مفاتيح تحريك الأصول العامة

مصباح قطب –
يمكن القول بكل ارتياح إن هناك فارقا كبيرا بين إدارة الأصول وبين تدوير الأصول. بمعنى آخر ان إدارة الأصول بهدف تعظيم منافعها أو تقليل خسائرها أو ترشيد نفقاتها أو رفع كفاءة أدائها أو تطوير منتجاتها أو زيادة حصتها بين المنافسين أو كل ذلك جميعا، شىء، وتدوير الأصول بمعنى بيعها كليا أو جزئيا وإعادة البيع والدمج والفك والتركيب وتعلية رأس المال ثم خفضه وطرح أسهم ثم شطبها وطرح شهادات إيداع ثم تجزئتها وغير ذلك، شىء آخر. وفى اعتقادي أن ضبط العلاقة بين الإدارة والتدوير واحد من أخطر المهام التى يتعين على أي حكومة القيام بها من الناحية الاقتصادية. لكل من المجالين أهميته ودوره لكن خلط الأدوار له عواقب وخيمة. فى وقت من الأوقات كنا نقلل من دور مؤسسات وشركات وخبراء تدوير الأصول لكن خبرة الزمن علمتنا أن التدوير برغم كل شىء وبرغم مسؤوليته عن الفقاعات المالية وغير المالية مهم جدا فى مجال تسعير الأصول مقارنة بالنظير محليا وعالميا وبيان أوجه الضعف والقوة فيها وكشف واعديتها من عدمه. وتزاد خطور خلط الإدارة بالتدوير بصفة خاصة فى المراحل التى يراد فيها خصخصة اصول للدولة او طرح شركات عامة بنقل إدراتها أو مليكتها الجزئية أوالكلية إلى القطاع الخاص أو حتى بيع جانب من أسهمها للجمهور العريض. ويقينا فإن الكثير من الدول العربية تعيش الآن فى مرحلة كهذه، وبعضها قد يكون فى إطار موجة ثانية أو حتى ثالثة من خصخصة الأصول العامة ،أي تكونت لديها خبرات يجب عدم إهدارها عند الطرح الجديد. ومن الملاحظ أنه كثر ويكثر فى الأعوام الأخيرة اللجوء إلى أهل التدوير فى سبيل طرح الأصول العامة بما يعني أننا لم نع الدرس جيدا أو لا ندرك خطورة هذا الخلط. العقل والمنطق يقولان إن لأهل التدوير دورا فى تقديم الاستشارات اللازمة فيما يخص التسعير والتقييم والأفق المستقبلية للأصل ووضع المنافسة المحلية أو الإقليمية أو العالمية وطبيعة حركة رؤوس الأموال وتدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر فى الوقت الراهن– أي وقت التفكير فى الطرح أو تنفيذه– وهكذا ، لكن يبقى الأصل فى الموضوع هو الانصات الى الاقتصاديين والسياسيين لمعرفة الابعاد الكلية لعملية الطرح ودورها فى تحريك الاقتصاد وتوسيع السوق وتدعيم المنافسة من عدمه وتأثيرها على القطاع المعني اوالقطاعات المتشابكة ، وعلى الاسعار والمستهلكين من الطبقات المحدودة الدخل بصفة خاصة، والذين يفترض انهم كانوا الاكثر استفادة من الاصل العام القائم، ولماذا يباع اصل او يتم الحفاظ عليه ملكية عامة؟ ولماذا يجب ان تتم تصفية آخر او بيع جزء من اسهم ثالث ؟ وهكذا.

لقد أدهشنى احد الوزراء السابقين لقطاع الاعمال العام فى مصر (الدكتور مختار خطاب) خلال حوار ممتد بيننا منذ فترة حول الشركات العامة ومصيرها ، والاهداف التى يجب ان تحققها عملية اعادة النظر فى ملكية الاصول العامة، بالقول إن من المهم لصانع القرار ان يلاحظ انه يوجد فى المجتمع فى النهاية من يعتقد ان الملكية العامة هى الافضل له وللدولة ويدافع عنها بكل السبل السياسية وعبر الميديا والادب والكتابة والفن ، ومن المفيد سياسيا تحقيق رضا هذا الجمهور او نيل ارتياحه إزاء ما يتم من اجراءت بترك شركات عامة مختارة لها دور ملموس فى حياة الناس ملكا للدولة ما دام ان ذلك لن يضر المال العام اوا لخزانة العامة كما لا يعوق عملية تطوير التشريعات الحاكمة لعمل الشركات العامة وطرائق ادارتها والحساب على نتائج اعمالها ومراقبتها ومساءلتها.
من المؤكد ان مثل هذه الطريقة فى التفكير قد تفوت على الاثنين معا ، اقصد اهل ادارة الاصول واهل تدوير الاصول ، لكنها يصعب ان تفوت على الاقتصادى او السياسى. كثيرا ما يقال ان الافكار الشمولية عطلت مسيرة تحرير الاقتصاد فى المنطقة، وانها دعمت استمرار القطاع العام رغم فشله، ويشكو مجتمع رجال الاعمال كثيرا من الصورة السلبية عنهم فى الاعلام و قد يري بعضهم بأن الاعلام مسؤول عن تطفيش الاستثمار، وانه يتحمل المسئولية عن تدليل عمال القطاع العام او الخسائر التى تتكبدها الشركات العامة، وفى واقع الامر فإن اطرافا عدة تتحمل المسؤولية عن ذلك وليس الاعلام وحده، وإلا قل لي متى رأينا جمعية رجال او صاحبات أعمال تعنى بتحقيق رضا المجتمع عن عمليات طرح الاصول العامة ومنطقية حالات الطرح وجدواها للمال العام وللكفاءة اوالرشادة وللمستهلكين؟.
لذلك فان مفاتيح نجاح الطروحات العامة تتمحور حول وضع اهداف واضحة للطرح يكون فى مقدمتها بالطبع زيادة عوائد الدولة وتحسين الانتاجية وتطوير التكنولوجيا وتدريب العمالة ورفع انتاجيتها ودخولها وزيادة جاذبية الاقتصاد للاستثمارات وتشديد الرقابة وتغيير نهج المحاسبة بيحث يكون على النتائج وليس على الاجراءات ومعها بالطبع ما اشاراليه الوزير الاسبق اى نول رضا الجانب الاكبر من الجمهور واقناع اولئك الذين يتحيزون الى الملكية العامة بان ما يتم هو فى الصالح العام فعلا ، وليس فى صالح فئة بعينها، كما ان ما يجرى يتم فى شفافية تامة ونزاهة ، وحرص على مصلحة الدولة والمجتمع فى الاجلين القصير والطويل.
ومن المهم فى كل الحالات ان يطرح المطبخ الاقتصادى الذى يقود الاقتصاد وعمليات الطرح على نفسه الاسئلة التالية بحسبما ارى وفى ضوء ايضا خبرة الدكتور مختار خطاب نفسه :
هل تباع الشركات الخاسرة فقط ؟ وإذا كانت الإجابة «لا» هل تباع الشركات الخاسرة أولاً ثم بعد ذلك تباع الشركات الرابحة ؟.
هل تباع الشركات للجمهور فى البورصة أم للمستثمرين (مستثمر رئيسى) ؟.
هل يتوقف إصلاح الشركات والإنفاق على هذا الإصلاح حال أن مصيرها هو البيع حيث لا يجب إهدار الأموال فى توسعات وإصلاح مشكوك فى نتائجه او قد يقود الى تراكم خسائر اخرى؟ هل تستبقي الدولة بعض الشركات ؟ وما هى المعايير التى يمكن الإحتكام إليها للاستبقاء او عدم الاستبقاء ؟. ما هى خبرة تاريخ الاداء والخسائر للشركات العامة وماذا نستنتج منها؟ هل يمكن ان نبيع شركة الان ثم نكتشف ان الحاجة اليها كشركة عامة ستزيد بقوة فى المستقبل وكيف نستردها فى تلك الحالة؟. ما الشركات التى يجب ان تبقى مع الدولة لدواع امنية او اجتماعية او سياسية / اقتصادية؟ ومتى نبيع للاجانب ومتى نقصر الطرح على المحليين؟
وأخيرا ما هى الشركات التى يجب أن نقرر بوضوح أنها ميؤوس منها ( واليأس إحدى الراحتين) أي أنه لامستقبل من أي نوع لها ، فلا تصلح للبيع أو الإبقاء عليها أو لاتقبل أي إصلاح ولن يشتريها او يعنى بها احد محلي أو اجنبى ، ومن ثم فإن تصفيتها هى أفضل الحلول ، وكيف يمكن أن نعجل بالتصفية بحيث لا تتحول هى الأخرى إلى صنبور خسائر أخر ؟.
أعتقد بعد ذلك كله أن عمل فرز دقيق لكل شركة وتحديد موضعها فى خريطة الخصخصة أو العمعمة سيكون ميسورا وأيضا مقبولا من الجمهور العام ، فالاحتفاظ بالملكية العامة لأسباب إيديولوجية محضة كارثة، والدفاع عن الخصخصة والقول بوجوب بيع كل ما تملكه الدولة للقطاع الخاص أيضا عمل إيديولوجى وربما كارثي أكثر. وكما يقولون العقل زينة والتوسط والاعتدال زينتان.

‏mesbahkotb@gmail.com