وتر :عُمَان التي نعشق

شريفة بنت علي التوبية –
الأوطان كالبشر لكل منهم ملامحه الخاصة به، فنحزم حقائبنا لنسافر عبر محطات شتى، لنبحث في هذا العالم عن ملامح أخرى لوجه جديد، فنشدّ الرحال إليها محمّلين برغبة الاكتشاف ومتعة السفر، وفي كل سفر قد نحتفظ بتذكار أو صورة لوجه المكان حتى نحفظ ملامحه، مأخوذين بسحر الطبيعة والثقافة والفن والحضارة والتاريخ، لكن ما من سفر يأخذنا عن هذا الوطن إلا ويردنا إليه مشتاقين ملهوفين، فمن كانت عمان له وطنا فلن يطيق البعد عنها، ومهما تجمّلت بلدان العالم أمام أعيننا، ومهما احتوتنا بفتنة أنهارها وسهولها الخضراء وأغرتنا ببياض ثلوجها وبرودة أجوائها، لكن تظل عمان الدافئة هي الأجمل، حيث لا أمان يعانق القلب ويسكنه إلا في اللحظة التي نحطّ فيها بأجنحتنا المحلّقة عائدين إلى أرض هذا الوطن. إنها عمان التي نعشق، عمان الجميلة في زمن القبح، عمان الآمنة المطمئنة في زمن الفتنة، المسالمة الوفية المخلصة في زمن الفوضى والقلق والخوف، عمان الصديقة والحبيبة والمعشوقة، وعمان قبلة الحائر الباحث عن الأمان ووجهة الزائر الباحث عن الجمال في أجواء خريفية ماطرة خضراء، أو أجواء جبلية باردة، إنها عمان التي ما خانت أخا ولا جارا ولا صديقا، بل احتوت الجميع بمحبتها، إنها عمان التي لا تحدثك عن أخبارها، بل أخبارها تتحدث عنها، وحكمة قائدها تخبر السائل من تكون وما تفعل كلما اشتد الخطب على هذا العالم المتهاوي في بؤرة من الجحيم، إنها عمان التي تعمل بصمت وما صمتها سوى صمت القوي المحب الحكيم . أحاول تجاوز عاطفتي التي عادة ما أستمد من خلالها حروفي وكلماتي؛ لأكتب عن الوطن، والوطن بالنسبة لي هو الكتابة الأصعب، فالحب الحقيقي لا يكتب ولا يقال، إنه الحب العظيم الذي لا تفيه الكلمات حقه، فما بالك إذا كان هذا الحب وطنا، وحينما يكون هذا الوطن عمان الشامخة الصامدة بشموخ نخيلها وصمود جبالها الصماء، الممتدة الواسعة بامتداد بحرها، البعيدة كل البعد عن يد تتربص بها كبعد السماء، عمان الصحراء والبحر والجبل، عمان التاريخ الممتد حتى أفريقيا وبلاد الهند والصين، إنها عمان التي نُحب كحلوى نزوانية ساخنة، أو كمذاق (المشلي) في ربوع صلالة الخضراء، أو كرذاذ خريفي ينعش الروح المتعطّشة للجمال في جبال ظفار، إنها عمان في أخلاق أهلها وطيبة قلوبهم، عمان التي تساوى فيها الجميع بمسجد واحد وفكرة واحدة ونبض واحد، ألا يحق لنا إذن أن نفخر بعمانيتنا وهل هناك عُمان كعُمان؟!