البنية المصرفية في السلطنة.. تطور وقوة وآفاق واعدة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –
إن الجهود الحكومية مستمرة في تقليل حجم الدين الحكومي وحجم عجز الميزانية، وتتفاعل مع تحدي هبوط أسعار النفط من خلال بذل الجهود لحماية الاقتصاد الوطني من التداعيات السلبية المصاحبة له، وتستغل الفرص لتطوير سياسات ترشيد الإنفاق العام وزيادة فعاليته.

ساهم القطاع المصرفي في السلطنة منذ بداية النهضة المباركة عام 1970 وحتى اليوم في تعزيز العملية التنموية وفي تطوير البنية الأساسية للبلاد، كما لعب دورا كبيرا في توسيع الأنشطة التجارية للمؤسسات والشركات والأفراد، وفتح أبواب كثيرة للمعاملات المصرفية مع دول العالم خلال العقود الأربعة الماضية بغرض تسهيل عمليات الاستيراد والتصدير لمختلف البضائع والمنتجات والسلع التي تحتاج إليها الدولة وأفراد المجتمع العماني، وسهّل عمليات إجراء تحويل الأموال من وإلى دول العالم أجمع.
وفي الواقع فإن التطور المصرفي في السلطنة بالمفهوم المتعارف عليه لم يبدأ إلا بعد منتصف السبعينيات من القرن الماضي، مع بدء أعمال ومسؤوليات البنك المركزي العماني. فحتى بداية عام 1970 لم يكن في السلطنة هيئة متخصصة في الإشراف على النظام النقدي والمصرفي، وليس ذلك مستغربا في ظل عدم وجود عملة وطنية ومحدودية النشاط المصرفي في البلاد. ولكن مع إصدار العملة الوطنية لأول مرة في البلاد، فقد نشأت الحاجة إلى وجود سلطة نقد مركزية. لذا تم إنشاء هيئة باسم «سلطة نقد مسقط» بموجب مرسوم سلطاني أصدره صاحب الجلالة السلطان سعيد بن تيمور -رحمه الله- وذلك في 19 أبريل عام 1970، وبموجبه تم تداول الريال السعيدي لأول مرة بعدما كانت الدولة تستخدم الروبية الهندية وبعض العملات الفضية الأخرى. وفي عام 1972 أصدر حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- مرسوما جديدا للنقد في سنة 1972 نص على إصدار عملة جديدة باسم «الريال العماني» الذي ما زال يتداول حتى الآن، كما نص نفس المرسوم على إنشاء «مجلس النقد العماني» الذي برز إلى حيز الوجود ليحل محل «سلطة نقد مسقط».
وخلال السنوات الأولى، ونتيجة لعدة تطورات اقتصادية ومصرفية في عمان، فقد أظهرت أهمية البحث عن صيغة أكثر ملائمة لتنظيم الأعمال المصرفية ومراقبتها، والعمل على تعزيز الموارد المتاحة للدولة، وإيداع الوفورات وادخارات المواطنين والمقيمين في الدولة في القنوات المصرفية الملائمة، الأمر الذي أدى إلى صدور القانون المصرفي لعام 1974 ومن ثم تم بالفعل إنشاء «البنك المركزي العماني» في أول من ديسمبر عام 1974، وحل محل «مجلس النقد العماني»، الذي تم تحويل أصوله (موجوداته) وخصومه (مطلوباته) إلى البنك المركزي العماني، الذي باشر أعماله الرسمية لاختصاصاته بصورة كاملة في الأول من أبريل عام 1975.
ويوجد بالسلطنة اليوم 26 بنكا محليا وأجنبيا منها 7 بنوك محلية و9 فروع لبنوك أجنبية بالإضافة إلى بنكين متخصصين هما بنك الإسكان العماني وبنك التنمية العماني، بجانب بنكين إسلاميين هما بنك نزوى وبنك العز الإسلامي و6 نوافد لبنوك إسلامية تابعة للبنوك المحلية. وقد أدى انطلاق البنك المركزي العماني منذ إنشائه عام 1974 إلى تعزيز دور النظام الرقابي والتشريعي للنظام المصرفي العماني، حيث أصدر البنك العديد من اللوائح والقوانين لتسهيل النمو الاقتصادي في البلاد مع ضمان الاستقرار المالي. كما حقق تقدما ملحوظا في ضمان تهيئة الأطر التنظيمية والسياسات الإشرافية التي تفي بظروف التشغيل المتغيرة واحتياجاته، وخدمة الاقتصاد الوطني من خلال ضمان الاستقرار المالي. كما أن القطاع المصرفي في السلطنة يعتبر اليوم من أهم قطاعات الاقتصاد، بل يعد أحد أبرز القطاعات تطورا وجذبا للكوادر العمانية، حيث تجاوزت نسبة التعمين في هذا القطاع 92%، ويعتبر من أكثر القطاعات كفاءة مما جعله لاعبا أساسيا في الحفاظ على التوازن المالي والاستقرار الاقتصادي، وداعما مهما للحركة التنموية في السلطنة، وفي مقدمتها دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمساعدة على توفير فرص العمل والحد من البطالة.
وفي السنوات الأخيرة أعلن البنك المركزي العماني عن حرصه الكبير على تشجيع وتحفيز مزيد من نمو الائتمان الممنوح للقطاعات الإنتاجية ومن ضمنها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي كانت تلقى العناية من قبل القطاع المصرفي منذ السنوات الأولى للنهضة المباركة، وذلك في إطار السياسات التي تنفذها الحكومة في هذا الإطار نتيجة للتحديات الجديدة الناجمة من تراجع عائدات النفط، الأمر الذي يتطلب القيام بإجراءات احترازية لمعالجتها. وقد شهد القطاع المصرفي في السلطنة نموا معتدلا في الائتمان والودائع على حد سواء خلال الفترة الماضية بالرغم من التباطؤ العام في الاقتصاد المحلي والعالمي، حيث تشير أحدث البيانات إلى ارتفاع إجمالي رصيد الائتمان الممنوح من قِبل القطاع المصرفي إلى 23.7 مليار ريال عُماني مع نهاية يناير 2018، مسجلا نموا بنسبة 7.3% عن مستواه قبل عام، في حين سجل إجمالي الودائع لدى القطاع المصرفي نموا بنسبة5.1% ليصل إلى 21.7 مليار ريال عُماني في نهاية يناير من العام الحالي. كما تبنت السلطنة خلال السنوات الماضية منظومة الصيرفة الإسلامية منذ مطلع العام 2013 حيث تواصل التجربة تحقيق مزيد من النجاحات بحيث بلغ إجمالي أصول البنوك والنوافذ الإسلامية بنهاية شهر يناير من العام الحالي نحو 9.3 مليار ريال عُماني وهو ما يشكل 2.21% من إجمالي أصول القطاع المصرفي في السلطنة.كما يأتي تبني السلطنة للصيرفة الإسلامية بهدف تنويع الخدمات المصرفية والمالية في السوق المحلية وزيادة التعمق والشمول المالِيَين من خلال توفير فرص الاستفادة من خدمات القطاع المالي والمصرفي لشريحة أكبر من أفراد المجتمع والتي ترغب في الاستفادة من الخدمات والمنتجات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. وقد أدى نمو قطاع الصيرفة الإسلامية داخل السلطنة إلى بروز بيئة تنافسية صحّية تساعد على تحقيق أهدافها المرجُوة في قطاعات التمويل والاستثمار والخدمات، إلا أن هذا القطاع لا يزال يواجه العديد من التحديات التي تتطلب مواجهتها خلال الفترة المقبلة ليقوم بدوره المرجو.
ومن الطبيعي أن يواجه القطاع المصرفي اليوم بعض التحديات نتيجة للتراجع الكبير الذي نتج عن انخفاض أسعار النفط العالمية منذ منتصف عام 2014، في الوقت التي تبذل فيه المساعي للاستمرار في استقطاب المدخرات الوطنية وتلبية احتياجات مختلف الفعاليات الاقتصادية في البلاد، وتشجيع إنشاء المشاريع الصغيرة والمتوسطة والكبيرة وتوفير المرونة الكافية للتعامل مع مختلف التغيرات الاقتصادية. وفي هذا الإطار، يؤكد البنك المركزي العماني أن الاستقرار النسبي لأسعار النفط منذ نهاية العام الماضي قد أتاح لصانعي السياسة مرونة أفضل في التعامل مع الواقع الاقتصادي الجديد، وأعرب عن تفاؤله بشكل عام بشأن متانة الاستقرار المالي في السلطنة، الأمر الذي يؤكد قدرة اقتصاد السلطنة على الصمود في وجه التحديات الجسيمة التي برزت خلال العامين الماضيين، ومن ضمنها التباطؤ الاقتصادي. كما يواصل البنك المركزي العماني الاحتفاظ بمستوى ملائم من احتياطيات النقد الأجنبي بما يكفل استقرار سعر الصرف الثابت للريال العماني الذي لم يتغير، وظل ثابتا لسنوات عديدة بواقع 2.58 دولار، وساعد على ذلك ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي . والكل على أمل بأن يعاود الاقتصاد العماني النمو بدءا من العام المقبل، في الوقت الذي تبذل فيه الحكومة والقطاع الخاص جهودا واهتماما أكبر لدفع أداء الأنشطة غير النفطية وزيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، للوقاية من التأثيرات السلبية الناجمة من أي تراجع في أسعار النفط خلال المرحلة المقبلة، الأمر الذي يتطلب اتباع سياسة ضبط المالية لتحسين وضع الحساب الجاري وتعزيز استقرار الريال العماني والنظام المالي في السلطنة.
إن الجهود الحكومية مستمرة في تقليل حجم الدين الحكومي وحجم عجز الميزانية، وتتفاعل مع تحدي هبوط أسعار النفط من خلال بذل الجهود لحماية الاقتصاد الوطني من التداعيات السلبية المصاحبة له، وتستغل الفرص لتطوير سياسات ترشيد الإنفاق العام وزيادة فعاليته، بالإضافة إلى المضي قدما في البرامج الحكومية بتطوير البنى الأساسية وتعزيز قدرة القطاع الخاص على النمو والعمل من خلال الضبط المالي وزيادة الإيرادات الضريبية وإزالة دعم منتجات الوقود، في الوقت الذي يعمل فيه القطاع المصرفي بأن يتميز بمزيد من المرونة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، الأمر الذي سيعمل على استقرار المصارف في السلطنة وتمتعها بمستوى جيد من رأس المال والقدرة على توليد الأرباح ومستوى كاف من السيولة مع انخفاض نسب التعثر لكي تتمكن لاحقا من تحقيق النمو القوي. كما تتواصل الحكومة برامجها لاستقطاب الاستثمارات من الدول الشقيقة والصديقة في القطاعات الاقتصادية المختلفة وتوسيع دور القطاع الخاص في الاقتصاد العماني واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتطوير بيئة الأعمال والاستثمار وإيجاد الفرص المواتية له، إلى جانب إطلاق المشاريع الاستثمارية المناسبة للاستثمار المحلي والأجنبي، والتركيز على قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال باعتبار أن هذا القطاع من القطاعات الواعدة لتوفير فرص عمل للعمانيين وزيادة القيمة المضافة في الاقتصاد العماني، ولإضفاء المزيد من المرونة والتسهيل على بيئة الأعمال والاستثمار في السلطنة، والقطاع اللوجستي.