كأس العالم.. غابت السياسة فازدهرت البطولة

د.عبدالعاطى محمد –

برغم قوة الأحداث السياسية على الصعيدين الإقليمي والعالمي، انشغل الناس من كل شعوب الأرض بمتابعة فعاليات كأس العالم 2018 بروسيا. فلم يعد المونديال مجرد حدث رياضي كبير
، بل أيضا هو مشروع اقتصادي ضخم ينعش اقتصاد الدولة المضيفة ويرفع معدلات نموها في السنوات القادمة، كما أصبح مجالا مهما للترفيه ومن ثم جاذبا للسياحة، هذا فضلا عما يرتبط به من إثارة وتشويق بحكم طبيعة كرة القدم، اللعبة الأكثر شعبية في عالم اليوم.
وشاءت الظروف أن تشارك في المونديال هذه المرة أربع دول عربية مما جعله أكثر جاذبية في الاهتمام والمتابعة في المنطقة العربية كلها، حتى بدا المونديال فرصة لإثبات القدرات العربية على تجاوز المحن وإحراز شيء من النجاح يعيد البسمة إلى الوجوه وسط أوضاع مأساوية كافية في حد ذاتها بأن تستأثر بالقلوب والعقول ولا تسمح بالترفيه من خلال الاستمتاع بمشاهدة منافسات 32 دولة سعت لتقديم أفضل ما لديها من مواهب في اللعبة توزعت على 11 مدينة روسية.
وبغض النظر عن نتائج المباريات إيجابية كانت أم سلبية، فهكذا دائما تكون كرة القدم، وخصوصا فيما يتعلق بالأداء المحبط من جانب الفرق العربية الأربع المشاركة، فإن بهجة المونديال ظلت متوهجة وازدهرت البطولة بالفعل وكانت الفيفا أكثر الأطراف سعادة بالتطور الذي لحق بهذا الحدث الممتد منذ عقود طويلة، سواء من حيث التنظيم والقوانين الجديدة والعائد الاقتصادي الضخم الذي يعود على الدولة المضيفة والفيفا أيضا، أو من حيث الفلسفة التي تقوم عليها هذه المنافسة العالمية الفريدة بكونها تجمع بين الدول ولا تفرق.
ويستطيع النقاد الرياضيون أن يحللوا على وجه الدقة ما طرأ على اللعبة من تطور على المستوى الفني، ولكن المونديال أصبح أكبر من مجرد كونه مسابقة رياضية عالمية، ليصبح مشروعا عالميا اقتصاديا وترفيهيا من الطراز الرفيع تتنافس عليه دول العالم أجمع ممن يرون أن لديهم الإمكانيات والتجهيزات والميزات النسبية وليس قدراتهم الرياضية فحسب في مجال كرة القدم.
ولكى ينتقل المونديال هذه النقلة النوعية الكبرى مر بتطورات عديدة، ربما كان أبسطها ازدياد عدد الفرق المشاركة من فترة إلى أخرى. فقد كان 16 فريقا فقط بين عامي 1934 و 1978، ثم 24 فريقا بين عامي 1982 و 1994، ثم 32 فريقا بين 1996 و 2022 (بينهما دورة 2018 بروسيا)، ووفقا لقرارات الفيفا يرتفع العدد إلى 48 فريقا في دورة 2026 بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وقد ارتبط التزايد في عدد الفرق المشاركة بعوامل موضوعية لم يكن بالإمكان تجنبها ومنها الزيادة في عدد سكان العالم وفي عدد الدول نفسها، والثورة التي حدثت في عالم المواصلات قديما وفي الاتصالات والعالم الرقمي (مواقع التواصل الاجتماعي والبحث عن المعلومات والتعامل عبر شبكات الإنترنت في الكثير من الخطوات التنظيمية للبطولة)، هذا فضلا عن حالة الاستقرار الأمني برغم الأزمات الساخنة التي تصل إلى حد المواجهات المسلحة، ولكن لا تصل إلى حد الحروب العالمية. ومعلوم مثلا أنه تم إلغاء بطولتي 1942 و 1946 بسبب الحرب العالمية الثانية. كل هذه العوامل ساهمت في تعزيز فكرة التوسع في حجم مشاركة المنتخبات الدولية في البطولة، لأنها يسرت التنقل والإجراءات وحسنت التنظيم ووفرت الأمان للبطولة.
على أن العامل الحاسم الذي وفر النجاح المتواصل لحدث عالمي بهذا الحجم (يحدث كل 4 سنوات) هو الاتفاق الذي أصبح بمثابة العقد الذي لا يجرؤ أحد على انتهاكه، إلا وهو إبعاد السياسة عن كرة القدم، حيث من الممنوع تماما تسييس اللعبة بأي شكل من الأشكال، فلا يتم السماح باستخدام رموز أو شعارات سياسية في المباريات، ولا التعبير عن أي صورة من صور التمييز العنصري، أو إجراء تغيير في القواعد مراعاة لضغوط سياسية. ولنا أن نتذكر مثالا قريبا في هذا الصدد هو إلغاء المباراة الودية التي كان من المفترض إجراؤها بين إسرائيل والأرجنتين لأنه تم تغيير مكان المباراة من حيفا إلى القدس فكان للتغيير دلالات سياسية بكل تأكيد. وقد تضمن إبعاد السياسة عن الرياضة أمرا آخر مهما هو التعامل مع جميع الدول بقاعدة المساواة والفرصة المتكافئة، حيث لا يتم النظر للدول التي تشارك في التصفيات وتلك التي تستكمل المسابقة على أنها دول كبيرة وأخرى صغيرة، بل الجميع سواسية في الحصول على الفرص ليبقى المعيار هو القدرة أو الكفاءة، وحتى توزيع الفرق على مجموعات يتم بنظام «القرعة» وأمام الجميع وعلى الهواء مباشرة تأكيدا للمساواة والشفافية.
التوسع في المسابقة وفقا لهذه التطورات والضوابط كان له أكثر من معنى، فمن ناحية أدى إلى ازدياد شعبية اللعبة بدرجة تفوق الخيال، بمعنى زيادة الإقبال على المشاهدة والرغبة والطموح لدى العديد من الأجيال الصاعدة لممارستها. وصنع النجاح الذي تحقق بفضل انتشار الشعبية نجوما كانوا في بداية حياتهم أشخاصا مجهولين وبعضهم فقراء ومن أسر معدمة. وباتت اللعبة مصدرا مهما للرزق، ومع تطور الزمن أصبح دخول وأرقام بيع اللاعبين فلكية!. ومن جهة ثانية لكى يستمر النجاح وتزداد شعبية اللعبة لابد في المقابل من إنفاق ضخم، وهنا بدأ التحول التاريخي حيث أصبحت كرة القدم مشروعا اقتصاديا ضخما، أو على وجه الدقة أصبحت صناعة كغيرها من الصناعات الإنتاجية المعروفة. واحتاجت صناعة اللعبة إلى الكثير من أوجه الإنفاق سواء لاختيار اللاعبين المميزين أم المديرين الفنيين الأكفاء أو الأكاديميات التي تفرز اللاعبين المهرة أو الاستادات المجهزة بأفضل تكنولوجيا العصر والخدمات. هنا أصبح مالكو الأندية مهمين للغاية لأنهم يتحملون إنفاقا ضخما مقابل ما يراهنون عليه من إيرادات تأتى من شركات الإعلانات الكبرى والرعاة وجوائز الفوز سواء من الفيفا أم روابط المحترفين أم بيع التذاكر. فإذا كان هذا ما يحدث بالنسبة للأندية فكيف يكون الحال مع مسابقة بحجم المونديال تتنافس فيها كل دول العالم؟، المؤكد أنها تتحول إلى مشروع اقتصادي كبير سواء بالنسبة للدولة المضيفة أو الفيفا التي تتحكم في مسألة البيع الحصري للمباريات وتقدم جوائز مالية للمنتخبات المشاركة كل حسب تقدمه في المسابقة. لقد تكلفت روسيا أموالا ضخمة لاستضافة مونديال 2018 وذلك بعد أن فازت بتنظيمه قبل ذلك بعدة سنوات ليست بالقصيرة (8 سنوات). وتتباين أرقام الإنفاق والعائد ولكنها كلها مرتفعة فحسب ما أعلن العام الماضي أي قبل البطولة بعام ذهبت وكالة نوفستي الروسية إلى القول بأن تكلفة البطولة من جانب روسيا تبلغ 13.2 مليار دولار بما يجعلها أغلى بطولة في التاريخ حتى الآن. ومعلوم أيضا أن الفيفا تساعد الدولة المضيفة في النفقات. وبالمقابل أشارت بعض وسائل الإعلام العربية إلى أن روسيا ستحقق ما يقرب من 23 مليار دولار كعائد من البطولة، أي 10 مليارات دولار زيادة على ما أنفقته. وأشارت هذه المصادر إلى أن البطولة تساهم في نمو الناتج المحلى الإجمالى الروسي بمبلغ يتراوح بين 2.43 مليار دولار إلى 3.40مليار دولار سنويا على مدى السنوات الخمس المقبلة. وقد ذهبت أوجه الإنفاق في مشروعات للطرق والفنادق وإنشاء استادات جديدة وبناء مطارات، وكلها تؤدي غرض الخدمة الجيدة للزائرين لفترة المونديال في 11 مدينة روسية، ولكنها بالطبع ستبقى لعمر طويل تخدم المواطن الروسي في كل أرجاء روسيا. ومن جهة أخرى فإن البطولة دفعت روسيا خطوات إلى الأمام في مجال السياحة خلال فترة المونديال وتستفيد منها أيضا فيما بعد عند تنظيم مسابقات أخرى غير كرة القدم يأتي لها مشاهدون من كل أنحاء العالم. لو أن الجميع بمن فيهم الفيفا تخلى عن مبدأ إبعاد السياسة عن الرياضة وتحديدا هنا كرة القدم لما كان لروسيا أن تستضيف كأس العالم 2018، لأن العلاقات متوترة بينها وبين العواصم الغربية منذ سنوات وخصوصا في السنوات القليلة الأخيرة ، و كان من الممكن إلغاء دورة 2018 تماشيا مع العقوبات التي فرضتها الدول الأوروبية على موسكو بعد أحداث ضمها للقرم وفصلها عن أوكرانيا. وبنفس القياس ما كان للجمعية العامة للفيفا أن توافق للولايات المتحدة وكندا والمكسيك لاستضافة مونديال 2026 ، والجمعية تعلم أن هناك خلافات حادة بين الولايات المتحدة وكل من كندا والمكسيك بسبب سياسات ترامب الحمائية وموقفه المعادي للهجرة. ولكن لو فعلت الفيفا ذلك أي تخلت عن مبدأ الفصل بين السياسة والرياضة لما تمكنت يوما في المستقبل من تنظيم كأس العالم في أي مكان لأن الأزمات السياسية لا تنتهى خصوصا في هذا الزمان الذي انفكت فيه عرى التماسك والروح الجماعية بين دول العالم.