمن الثقافي، والأمن المجتمعي «الديموغرافي» فهذه كلها قضايا تعتبر تقليدية قياسا بعمر ديمومتها وتصدرها المشهد الدولي منذ عقود من الزمان، وعلى الرغم من هذه الديمومة الطويلة في عمر التباينات حولها لدى المجتمع الدولي، إلا أنها لا تزال هي محور مختلف هذه التباينات في كل فترة تمر، ولا تزال تقام على أثرها الحروب والمصادمات، وتعقد لأجلها الاجتماعات، وتخصص لها الهيئات والمنظمات، ويدفع ثمن بقاء صراعاتها عشرات الآلاف من البشر، ويزيدون، ومع ذلك تتهيج الدول بين فترة وأخرى على بعضها البعض، وتتصارع المصالح، وقد تشترى الذمم، وتشن الحروب، والأعمال العدائية، ولا يزال الحال على ما هو عليه، على الرغم؛ في المقابل؛ من التطور المادي والتقني الذي تنجزه البشرية ذاتها التي تتقاتل عند الضفة الأخرى، فهل نزعة الحروب والقتل هي نزعة فطرية أيضا؟!
ولا تتوقف مختلف التباينات على القضايا الدولية فقط، فهي تشمل قضايا محلية تأخذ بعدا إقليميا، وتأتي أخرى إقليمية، فتأخذ بعدا دوليا، وتأتي ثالثة دولية، ولكن يتم إسقاطها إما محليا، وإما إقليميا، فجل هذه التشابكات يقودها أناس محترفون، ينفذون أجندات سياسية على درجة عالية من الاحتراف والخبرة، وهناك خلايا تعمل ليل نهار على رسم مثل هذه الأحداث وزج بعضها ببعض، وإيجاد منافذ ومخارج للإيهام بصدق المواقف؛ على ما يبدو؛ بينما الحقيقة غير ذلك تماما، وفي كل هذه المواقف والمصادمات، تظل الشعوب المغلوب على أمرها هي من يلتحم بقضايا ليس لها يد في ميلادها، وإنما فقط، لأنها شعوب ضعيفة، ولذلك بدأت بعض الدول في البحث عن مخارج عن الزج بها في أتون مثل هذه الصراعات التي تبعد عنهم مئات الآلاف من الكيلو مترات، حيث تعمل على توسيع رقعتها التنموية المحلية الخاصة بها، لأنها تظل الخيار الوحيد للخروج من مأزق الوقوع في هذه الصراعات التي ليس من ورائها إلا الهلاك والدمار وتحقيق مصالح أكبر للدول وللنخب التي تسير الشعوب بجهاز الـريموت كونترول إن جاز الوصف.

تأتي الكوارث الطبيعية لتزيد عمرا آخر في شأن ديمومة وبقاء التباينات السياسية أحيانا، وقد تجد فيها الدول ذات الأجندات التوسعية مدخلا لوضع قدمها الأولى نحو هذا التوسع، وتكون المسألة في بداياتها الأولى مساعدات ومناصرة، ومؤازرة، تحت ذرائع إنسانية، ثم تتوسع الصورة لتشمل احتواء، وتكوين أصوات، فتتحول من كارثة طبيعية اعتيادية، إلى قضايا مفتعلة، تستلزم تدخل المجتمع الدولي لحلحلة مجموعة التباينات السياسية بين الشعوب وحكوماتها، وبين الدولة ذاتها ودول المجتمع الدولي، التي نزلت على أرضها بمحض إرادتها، تحت عناوين المساعدات الدولية، قد تكون عبر المنظمات الإنسانية غير الحكومية، ولذلك بعض الدول تتنبه إلى مثل هذه الـ «الشراك» فتعتذر بأدب جم عن هذه المساعدات، وبذلك تعفي نفسها ومواطنيها الوقوع في مآزق (خط الرجعة) للدول المانحة للمساعدات، وهناك دول؛ بحكم ضعفها المادي، وهلامية وضعها السياسي؛ تقبل على مضض، وقد تدرك أنها سوف تدفع ثمنا باهظا لذلك، فالمانح، في أغلب الحالات، سيظل يمارس حالة (المن وربما الأذى ) كلما وجد إلى ذلك سبيلا، تحت ذرائع كثيرة منها: عقائدية؛ دينية او سياسية، ومنها مذهبية ؛ وما أكثرها، ومنها من يلعب على وتر التعدديات: أما تعدديات (ثقافية) أو تعدديات (عرقية)، أو تعدديات (لونية) كل ذلك بهدف انتاج طابور خامس يمكن العودة إليه إذا لزم الأمر عندما تحتدم التباينات السياسية بين مختلف الأطراف، وهذه إشكالية نوعية تعيشها كثير من شعوب العالم، ويعتقد خطأ من يظن أن يكون هناك عطاء دون مقابل في الفهم السياسي، وفي حقيقة العلاقات القائمة بين الدول على اختلافها.
تصنف الحروب اليوم على أنها حروب اقتصادية بالجملة، ولأنها اقتصادية فهي تحركها النخب الاقتصادية بالضرورة، وهي التي تمتلك رؤوس الأموال التي تستفيد منها الدول، وليس الأفراد فقط، وهنا المسألة تأخذ بعدا أكثر خطورة، فبدلا من أن تتبنى الدول التي ترتبط بمواثيق ومعاهدات مع بعضها البعض، تختزل هذه المسألة من هيبة الدولة إلى قرار فرد، يراعي أكثر ما يراعي مصالحه الخاصة فقط، ومن هنا تبدأ هيمنة النخب في مد أذرعها في مختلف القضايا الدولية المصيرية للشعوب كافة، ولذلك فعندما تتحرك النخب في تأصيل بقاء هذه التباينات وتفاعلها، والعمل على تأجيج الصراعات بين الأطراف المختلفة، تتحمل الشعوب دفع فاتورة التكاليف، ولكن لأن المسالة مبنية على مصالح وفق مفهوم السوق القائم على الربح والخسارة، فإن الفاتورة التي سوف تدفعها الشعوب لا تمثل أهمية كبيرة عند هذه النخب التي تنفذ الأجندات المختلفة الاقتصادية منها والسياسية، فتحقيق المصالح، ولو بهذه القسوة، هو المهم في الفكر السياسي لهؤلاء، ولن يلتفت الى التداعيات الإنسانية المصاحبة لتنفيذ مثل هذه الأجندات.
أختم هنا بالقول: إنه لا توجد سياسة خطها أفقي دائما، فالتقاطع أمر حاضر في نقاط الاختلاف والتطابق في مختلف العلاقات القائمة بين الدول، اذ توصف السياسة دائما بأنها «تخلو من الأخلاق»، ويظل خلقها الأوحد تحقيق المصالح، وأغلبها مادية، وتحت أية ذريعة تكون.